بمجرد دخول موقع من مواقع الدردشة، وما أكثرها، نجد أنفسنا أمام العديد من الأسماء المستعارة لشباب وشابات، وعلى كثرة وتنوع الأسماء والألقاب وتكرارها في مختلف المواقع، نجد بينها ما يتسم بالغرابة، التي أحيانا ما تثير الاندهاش، والتساؤل عن سبب اختيار بعض الأشخاص لهذه الألقاب العجيبة، والمضحكة، والمستفزة في بعض الأحيان. وما من متصفح للإنترنت إلا ومرت عليه غرف الدردشة والمنتديات، التي لا حصر لها، فإذا ما جرب دخول إحداها للمرة الأولى، سوف يفاجأ بمثل هذه الألقاب، ومع الوقت تصبح شيئا معتادا لمرتادي هذه المواقع.
يقول زايد علاوي (طالب): كثيرا ما أجد هذه الألقاب المثيرة للاستغراب، وأتساءل: لماذا يلجأ البعض إلى مثلها. ويختارها ليرمز بها لنفسه، وقد مرت عليّ العشرات من هذا الأسماء خلال تواجدي في غرف الدردشة المختلفة فأجد من يسمي نفسه سحلول أو الطايش وأحدهم يسمي نفسه شملول وبصراحة بالنسبة لي هي أسماء لا معنى مفهوماً لها، لهذا أتوقف عندها قليلا ثم أنصرف عنها، مستغربا، فأنا أعرف أن الإنسان إذا أراد أن يقدم نفسه للآخرين فإنه يختار أفضل الصور والألقاب، والشيء المقبول أنه حتى إذا كان يفضل تبديل اسمه، والدخول باسم مستعار، حتى يشعر بحرية أكثر في الحوار، فأنا أفهم أن يسمي نفسه اسما جميلا ومحببا للنفس، يعطي عنه انطباعا طيبا، ولكن أن يختار اسما يدعو للسخرية، أو للاشمئزاز أحيانا، فهذا شيء غير مفهوم بالنسبة لي..!
ويحاول هاني صقر (طالب) تفسير هذا السلوك من قبل البعض، خاصة الشباب الذين اعتادوا الدخول إلى غرف الدردشة قائلا: أتحدث عن الشباب بوجه خاص، لأني أعتقد أن الغالبية ممن يتخذون مثل هذه الألقاب الغريبة، هم من فئة الشباب، فمن الصعب أن يلجأ لها شخص ناضج، وكشاب أستطيع أن أفسر هذا السلوك، على أنه رغبة لكسر كل القيود، والوصول إلى أقصى مدى من خرق القواعد، فالشاب يختار اسما، ويتخيل رد فعل كل من يراه، وكم سوف يشعر بالدهشة والتساؤل بسبب غرابة اللقب، وكم من الوقت سوف يتوقف عنده، وهذا الأمر يمثل عند الشاب متعة الشعور بإثارة فضول الآخرين، ولفت انتباههم، ولو للحظات.
ويبحث علي الجلاوي (موظف) عن تفسير آخر قائلا: كله تعبير عن مكبوتات داخل الشباب، يحاولون إخراجها، من خلال تحويلها إلى صورة لهو ومزاح، فالشاب يختار الاسم المثير، حتى يجذب اكبر قدر من المتواجدين في المنتدى للحديث معه، ويكون الاسم مادة جيدة لفتح حوار، مع من يلفت نظرهم غرابته، وغالبا يكون حوارا هزليا يبدأ بالسخرية من الاسم، ثم يستمر على هذا المنوال، أو يتحول لاتجاه آخر حسب الظروف.
ويعلق محمد مخلوف (موظف) قائلاً: لست من المواظبين على دخول الشات، ولكن في المرات القليلة التي جربت فيها دخول بعض مواقع الدردشة، كنت ألاحظ مثل هذه الألقاب باستمرار، ويبدو أنها أمر مألوف في هذه الغرف والمنتديات، وبصراحة لم أفكر كثيرا في أسباب اختيار البعض لهذه الألقاب، ولكني أشعر أنها نوع من المشاكسة ولفت النظر، وأن من يفعلها على ما أعتقد غالبيتهم من المراهقين، ويحبون أن ينسبوا لأنفسهم صفات فوق العادية، كما هو مألوف في هذه السن، وهذا واضح من نوعية الألقاب التي يختارونها، فقد رأيت ألقابا مثل جناح التنين ونار الديناصور والقناص وأشياء أخرى كثيرة تبدو فيها السذاجة، وتشعر أن من اختارها طفل.
