في الوقت الذي يجب أن يركز فيه الطالب خلال وجوده في المدرسة على الدراسة وتحقيق النجاح، عليه المشاركة في الأنشطة المدرسية أيضاً بمختلف أنواعها الرياضية والفنية والثقافية والعلمية والاجتماعية والبيئية، ولكن الانضمام إلى هذه الأنشطة موضع خلاف دائم بين مؤيد للمشاركة فيها المدرسية لما لها من تأثير جوهري في تنمية قدرات الطالب وتحسين ثقته بنفسه، ومن ثم رغبته في الوصول إلى التفوق والامتياز، ومعارض يراها في ظل امتلاء اليوم الدراسي والواجبات المدرسية إرهاقاً للطالب وتبديداً لوقته وطاقاته التي يجب أن تسخّر لتحقيق التفوق الدراسي، والفيصل في القضية مدى استفادة الطالب من هذه الأنشطة، وقدرته على الموازنة بينها وبين التزاماته الدراسية .
في هذا التحقيق نحاول التعرف إلى أهمية النشاط الطلابي، وكيف تتحقق المعادلة بينها وبين الدراسة، ودور أولياء الأمور في تشجيع أبنائهم على المشاركة فيها أو رفضها .
محمد السيد الطالب بالصف الثاني عشر علمي، قال إنه لا يسعى للمشاركة والظهور من خلال الأنشطة المدرسية، ويفضل عليها التفوق الدراسي وتحقيق المراكز الأولى التي يحلم بها، ويضيف: الحصول على الدرجات النهائية في المواد الدراسية أولويتي خلال العام الدراسي، أما الأنشطة الطلابية فهي أمر ثانوي أستعيض عنه بالترفيه عن نفسي خلال عطلة نهاية الأسبوع أو آخر السنة، ولم أفكر يوما بالمشاركة فيها لأنني بطبيعتي أحب التركيز في شيء واحد، ولا أحب أن أشتت نفسي وأضيع وقتي في أمور كثيرة تؤثر سلبا في هدفي الأساسي .
الطالب أحمد جمال، الصف الثاني عشر علمي ليس مبادراً في المشاركة في الأنشطة الطلابية، ليس لأنه لا يحبها، ولكن لأنه لا يستطيع التوفيق بينها وبين دراسته، ويقول: كانت لي مشاركات عدة في الأنشطة الطلابية في السنوات الماضية، وكنت أعاني من التنسيق بينها وبين واجباتي الدراسية، خاصة أن برامج الأنشطة أحيانا لا تراعي ظروف الطالب، فيما يتعلق بالتزامه باختبارات تقويمية أو واجبات دراسية، والنتيجة أن الطالب يشعر بضغط كبير بسبب كثرة المهام المطالب بها في الوقت نفسه، بدل أن يشعر بالاستمتاع بالأنشطة التي يقوم بها، لذا قررت عدم المشاركة في أي نشاط طلابي إلا في حالات استثنائية، أضمن فيها أن هذا النشاط يتوافق مع ظروفي الدراسية .
وتؤكد الطالبة أسيل السردية، الصف الثامن، أن مشاركتها في الأنشطة الطلابية انعكست بالإيجاب على مستواها الدراسي، تقول: اليوم الدراسي من دون أي نشاط طلابي جاف وممل، وهذا شعور أغلب الطلبة في الحصص الدراسية التي تمر ببطء شديد إذا لم تتخللها حصة نشاط، أيا كان بدنياً أو فنياً أو موسيقياً، لذا أنتظر حصة النشاط بفارغ الصبر، ولا أكتفي بذلك وأبادر بالمشاركة في الأنشطة والمسابقات التي يتم تنظميها خلال العام الدراسي .
وتضيف: لم تؤثر مشاركاتي في الأنشطة على دراستي، لأنني قادرة على التنسيق بينهما .
الطالبة دانا رائد، الصف الثامن تقول: إن الأنشطة المدرسية جعلتها أكثر جرأة في التعبير عن نفسها في المجتمع المدرسي وخارجه، لأنها في السابق كانت مبادرة في التعبير عن شخصيتها بين صديقاتها، ولكنها كانت تجد صعوبة في مواجهة من هم أكبر منها سنا، خاصة معلماتها في المدرسة، اللاتي كانت تتمنى أن يعرفن إمكاناتها ومواطن تميزها، ولكن الحصص الدراسية تمكنها من إبراز تفوقها العلمي فقط، وهذا ما دفعها إلى المشاركة في الأنشطة المدرسية التي تساعد الطالب على الإبداع والتميز .
