بالألوان والروائح عرّف الإنسان القديم نفسه وعرف الآخرين وميّزته وحفظته، وكان لكل جنس عطره الخاص، وظلت العطور وسيلة مهمة للتمييز بين القبائل، ولكن بعد الاكتشافات الصناعية وبزوغ فجر الدولة السياسية وابتكار الإنسان مستندات الهوية، تطورت تلك الفكرة القديمة وأصبحت العطور تستخدم لأهداف تجميلية . وكان أبناء القبائل القديمة يمسحون الدهانات الملونة على أجسامهم، وهذا العرف أضحى مهماً في وقت كثرت فيه الحروب، وساعد في تحديد العدو من الصديق، لذا انحصر استخدام هذه العادة بصورة كبيرة على الذكور، وكانوا يحرصون على وضوح الألوان على أجسامهم لتنسبهم إلى قبيلتهم وإلا سيكون مصيرهم الموت، ومن هنا أصبحوا خبراء في مزج الألوان وابتكار الخلطات التي لا تضر بأجسامهم، واستخدمت تلك المستحضرات التجميلية، إن صح لنا أن نسميها، لتحديد الهوية .
هناك بعض الدلالات التاريخية التي تثبت أن أفراد القبائل القديمة عرفوا الكيفية المثلى لمزج الألوان وإضافتها في سوائل متخصصة لتكون أكثر ثباتاً على أجسادهم، وعرفت الشعوب الأوروبية وقبائل الهنود الحمر في أمريكا الشمالية الذين اعتادوا وضع مستحضرات تجميل بألوان محددة على أجسادهم كإنذار بالحروب والمناسبات الاحتفالية، وبما أنهم يمسحونها على الجسم، فعندما تجف تشكل وقاية وحماية لأجسامهم من لسعات الشمس والحشرات .
وكان الفراعنة يحلقون رؤوسهم ويرتدون الشعر المستعار عندما يسافرون إلى مناطق أخرى، لأن ما كان سائداً أن كل زائر يميزه الحراس على أبواب المدن بشكله الخارجي، وعند قدوم الضيوف الملكيين توضع على رؤوسهم أكواب العطور المصنوعة من الشمع وتترك حتى تذوب من تلقاء نفسها وتتصبب على أجسادهم، وبعكس ما يتخيل البعض فإن القدماء اهتموا بنظافة أجسادهم ووضعوا العطور المصنوعة من بتلات الزهور وماء الورد في غرفهم وملابسهم بالرغم من ندرة الأفراد الذين تتعدد لديهم الملابس . كما سادت بينهم الحناء بنفس الطرق المستخدمة في العصر الحديث، بداية من خضب الأيادي والأرجل إلى صبغ الشعر وتلوينه، إلا أن الأصل في استخدام مستحضرات التجميل بمعناها الحقيقي قديماً ظل حكراً على الأغنياء الذين كرسوا مفهوم التنافس في احتكار العطور الجيدة ليتميزوا في المجتمع، فضلاً عن التنافس في بناء الحمامات الخاصة، في وقت ظل فيه عامة الشعب يستخدمون الشلالات للاستحمام بين الفينة والأخرى، وظلوا بعيدين عن استخدام العطور بوصفها سلعة باهظة الثمن، وغير متاحة في المحال التجارية، وغالباً ما يتم جلبها من أماكن بعيدة .
وفي العصور الوسطى عرف الإنسان الشموع وماء الورد لتجميل الغرف، وعرف الملابس الفاخرة المبطنة من الداخل مثل الموجودة في العديد من بيوت التراث والمتاحف الأوروبية، متمثلة في ملابس نسائية مسترسلة، يرتديها الفرد طوال حياته، ليست لما عليه من متانة الصناعة وإنما للطرق المستخدمة في نظافة الملابس في ذلك الوقت .
