يعتبر الطلبة والطالبات الإجازة الصيفية فرصة للخروج من عالم القواعد والمسؤولية إلى الحرية والاستمتاع، ففي هذه الفصل الذي لا تزيد شهوره عن 3 أشهر يحلو السهر، وتتعدد الأنشطة، وتكثر النزهات مع الأهل والأصدقاء، فهل تمثل الإجازة الأهمية نفسها عند الأمهات اللاتي يتحملن المسؤولية والتنظيم لكل شيء، أم أنها عبء كبير تتمنى كل أم التخلص منه وتنتظر معه عودة الدراسة بفارغ الصبر؟
عبء الإجازة لن يكون أكبر من عبء الدراسة، هكذا استهلت المهندسة رُبى زياد، ضابط بحوث ودراسات أول في بلدية دبي، وأم لثلاث بنات يدرسن في المرحلتين الابتدائية والإعدادية وطفل صغير . وأكملت قائلة: لابد أن ننظر لهذه الشهور القليلة نظرة إيجابية ونعتبرها فرصة لقضاء أوقات ممتعة مع الأولاد، خاصة أن شهور الدراسة مرهقة للأسرة المهتمة بتميز وتفوق أولادها وبناتها، ومريحة للذين يلقون مسؤولية التعليم بشكل كامل على المدرسة .
وأضافت أنه رغم حدوث تغير في مواعيد النوم والاستيقاظ في شهور الإجازة، وكل القواعد التي يسير عليها المنزل، فإن التنظيم لها يؤدي دوراً رئيسياً في تحقيق فترة راحة للأبناء، والتخطيط الذكي يجعل منها محطة ممتعة في حياة الأسرة كل صيف . وأكدت أنها أم عاملة لكنها تخطط للحصول على جزء من إجازتها السنوية في فترة الصيف للاستمتاع مع الأبناء وزيارة أماكن جديدة، تتنوع فيها الاحتفالات والفعاليات، مع مراعاة الرغبات الشخصية وهوايات كل ابن من الأبناء .
وأشارت زياد إلى أنه نظراً لتعدد الهوايات والرغبات في الأسرة الواحدة من الضروري عمل جلسة حوارية فور انتهاء العام الدراسي يحدد فيها كل فرد كيف يجب أن تكون الإجازة . وأضافت: قد نقترح السفر والسياحة إلى دولة معينة وقد لا تسمح ميزانية البيت بذلك، لذا نراعي وضع خطة تفصيلية شاملة، وليس من الضروري رصد ميزانية كبيرة للاستمتاع بفصول الصيف، حيث يمكن أن نشترك معاً في المنزل لنجعل يومنا ممتعاً، لا مانع أن نلعب معاً وأن نقضي سهرة ممتعة، ونشترك في إعداد وجبات وحلويات لذيذة .
أما ندى سالم، ربة منزل، فكان لها رأي مختلف، إذ أكدت أنها كأم تفضل شهور الدراسة أكثر من الصيف، وقالت: المدرسة تقضي على أكثر من نصف المشكلات التي يواجهها أولياء الأمور مع الأبناء، فنحن مع بداية الإجازة التي يفترض أنها وقت للاستمتاع والمرح والتنزه لكل أفراد الأسرة، بمن فيهم الأم التي تظل طوال العام الدراسي مشغولة بمذاكرة الأبناء ومستواهم الدراسي وطعامهم ونظافتهم، نبدأ مرحلة جديدة مع الأبناء كلها عدم التزام وسهر لأوقات متأخرة، وبالتالي استيقاظ في منتصف النهار، ومشاغبة وخلافات وأصوات عالية وإهمال، وعدم المحافظة على مواعيد الصلاة .
وأكدت أن يوم أولادها أثناء العام الدراسي أكثر تنظيماً، كما أنه دائماً مقسم ما بين ساعات المدرسة والمذاكرة، وتفكير في الامتحانات، لذلك فالمجهود الذي تبذله هي وأي أم في هذا التوقيت من السنة أقل بكثير من الذي تبذله وقت وجودهم معها في البيت، حتى على مستوى تنظيف المنزل وإعداد الأطعمة المختلفة والمحافظة على أوقات الوجبات والصلاة .