وتضيف: لم أشعر يوما أنني أضيع وقتي في الأنشطة الطلابية، لأنها بالنسبة لي جملة من المكاسب والفوائد التي انعكست بقوة على شخصيتي، ويكفي أنها ساعدتني في اكتشاف ذاتي، كما أنها علمتني كيف أستفيد من وقتي ولا أضيعه .
أحب الأنشطة الطلابية ولكني لا أشارك فيها بسبب ضغط الدراسة بهذه العبارة بدأت رنا بخيت، الطالبة في الصف العاشر حديثها الذي أكملته قائلة: من الصعب التفكير في الانضمام إلى أي نشاط طلابي في ظل مسؤوليات الدراسة التي لا تنتهي، حيث إننا نبقى طوال العام تحت ضغط الاختبارات التقويمية والفصلية والواجبات والمشاريع المدرسية والأنشطة الصفية، لذا نحن لا نمتلك أية مساحة إضافية تتيح لنا فرصة ممارسة هواياتنا المفضلة وتنميتها .
وتشير سوسن مصطفى، ولية أمر إلى أنها لا تقلل من أهمية الأنشطة الطلابية، ولم تكن يوماً ضد مشاركة أبنائها فيها، ولكن طول اليوم الدراسي وكثرة الواجبات الدراسية، يثقلان كاهل الطالب، ويجعلان إمكانية مشاركته في الأنشطة الطلابية صعبة للغاية، وتضيف: هذا ما توصلت إليه بعد مشاركة بعض أبنائي في الأنشطة المدرسية التي اعتقدت أنها ستخفف عنهم أعباء الدراسة، ولكن على أرض الواقع أضافت مسؤوليات إضافية على كاهلهم، حتى إنهم في كثير من الأيام كانوا يعودون إلى المنزل مرهقين لدرجة أنهم يفضلون النوم على تناول الغداء .
فوزي عياش، ولي أمر يقول إنه يشجع أبناءه على المشاركة في الأنشطة الطلابية لأنها تصقل شخصيتهم، وتضفي على حياتهم الدراسية متعة وبهجة يلحظها على وجوههم، وأحاديثهم عن مشاركتهم وإنجازاتهم فيها، وأضاف: المشاركة في الأنشطة الطلابية تتطلب جهداً ووقتاً إضافيين من الطالب، وأن يكون مستعداً لذلك، لأن هذه الأنشطة تلامس هواياته واهتماماته، وتساعده على تنمية مهاراته، ولأن عطاءه في هذا الاتجاه يلبي حاجاته النفسية والاجتماعية، ويحقق له التميز والنجاح الذي يسعى إليه، ومن جهتي فإنني وزوجتي نحاول مساعدة أبنائنا في التوفيق بين واجباتهم وأنشطتهم المدرسية .
رنا عباس، مسؤولة أنشطة طلابية توضح أهمية الأنشطة التي تنظمها المدرسة خلال العام الدراسي، قائلة: نظراً لما قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس من صور سلبية عن النشاط الطلابي، فإنه يلزم تحسين هذه الصورة، وهذا هو أحد الأدوار التي تناط بمسؤول الأنشطة في المقام الأول، مع تكاتف جميع أطراف العملية التعليمية، لذا لابد من توضيح المقصود بالنشاط الطلابي، وهو مجموعة من البرامج والخبرات التربوية الهادفة التي يمارسها الطالب داخل المدرسة وخارجها، وفق خطط محددة تتكامل مع مقررات التحصيل الدراسي في تشكيل المنهج التربوي الذي يساعد على بناء شخصية الطالب المتزنة والمتوازنة في جميع جوانبها الجسمية والعقلية والاجتماعية والوجدانية تحت إشراف متخصص .
وتضيف: إذا اتفقنا على أنه يجب عدم إثقال الطالب بالدروس، لأن ذلك يثير لديه الشعور بالنفور من الدراسة، ويمنع تشكل الرغبة والاهتمام عنده بالعلم، ويحد من تطور الباعث الرئيس لدافعيته في الدراسة، فإنه ينبغي تكريس شعور آخر لديه مرتبط بنشاطه الذهني والجسدي، يولد فيه الرغبة في القيام بأعمال مختلفة تنمّي شخصيته وتساعده على تصحيح أخطائه وتجاوز نقاط ضعفه .