منى بدران (طالبة) تقول: هذه الألقاب متواجدة باستمرار، وفي كل الغرف تقريبا، سواء من البنات أو الشباب، وهذه الألقاب المستغربة يهوى البعض استعمالها، فليس كل من في الغرف يدخل بأسماء مستعارة، فهناك من يدخلون بأسمائهم الحقيقية، وآخرون يختارون أسماء مستعارة، ولكنها بسيطة ومقبولة، ولكن توجد دائما العينة التي تدخل بأسماء عجيبة وغريبة، ومنها أسماء متواجدة دائما، وأصبحت معروفة لغالبية رواد مواقع الدردشة، واكتسبت شهرة، ومنها أسماء عجيبة تظهر فجأة وتختفي فجأة.
ويشير عمرو الغانم إلى نماذج لألقاب لفتت نظره في غرف الدردشة قائلا: رأيت ما يدعو للدهشة والعجب من هذه الألقاب، سواء في غرف الدردشة أو في المنتديات، وبعضها يدعو للضحك، فأحدهم يسمي نفسه طاسة مصدية وآخر طقيش وفليني سكسوكة وياسين تلقيمة وغيرها من هذه العينة التي بمجرد أن تقع عليها عيني أشعر برغبة في الضحك وفي نفس الوقت توجد ألقاب مستفزة، وفيها تجاوز ومبالغة، مثل من يسمي نفسه عزرائيل أو الشيطان أومسيلمة الكذاب ومثل هذه الأسماء تجعل من يراها يصاب بما يشبه الصدمة، وهي تدل على عدم إدراك ممن يستخدمها، لأنه لو فهم أو استوعب، لما فعل هذا بالتأكيد.
وتقول جميلة السمري (طالبة): في رأيي أن الغالبية ممن يدخلون غرف الشات، هدفهم الأساسي استغلال كم ما يتاح لهم من حرية في التعبير عما في داخلهم، ولكل شخص أسلوبه وطريقته في هذا، وأعتقد أن من يختار أسماء غريبة، هو شخص لديه شعور بالملل، ويحاول كسره بما ليس مألوفا، وربما الاسم الغريب يشعره أنه بالفعل هو هذا الشخص، ولو لفترة قصيرة، يخرج فيها عن روتينه المعتاد، فأنا أرى أشخاصا يحبون أن يتخذوا ألقابا تفخم فيهم، وتلفت نظر الآخرين كمن يسمي نفسه دنجوان عصره أو الفتك وأحدهم يسمي نفسه إلى مافيش منه أو المليونير والوحش وأعتقد أن هؤلاء يحاولون ممارسة مشاعر هم محرومون منها في الحقيقة، ويحبون أن يعيشوها في الوهم.
محمود ناصر (موظف) من هواة مواقع الدردشة منذ سنوات، حتى أن دخوله المستمر اليها جعل أحد مواقع الدردشة يختاره كأحد المراقبين من بين الأعضاء يقول: البعض يتجاوز الحدود كثيرا، فنجد من يطلقون على أنفسهم أسماء خارج إطار الذوق والأدب أحيانا، رغبة في جذب انتباه الآخرين، وكثيرون منهم يتم طردهم من المنتديات المحترمة بسبب هذه الأسماء، خاصة إذا كان اللقب لا يراعي الآداب العامة، لهذا تكثر هذه الألقاب في الغرف والمنتديات البسيطة التي ليس عليها رقابة، فكلما قلت الرقابة، كلما وجدت ألقابا عجيبة، وفي رأيي فإن اختيار البعض لهذه الألقاب غير المناسبة، راجع للمفهوم الخاطئ عن الحرية، أو ربما لشيء في نفس متخذها، سواء كان سيئا أو حسنا.
وتعلق هنا محمود (طالبة) قائلة: الأمر لا يتوقف عند اتخاذ ألقاب عجيبة، بل وأيضا تزييف الشخصية بشكل مبالغ فيه، ففي غرف الشات يمارس البعض ادعاءات تفوق الخيال أحيانا عن شخصيته، ولكن الحوار سرعان ما يفضح الشخصية الحقيقية، أما الألقاب فحدث ولا حرج، فعن نفسي رأيت مئات الألقاب العجيبة، فأحدهم يسمي نفسه التيس الحزين وآخر مخلوق غريب والطايش وشمشون الجبار ولكن إن كان الحوار يكشف حقيقة المتحدث من خلال كلامه بعد فترة، فإن هذه الألقاب تكشف طريقة تفكير أصحابها فورا.