ونسبة لعدم وجود جهات رقابية على الجهات المصنعة، فإن كل مادة أدخلوها في صناعة مستحضرات التجميل في ذلك الوقت، كانت تحتوي عناصر تحمل مواصفات غير مرغوب فيها من قبل الجهات الصحية في العصر الحديث، وبما أن اللون السائد في أصباغ الشفاه هو الأحمر المركز استعانوا بمادة كبريتيد الزئبق، فضلاً عن استخدام الزئبق لإزالة عيوب البشرة، واستخدموا الكبريت والجير بعد خلطه بالماء، في صبغ الخصل لتكون ملائمة للون الشعر المستعار، واستعانوا بقطران الفحم لوضع الخطوط والظلال حول العيون، وهذا ما عرف عنه في العصر الحديث أنه سبب رئيس في العمى الدائم، لذلك فإن جميع الصور التي أرخت للملوك والمشاهير في العصور الوسطى تبدو شاحبة نتيجة لهذه المستحضرات، ويعتقد أنها عادة مقصودة لتدل على أن هؤلاء الأشخاص لا يخرجون في الشمس ولا يقومون بالنشاط العادي، لذلك ارتبطت هذه الصفة بالطبقات العليا من المجتمعات . أما المنتج الوحيد الذي كان مطابقاً للمواصفات فكان بودرة الجسم المصنوعة من الأرز بعد طحنه .
وساد في العصور الوسطى استخدام الاسبيداج وهو مادة جيرية تستخدم حالياً في المباني، كانت تخلط بالخل والرصاص وتستخدم لتفتيح البشرة، إلا أن كل ذلك كان بدائي الصناعة ولا يتم بصورة منظمة، وكان أول اكتشاف لمنتجات تفتيح البشرة عام ،1521 قبيل حكم الملكة البريطانية إليزابيث الأولى، وظهرت أول بادرة للرقابة على مستحضرات التجميل بعد توليها الحكم عام ،1558 عندما حذر مسؤول من خطورة المواد المستخدمة في الإنتاج معللاً ذلك بأنها تغير لون البشرة إلى الرمادي وتصيبها بالوهن، ونصح باستخدام مواد بديلة مثل الشب ورماد القصدير والكبريت وبياض البيض المغلي، وبالرغم من هذه الخطوة الإيجابية، إلا أن المواد المختارة لم تبعد كثيراً عن تلك التي صنفت بالضارة، باستثناء بياض البيض غير المطبوخ الذي استخدم في العديد من مستحضرات تمليس البشرة وحب الشباب وعلاج البقع السوداء، فضلاً عن عصارة الليمون وماء الورد والعسل وقشور البيض التي استخدمت كبدائل لعدد من المواد المسرطنة مثل الزئبق، خصوصاً أن الزئبق كان سائداً في تقشير الوجه .
وخلال فترة حكم الملكة إليزابيث الأولى، استخدمت مستحضرات التجميل بصورة امتدت إلى كل من في البلاط، وعرفت الملكة البريطانية بأنها صاحبة طريقة مميزة في وضع مستحضرات التجميل، ودائماً ما كانت تربط شعرها إلى الأعلى، وترسم خطوطاً زرقاً على بشرتها لتعطيها ملمحاً شبابياً أكثر مما هي عليه، فضلاً عن أنها كانت تضع على شفاهها أصباغاً نباتية تختلف ألوانها حسب اللون الذي ترتديه .
واستخدمت المرأة الهولندية ما يسمى ب صلصة الخل وهي صندوق من الفضة بداخله قطعة من الأسفنج يحتوي على عطر يوضع في الغرف لطرد الروائح غير المستحبة، فضلاً عن استخدامه أثناء الحركة خارج المنزل بنزع غطائه الخارجي . وتم تصدير هذه الفكرة إلى أمريكا بصحبة الأسر التي تسافر بغرض السياحة حتى تغلغلت في وسط الشعب الأمريكي القديم وبعض مناطق أوروبا كفرنسا وإنجلترا . وفي الجزء الجنوبي من الولايات المتحدة استخدمت مستحضرات التجميل القادمة من فرنسا بصورة شائعة، مع بزوغ فجر تصنيع الزجاج والحاويات في أمريكا، ثم بدأت صناعة مستحضرات التجميل والعطور في أمريكا، واستخدمها حتى الشرائح الأكثر فقراً في المجتمع، بالرغم من أن المرأة الأمريكية الشمالية عرفت بقلة استخدامها لمستحضرات التجميل .