وأضافت أنها قررت السفر خارج الدولة هذا العام لقضاء الإجازة حتى يقل العبء الأسري الذي تلقيه فصول الصيف على عاتقها، فعند الخروج من الدولة تعطي لكل فرد من أفراد الأسرة حرية الاختيار والخروج والسهر بعيدا عنها .
اتفقت ألفت يوسف مع هذا الكلام، وأكدت أن المدرسة تستوعب طاقات الأبناء ونشاطاتهم المختلفة، وفي الوقت نفسه تعطي للأم وقتاً كبيراً للراحة والصفاء الذهني خاصة إذا لم تكن عاملة، فربة البيت لديها متسع من الوقت للخروج للتسوق بمفردها أو الجلوس بعيداً عن جو الضوضاء وخلافات الأبناء في ساعات غيابهم عن المنزل ووجودهم في المدرسة، رغم وجود نوع من التقييد بالمذاكرة لهم والمحافظة على مواعيد وإعداد وجبات صحية وساعات نوم كافية .
وأضافت أنها ضد إهدار أوقات الفراغ، لذلك تحاول استغلال فصول الصيف لتنمية مواهب وقدرات بناتها، وقالت: قبل بدء الإجازة أبحث عن أماكن لممارسة أنشطة تزيد من لياقتهن وتعيد شحن طاقاتهن مثل تعليمهن السباحة والفروسية في جامعة الشارقة، أو تعليمهن مهارات يدوية مثل التريكو، أو إلحاقهن بفصول لتحفيظ القرآن الكريم في نادي الثقة للمعاقين . وأكدت أنها في هذه الحالة تكون ضربت عصفورين بحجر، ساعدتهن على شغل أوقات الفراغ في أعمال مفيدة وأراحت نفسها من عبء التخطيط للإجازة .
وأكدت أن الإجازة مع بنات أفضل بكثير منها مع الأولاد، فالبنت بطبيعتها كائن مطيع يستجيب للتوجيه والنصح بسهولة ويستطيع التكيف مع الجلوس في المنزل لساعات طويلة، عكس الأولاد الذين يفضلون قضاء اليوم كله خارج المنزل بعيداً عن الالتزام بأي توجيهات أو قواعد .
الصيف كله أمراض، بهذه العبارة بدأت هيام حسن ربة منزل، وأم لبنت وولد في المرحلة الابتدائية كلامها، وأضافت أنها تفضل شهور الدراسة على فصل الصيف، لأن مسؤولية التنزه والخروج إلى المراكز التجارية الكبرى والحدائق العامة التي تفرضها شهور الإجازة صعبة جدا وخاصة في ظل عدم القدرة على السيطرة على أطفال في سن ولديها .
وعن أهم الأمراض التي يعانيها ولداها في الصيف، قالت: أخطر مرض هو جهاز الكمبيوتر وكل الألعاب الإلكترونية الموجودة عليه، فهي تعلمها العنف والصوت العالي، وتضعف نظرها، وفي ظل وقت الفراغ يصعب فرض أي نوع من السيطرة عليهم، لكن في أوقات الدراسة هذه الأشياء مقننة ومحددة خاصة أن الطفل عند عودته للبيت يكون ملتزماً بمذاكرة وواجبات عليه الانتهاء منها، بالإضافة إلى أنه يكون منهكاً ويريد النوم مبكراً، كما أن العشوائية في تناول الأطعمة والمثلجات صيفاً تؤدي إلى السمنة .
وأكدت هيام حسن أنه كما يتسم الولدان بالالتزام أثناء شهور الدراسة، فإن البيت كله يفعل ذلك، فهي اعتادت على الاستيقاظ قبل الجميع في أوقات محددة حتى تعد لهم وجبة الإفطار، وتجهز ولديها للذهاب للمدرسة، وهم بالتالي لديهم مواعيد لكل شيء نوم وأكل واستيقاظ، لكن في الصيف وأوقات الإجازات الرسمية يصعب على الأم فرض هذا النظام .