ويؤكد سالم سلطان طالب أن الألقاب الغريبة هوجة تجتاح مواقع الدردشة قائلا: الألقاب الغريبة ليست قاصرة على الأفراد فقط، بل إن هناك جماعات تتكون من زوار المنتديات، وتطلق على نفسها ألقابا في غاية الغرابة فتوجد جماعة السحالي والأوباش والفراكيك وغيرها، وأنا ألاحظ أن هذه الموجة تتزايد، فانا أدخل هذه الغرف منذ فترة، وبعد أن كنت معتادا على مشاهدة مثل هذه الألقاب بين الحين والآخر، أصبحت متواجدة باستمرار، وفي تزايد وكأنها موضة.
وكما أن لرافضي مثل هذه الألقاب وجهة نظر وتفسيرات، فإن لأصحاب الألقاب الغريبة أيضا وجهات نظر، يقول بسام الربحي (طالب)، وهو من معتادي الدخول على مواقع الدردشة، وصاحب أحد الألقاب الغريبة: اللقب الغريب يكسب صاحبه تواجدا وشهرة سريعين بين رواد مواقع الدردشة، فأول ما يلفت النظر في هذه المواقع، هو الاسم، وغالبا ما يحاول باقي الرواد دخول محادثات مع أصحاب الألقاب الغريبة، لأنها تستفزهم وتثير فضولهم، وأنا لا أجد أي مانع في أن يتخذ كل شخص لنفسه الاسم الذي يروقه، طالما انه ليس خارج حدود الأدب، فالشات في رأيي عالم من الخيال، فما المانع أن يكون اللقب أيضا خيالياً وغير مألوف؟
وعندما سألناه عن لقبه الخاص رفضَ قائلا: لا يمكنني البوح به، فقد قلت اسمي الحقيقي الآن، ولا أحب أن يعرف الباقون من رواد المواقع من أنا..!
دايخ في عالم بايخ هذا هو اللقب الذي اختاره إسماعيل النواف (طالب)، وعندما سألناه عن سبب اختياره لهذا اللقب الغريب، أجاب: بصراحة للتعبير عن الشعور بالملل، فمهما اتخذت من أسماء فلن يوصل إحساسي مثل هذه الجملة، لهذا قررت أن أتخذها لقبا لي على مواقع الدردشة المختلفة، وهو لقب دمه خفيف ويجذب الكثيرين وكان سبباً في محاولة الكثيرين فتح حوارات معي.
وعن طريقة اختياره لهذا اللقب وكيف توصل إليه تفكيره يقول: حقيقة لا أتذكر، فهذا لقبي المستعار منذ ما يزيد على 8 اشهر، ولكن أعتقد انه كان وليد اللحظة ثم راق لي.
أما حيران مع الخلان أو محمود إبراهيم (طالب)، فاختياره للقبه له قصة يحكي عنها قائلا: كنت جالساً بمفردي بعد منتصف الليل، ولا أجد ما أفعله، فقمت بتشغيل الكمبيوتر، وبمجرد الدخول على الإنترنت لموقع دردشة، طلب مني التسجيل، وإدخال اسم المستخدم، فوجدت نفسي أكتب هذا اللقب، ربما لشعوري بالوحدة والزهق وقتها، ومن وقتها وأنا ادخل غرف الدردشة بهذا اللقب.
ويحكي جاسم العيضي (طالب) عن أغرب اسم مستعار لأحد أصدقائه قائلا: اتخذ أحد أصدقائي لقباً له لمواقع الدردشة هو أنا كول والناس كشكول وعندما سألته لماذا اختاره أجابني بأنه اختار في البداية لقب كول وجاءت كلمة كشكول على الوزن، فلما قام بتركيب الكلمتين معا، أعجبه المعنى، فاتخذه اسما مستعارا في مواقع الدردشة.
بينما كان اختيار إسلام الربيعي (طالب) للقبه محض صدفة، فيقول: دخلت في حوار دردشة مع آخر على الشات، وخلال الحوار قلت له رأيي في موضوع ما، فرد علي قائلا: أنت مجنون فأجبته عفويا: مجنون بس حنون فظل يناديني طوال المحادثة بهذا اللقب، وراقني أن أتخذه اسما مستعارا لي، فغيرت لقبي القديم، ليصبح هذا هو لقبي الجديد.
وسألنا أمجد العطار (محاسب) إذا ما كانت هذه الأسماء تمثل عامل جذب لأصحابها من باقي رواد غرف الدردشة، فأجاب: أحياناً، وأحياناً تكون مدعاة للسخرية، وبمجرد أن يدخل صاحب اللقب الغريب، يبدأ الموجودون في كتابة جمل السخرية على لقبه، ولكن عن نفسي لا أحبذ دخول حوارات مع أصحاب هذه الألقاب، لأني شخصيا أستنتج منها أن أصحابها فارغون، وثقافتهم محدودة.
