قال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون" (آل عمران: 110) . "لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون" (آل عمران: 111) .
"مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون" (آل عمران: 117) .
"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون" (آل عمران: 118) .
"إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط" (آل عمران: 120) .
"ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون" (آل عمران: 123) .
"إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين" (آل عمران: 124) .
"وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم" (آل عمران: 126) .
السؤال: لماذا لم يقل: "أنتم خير أمة أخرجت للناس"؟
الجواب: معناه: كنتم في سابق علم الله، أو كنتم يوم أخذ الميثاق على الذرية، فأراد الله الإعلام بكون هذه الصفة راسخة أصيلة لا عارضة ولا متجددة .
وأرجو ألا أشطط إن قلت: لعل في التعبير بالماضي في الآية الكريمة إشارة إلى أن تلك الخيرية لهذه الأمة المسلمة خيرية مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله فإذا ما انتفت تلك الصفات عن الأمة أو لم تقم بواجبها على النحو المشروط انتفت تلك الخيرية . والله أعلم .
أشرف المراتب
السؤال: ما سر تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله وهو الأصل المتقدم عليهما وجوداً ورتبة؟
الجواب: لأن الإيمان بالله تشترك فيه جميع الأمم المؤمنة، وإنما خصت هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سائر الأمم . فالمؤثر إذاً في هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسن تقديمهما .
أو يمكن أن يقال: إن الترتيب روعي فيه التدرج من الأدنى رتبة إلى الأعلى، فلا شك أن الأمر بالمعروف أيسر من النهي عن المنكر الذي قد يتعرض صاحبه لأذى، لذا كان النهي عن المنكر أعلى رتبة من سابقه، ثم يأتي الإيمان بالله تعالى أعلى تلك المراتب وأشرفها . والله أعلم بمراده .
إضاءة: في الآية الكريمة "لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون" (آل عمران: 111) . وعد من الله تعالى لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر على الكفرة والفاسقين من أهل الكتاب، فهؤلاء لن يستطيعوا أن يلحقوا بالمؤمنين أذى إلا بلسانهم كإسماعهم كفرهم وتكذيبهم نبيهم محمداً صلى الله عليه وسلم وتحريفهم وبهتهم، وفي الآية بشرى للمؤمنين بأن أهل الكتاب لا يغلبونهم .
السؤال: ما نوع الاستثناء في قوله تعالى: "لن يضروكم إلا أذى"؟
الجواب: الاستثناء متصل، والمعنى: لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً ولكن العاقبة تكون للمؤمنين، وقيل: الاستثناء منقطع، والمعنى: لن يضروكم البتة لكن يؤذونكم بما يسمعونكم . والله أعلم .
السؤال: بم يوحي التعبير بحرف التراخي (ثم) في قوله تعالى: "وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون"؟
الجواب: أشار حرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلان أهل الكتاب الذين يحاربون المؤمنين، فإنهم لا يكون لهم معين ولا ناصر من غيرهم أبداً وإن طال المدى . والله أعلم .
البراء من أهل الكفر
السؤال: إذا كان الغرض من التمثيل في قوله تعالى: "مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون" (آل عمران: 117) هو تشبيه ما أنفقه الكفار وإبطال ثوابه وانعدام جدواه، حيث لا ينتفعون به يوم القيامة بحرث قوم ظلموا أنفسهم فأصابته ريح شديدة البرودة فأهلكته، ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور، فما وجه مطابقة الكلام للغرض المذكور؟
الجواب: التشبيه في الآية من التشبيه المركب، ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو المشبه به كقوله تعالى: "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض . . . ." .
والتشبيه المركب تحصل فيه المشابهة من مضمون الجملتين، وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين: وعلى كل فالتشبيه في الآية من التشبيه المركب الذي لا يمكن فض أجزائه .
وأضاف ابن المنير في حاشيته على الكشاف جواباً دقيقاً آخر للإجابة عن هذا الإشكال، حيث قال: "خولف هذا النظم في المثل المذكور لفائدة جليلة وهي تقديم ما هو أهم، لأن الريح التي هي مثل العذاب ذكرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث فقدمت عناية بذكرها واعتماداً على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه" والله أعلم .
إضاءة: في هذه الآية الكريمة في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون" (آل عمران: 118) نهي إلهي للمؤمنين عن موالاة أهل الكفر من اليهود والمنافقين ومن على شاكلتهم، لشدة عداوتهم للمؤمنين، فهنا تحذير للمؤمنين من اتخاذ هؤلاء أصفياء من دون المؤمنين . وهذا هو البراء من أهل الكفر .
