يقول الحق سبحانه: «ألم نجعل له عينين». هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى بها الإنسان في صورة استفهام تقريري، لكي يعتبر ويتعظ ويتأمل في نعمة عظمى من نعم الله الكثيرة. وقد جاء في كتب التفسير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله تعالى: يا ابن آدم، قد أنعم عليك نعماً عظاماً، لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرّمت عليك، فأطبق عليهما غطاءهما».
وقد كشف العلم عبر مشواره الطويل كثيراً من الأسرار المتعلقة بتركيب العين وإعجاز الخالق فيها، لكنه لا يزال عاجزاً عن تفسير الكثير من وظائف أعضائها، وكان الحسن بن الهيثم، عبقري الحضارة الإسلامية، أول من قدّم وصفاً علمياً مقبولاً لتركيب العين. وجاءت أقواله في ذلك صحيحة يدلل بها بعض المؤرخين والمستشرقين على علمه بتركيب العين من الناحية التشريحية، حيث أرجع حدوث الرؤية إلى تكوّن صور المرئيات على ما نسميه الآن «شبكة العين»، وانتقال التأثير الحاصل بواسطة العصب البصري إلى المخ، وعلل رؤية الشيء واحداً، على الرغم من النظر إليه بعينين اثنتين بوقوع الصورتين على جزأين متماثلين من الشبكية. ويؤكد ابن الهيثم منهجه العلمي التجريبي في كتابه الشهير «المناظر» بقوله: «... فهذا الذي شرحناه هو صفة تركيب البصر وهيئة طبقاته. وجميع ما ذكرناه قد بيّنه أصحاب التشريح في كتبهم». وقد أولى كمال الدين الفارسي بعد ذلك اهتماماً كبيراً بآراء ابن الهيثم، وقدّم تصوراً قريباً جداً مما نعرفه الآن عن تركيب العين ووظائف أجزائها، ضمّنه كتابه القيم: «تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر».
ويمكن تشبيه العين، على سبيل التبسيط بآلة التصوير الضوئي «الكاميرا»، من حيث أن كلاً منهما تتكوّن من غرفة مظلمة وعدسة وسط حساس للضوء، فالغرفة المظلمة هي كرة العين التي يبلغ قطرها حوالي بوصة «أو 24 ملليمتراً تقريباً»، وهي قابلة للحركة في مكان من التجويف العظمي للجمجمة، وتتحكم في حركتها ست عضلات تضبطها في الوضع المناسب، وتمكّن العينين معاً من تتبع الأجسام المتحركة، ولا ينفذ الضوء إلى داخل العين إلا من خلال بقعة صغيرة في مقدمتها تبرز قليلاً للأمام، وتحتوي على شبكة من الأوعية الدموية الدقيقة وتسمى «القرنية» Cornea.
وعدسة العين مثبتة في مكانها بحلقة من العضلات الدقيقة التي تساعدها على تغيير قوتها تبعاً لبعد الجسم المرئي. ويقع فيما بين العدسة والقرنية حائل ذو ثقب يسمى «حدقة العين» أو «القزحية» Iris، وهي أجمل أجزاء العين وتتخذ أشكالاً مختلفة عند الأشخاص، وتلعب الحدقة دوراً مهماً من حيث أنها تتحكم في شدة الضوء النافذ إلى داخل العين عن طريق ثقب يتوسطها يسمى «إنسان العين» Pupil، ويمكنه أن يتسع حتى يبلغ قطره ثمانية ملليمترات تقريباً في الظلام، ويضيق حتى يبلغ قطره حوالي ملليمترين فقط في ضوء الشمس.
ويملأ كرة العين سائل يسمى «السائل الزجاجي» نظراً لشفافيته، كما يملأ الجزء الواقع بين العدسة والقرنية سائل مشابه يسمى «السائل المائي».
أما الشبكية فتبطن كرة العين من الداخل في الجهة المقابلة للقرنية، وأكثر مواضعها حساسية للضوء هي المنطقة الواقعة مقابل العين مباشرة وتسمى «النقطة الصفراء»، في حين يكون جزء الشبكة الذي تتجمع فيه الأعصاب البصرية الدقيقة المكوّنة للعصب البصري عديم التأثر بالضوء، ويعرف ب«النقطة العمياء»، وأهم ما يميز الشبكية أنها تتكوّن من نوعين من الخلايا البصرية. النوع الأول على هيئة قضبان حساسة للضوء عموماً، والنوع الثاني عبارة عن شعيرات مخروطية تختص بالتعرف إلى الألوان والتمييز بينها.
*النائب السابق لرئيس جامعة القاهرة