بينما يرى سعيد أبوالعبد (طالب) أنها ألقاب جذابة في بعض الأحيان قائلا: اللقب يحوز على نسبة معينة من التأثير في الحضور، ولكن هذا أمر مؤقت، واستمرار التأثير راجع للشخصية، فاللقب كالقناع، إما أن يسقط بمجرد أن يبدأ الحوار، أو يتأكد تأثيره، وبعض الألقاب رغم غرابتها، تشد الآخرين للحديث مع أصحابها، وبعضها ينفرهم، وهي غالباً الألقاب غير اللائقة، وأحيانا أرى لقباً، فأتساءل ألم يجد صاحبه لقباً غير هذا..!
وتجيب شيماء الشمسي (طالبة) قائلة: بعض الألقاب الغريبة لها جاذبية، فبعضها حلو يضحك، وبعضها سخيف، وبالتالي الجاذبية متوقفة على الانطباع الذي يعطيه اللقب وطبعا يجب أن يكون بعيدا عن أي تجاوزات غير لائقة.
وإذا كان اتخاذ الألقاب الغريبة هي عادة بعض الشباب على مواقع الدردشة فماذا عن الفتيات؟
تقول مرام حسون (طالبة): نسبة الفتيات اللاتي يلجأن إلى الألقاب الغريبة، تقريبا مساو لنسبة الشباب، وأحيانا تكون الألقاب من كلمة واحدة، أو من عدة كلمات، ولكني ألمس أن من يختارون مثل هذه الألقاب، سواء كانوا شبابا أو فتيات، تكون أغلب حواراتهم تهريج.
ويعلق أحمد الشامي (طالب) قائلا: في رأيي أن الفتاة التي تدخل الشات بمثل هذه الألقاب، لا تكون محل تقدير من قبل الشباب، وغالبا يدخل معها الشاب في حوار يستخف فيه بها، لأن اختيارها لمثل هذه الألقاب يدل على أنها تحاول الاستخفاف، وتسعى للتهريج.
وعن أغرب الألقاب البناتية التي لفتت نظره يقول: رأيت من تسمي نفسها القناصة ونملة كاشخة وسحلية متربية وإحداهن تسمي نفسها حبك برص في ليلة عرس وأخرى أحلاهم وأتحداهم وبنوتة فلة تلعب سلة وغير هذا كثير من عجائب الأسماء.
ويتحدث د. عبد الله إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع، عن أسباب ميل البعض للألقاب الغريبة قائلا: هذا الفضاء العنكبوتي، أصبح عالماً قائماً بذاته، ووسيلة لتفريغ الرغبات والمكبوتات والتنفيس علناً عما لا يستطيع رواده البوح به، لهذا أصبحت سمة أن غالبية، وإن لم يكن جميع من يتعاملون مع مواقع الدردشة الالكترونية، يتخذون أسماء وهمية، وألقابا مستعارة، حتى يتمتعوا بأقصى قدر من الحرية، ولكن البعض تجاوزوا في هذا الجانب فأصبحوا يميلون إلى التطرف، ويبحثون عن كل ما هو غريب، وغير مألوف، وصادم في بعض الأحيان، ولكن إذا كان هذا غير مألوف أو مستغرباً من قبل الآخرين، فهو بالنسبة لهم يعبر عن هاجس ما بداخلهم، لهذا نجد أن البعض يختارون أسماء عجيبة لشخصيات سينمائية، وهذا يشير إلى ميل إلى حب الشهرة، كمن يختار لنفسه اسم اللمبي أو بوحة أو بلية أو نجد مراهقاً يعبر عن انفعالاته العاطفية فيطلق على نفسه الدنجوان أو أمير الغرام أو إمبراطور العشق وغيرها من الأسماء الغريبة والمؤثرة، بهدف جذب الجنس الآخر، وآخرون يعتبرون الأمر مجرد نوع من الترفيه والمتعة والقضاء على الملل.
وتؤكد على الفكرة نفسها د. انتصار علي أستاذ علم النفس مؤكدة على وجود بعد نفسي قائلة: الشاب يختار أحيانا لقبا يعبر عن شعور ما بداخله، واختيار اللقب يفسر هذا الشعور وكأنه يقول هذا أنا، أو هذا ما اشعر به، فمثلا من يختار لقب القلب المكسور أو الجريح أو تائه في الزحام هو في الحقيقة يحاول بشكل غير مباشر أن يبحث عمن يفهم معاناته من بين الموجودين على الموقع، أو ربما يسعى إلى أن يجذب اللقب من يعاني من الشعور نفسه مثله، فيبدأ معه حواراً يشعر فيه بالمشاركة، ويلمس منه انه ليس الوحيد الذي يعاني من هذه المشاعر، بل إن هناك آخرين مثله.