السؤال: ما الفرق في المعنى بين قوله تعالى: "لا تتخذوا بطانة من دونكم" وبين: "لا تتخذوا من دونكم بطانة"؟
الجواب: ليس المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة، فكان قوله تعالى: "لا تتخذوا من دونكم بطانة" أقوى في إفادة المقصود . والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير بالمس في جانب الحسنة وبالإصابة في جانب السيئة؟
الجواب: ذكر الله تعالى المس في الحسنة، ليبين لعباده المؤمنين أن الحسرة والغم والمساءة تعتري نفوس المبغضين من أعدائهم عند أدنى طروء للحسنة عند المؤمنين، لذا فالتنكير في (حسنة) للتقليل وهم لا يفرحون بحلول المصيبة بالمؤمنين إلا إذا تمكنت منهم ولبستهم أي أصابتهم . ويساعد على هذا المعنى اعتبار التنكير في (سيئة) للتعظيم . ودل هذا النوع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند نزول الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين . والله أعلم .
نصر من الله
السؤال: لماذا قيل: "ولقد نصركم الله ببدر" (آل عمران: 123)، ولم يقل: "ولقد نصركم الله في بدر"، حيث أوثر في الآية حرف الإلصاق (الباء) على حرف الظرفية (في)؟
الجواب: أوثر حرف الإلصاق (الباء) على حرف الظرفية (في)، لأن الغرض إرجاع الفضل في النصر إلى الله تعالى وحده بدليل قوله تعالى: "ولقد نصركم الله"، حيث نسب فعل النصر إلى الله وبدليل قوله: "وأنتم أذلة"، ولو عبر بحرف الظرفية (في) لأشعر بأن للمكان طبيعة خاصة حماهم الله فيها من عدوهم، وهذا يتنافى مع الغرض المقصود المشار إليه .
وفي التعبير بحرف الإلصاق انسجام مع الدلالة إلى أن النصر في بدر كان بفضل الله تعالى، فلم تكن بدر حصناً يحتمي به المسلمون، وإنما هي أرض مكشوفة وساحة قتال ومكان للكر والفر، وانتصار المسلمين على عدوهم في هذا المكان ليس راجعاً إلى طبيعة خاصة فيه، وإنما هو فضل الله وتأييده وعونه . والله أعلم .
السؤال: ما سبب العدول عن الماضي (قلت) إلى المضارع (تقول) في الآية الكريمة؟
الجواب: لاستحضار الحكاية وكأنها تحدث الآن، حيث أعاد المضارع موقف الشدة في غزوة بدر من قلة عدد المسلمين وعدتهم، مقابل كثرة عدد المشركين وعتادهم . وفي هذا تذكير للمسلمين بمنة الله تعالى عليهم بالنصر على عدو أكثر منهم عدداً وعتاداً . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: "إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين" (آل عمران: 124)؟
الجواب: التقرير، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر للمسلمين بأن هذا الإمداد الإلهي المذكور في الآية يكفيهم لأنه تأييد عظيم . والله أعلم .
السؤال: لم أوثر النفي ب (لن) على النفي ب(لم) في الآية؟
الجواب: لأن (لن) لنفي الفعل في المستقبل، و(لم) لنفيه في الماضي، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه كان قبل وقوع القتال في غزوة بدر، لذلك أوثر المصدر المؤول "أن يمدكم" على المصدر الصريح (إمدادكم)، ولو كان الخطاب بعد القتال، لأوثرت (لم) .
وفي التعبير ب (لن) أيضاً إشعار بأن المسلمين كانوا حينئذ كاليائسين من النصر لقلة عددهم وعتادهم . والله أعلم .
استمرار المدد
السؤال: بم يوحي التعبير بالإمداد في قوله تعالى: "ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم"؟
الجواب: يوحي باستمرار هذا المدد الإلهي لعباده الموحدين وعدم انقطاعه في قتال المسلمين للمشركين في بدر حتى يتم النصر لهم، لأن الإمداد معناه: إعطاء الشيء حالاً بعد حال، يقال: مدّ في السير: إذا استمر عليه، وامتد بهم السير: إذا طال واستمر . والله أعلم .
السؤال: لم أثبت الجار والمجرور (لكم) في آية آل عمران في قوله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم" (آل عمران: 126)، وحذفه من آية الأنفال في قوله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم" (الأنفال: 10)؟
الجواب: ورد قبل آية آل عمران قوله تعالى: "ويأتوكم من فورهم" فأخبر عن عدوهم، فاختلط ذكر الطائفتين وضمهما كلام واحد، فجردت البشارة لأولياء الله، فقيل: "بشرى لكم" بالمجيء، بضميرهم المخاطب متصلاً بلام الجر الدالة على الاستحقاق .
أما آية الأنفال فلم يسبقها خبر عن أعدائهم فلم يحتج إلى الضمير (لكم) لتميزهم بالخطاب . كما أن آية (الأنفال) قد تقدم قبلها قوله تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم" (الأنفال 7)، فأغنى ذلك عن تكراره اكتفاء بما تقدم من تخصيص المسلمين بذلك النصر أو بتلك البشارة . والله أعلم .