والنشاط الطلابي وسيلة أساسية لتحقيق هذه الشعور إذا نظم تنظيماً صحيحاً تحت إشراف سليم وإدارة واعية، هدفها تدريب الطالب على ممارسة العلاقات الاجتماعية السليمة، واكتساب الخلق القويم وتنمية الاتجاهات الإيجابية لديه حتى تتكامل شخصيته في جميع جوانبها، ومن ثم تتحقق تنمية المهارات المختلفة في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والكشفية والرياضية والعلمية والفنية، في الإطار الذي تسعى إليه المدرسة، حيث يتم تدريب الطالب في برامج الأنشطة المختلفة على كيفية استثمار وقت الفراغ بما يلبي حاجاته الروحية والاجتماعية والنفسية، وينمي خبرته ويثري ثقافته، وينشط قدراته الإبداعية، مما يدفعه إلى الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، وتنمية روح القيادة واحترام الآخرين والتعاون البناء .
تعزيز قيمة العمل
آلاء عادل، مرشدة نفسية تربوية عن تأثير الأنشطة الطلابية في التكوين النفسي للطالب، قالت: للأنشطة المدرسية أثر ايجابي في احترام الطالب لذاته وثقته بنفسه وشعوره بالرضا عن حياته، والاشتراك في النشاطات المدرسية يعزز الاتجاه الإيجابي نحو قيمة العمل، ويتميز الطلاب المشاركون في الأنشطة المدرسية بالقدرة على تحقيق النجاح والإنجاز الأكاديمي، بالإضافة إلى إيجابيتهم مع زملائهم وأساتذتهم، وتمتعهم بروح القيادة والتفاعل الاجتماعي السوي والمثابرة والجدية، كما أنهم يميلون إلى الإبداع والمشاركة الفعَّالة، ولديهم الاستعداد لخوض تجارب جديدة بثقة، وتشير كثير من النتائج إلى أن التلاميذ الذين يقضون أوقات فراغهم في أنشطة حرة موجهه، كانوا مقارنة بالآخرين متفوقين دراسياً وهم من الأوائل في مدارسهم .
كما تلعب الأنشطة المدرسية دوراً رئيساً في حل مشكلات التلاميذ النفسية والاجتماعية والتربوية، فمن خلال النشاط الطلابي نستطيع تشخيص المشكلات التي يعاني منها الطالب، وبناء على ذلك يتم تحديد وسائل العلاج، والتي من الممكن في كثير من الحالات أن تشمل بعض برامج النشاط المدرسي الموجه، ومن أمثلة هذه الحالات بعض التلاميذ ممن يعانون من الخجل والانطواء والعزلة، والتلاميذ الذين يعانون من طاقة زائدة تؤدي إلى كثرة الحركة، وغير ذلك من الحالات التي يتم فيها اختيار النشاط المدرسي الملائم الذي يساعد كل طالب على التخلص من مشكلته، ويلبي حاجاته النفسية والاجتماعية والتربوية، من خلال اكتشاف مواهب الطلاب وقدراتهم المتميزة وتنميتها، لأنه يوفر المناخ المناسب لذلك من خلال إتاحة الفرصة للإبداع، ومن ثم الرعاية وتهيئة البيئة المناسبة لهؤلاء الطلاب بأنشطة تلبي احتياجاتهم وتنمي قدراتهم ومواهبهم . وتضيف: للأنشطة المدرسية أثرها الايجابي في تحقيق العديد من الفوائد التي تمثل نظريات تربوية فيما يتعلق بتعديل الكثير من الجوانب السلوكية لدى الطلاب، ولكن يجب ملاحظة أن تحقيق تلك الفوائد يعتمد وبشكل كبير على نوعية الأنشطة المدرسية التي يتم تقديمها، وعلى جودة التخطيط لها وتنفيذها، ومن أهم الفوائد التي تحققها: تعديل سلوك الطالب داخل المدرسة، الشعور بالانتماء إلى الجماعة، إظهار روح التنافس المنظم والشريف بين الجماعات، الاهتمام بتحقيق نتائج ايجابية، تحقيق الاستقرار النفسي .