اختلفت وفاء مصطفى مع هذه الآراء وأكدت أن شهور الإجازة فرصة لتوطيد العلاقة بين الأم والأبناء، من خلال الاحتكاك المباشر بينهم ومواجهة العديد من المواقف الصعبة والطريفة مع بعضهم بعضاً . وأكدت أنها تنتظر الإجازة سنويا حتى تستمتع بالتنزه مع أولادها، من دون التقيد بقواعد معينة، إذ تنام من دون مواعيد محددة وكذلك تستيقظ في أي وقت، تذهب معهم للمراكز التجارية والشواطئ المختلفة بكل حيوية ونشاط .
وعن وجود فوضى أو إزعاج يتسبب فيه جلوس الأبناء لمدة طويلة في المنزل قالت:إذا حدث هذا أطلب من كل واحد فيهم أن يذهب لغرفته ويبقى فيها حتى تهدأ الأمور، وسرعان ما تحل المشكلة لأن الجميع يريد الاستمتاع بكل لحظة من لحظات هذا التوقيت الذي ننتظره ونعد له طويلاً .
وأكدت أن المدرسة تفرض عليها روتيناً يومياً مملاً والتزاماً كبيراً بالمذاكرة والدروس ومواعيد تناول الوجبات والنوم، لذلك فهي في الإجازة تشعر بتغيير كبير لحياتها وكأنها قامت بشحن طاقتها استعداداً لعام دراسي قادم .
وترى زينب أحمد، موظفة في إدارة الطب الوقائي بعجمان، وأم لبنتين، أن الإجازة أفضل لأسباب عديدة أهمها البعد عن عبء متابعة دروس الأولاد ومذاكرتهم، وعدم التقييد بمواعيد حضورهم وانصرافهم من المدرسة، خاصة للأم التي لا يوجد عندها مربية أو لا يعيش بجوارها أحد من أقاربها من الممكن أن يستقبل الأولاد عند عودتهم من المدرسة في حال تأخرها في العمل .
وأضافت أن الإجازة تعطي للأم إحساساً كبيراً بالراحة أثناء ساعات الدوام اليومي، عكس ما يحدث في شهور الدراسة التي تكون فيها الأم موظفة خارج المنزل، وطباخة ومعلمة ومنظفة داخله .
أما سمر بدوي، صيدلانية وخبيرة بدائل طبيعية، فقالت: هناك أسباب كثيرة جداً تجعلنا كأمهات عاملات نفضل أيام الدراسة عن الصيف، أهمها أن درجة الحرارة والظروف الجوية في الدولة لا تسمح بالذهاب إلى الحدائق والشواطئ العامة، لأنني كأم أكره الذهاب للمراكز التجارية، فكل الألعاب الموجودة داخل هذه الأماكن تعمل على تجميد تفكير الأولاد، كما أنها تقدم لهم دروساً كاملة ومبسطة عن العنف وكيفية تطبيقه، ولا يوجد في هذه المراكز التجارية تسلية راقية تعزز إحساس الطفل بإنسانيته أو إنسانية الآخرين .
وأكدت أنها تفضل مشاركة الأطفال في المعسكرات الصيفية التي تعد استمرارية لحياة المدرسة، حيث إنها تعمل على شغل أوقات الفراغ، وتحفيز الطاقات الإبداعية لديهم، من خلال العديد من الأنشطة الرياضية والبدنية، وقالت: للأسف تكلفة هذه المعسكرات تتسم بالمغالاة، فالاشتراك فيها يتطلب دفع مبلغ 1000 درهم للطالب الواحد، وهذا ينطبق أيضاً على بعض الأنشطة الصيفية الأخرى، فمثلاً تعليم ابني الفروسية يتطلب مني دفع مثل هذا المبلغ .
وطالبت بدوي كل الجهات الرسمية التي تهتم بالطفل أن تفرض رقابة على المؤسسات التي تقدم أنشطة صيفية وطلابية مقابل مبالغ مالية ضخمة، حتى نتيح للطالب قضاء إجازة مفيدة وممتعة في الوقت نفسه .
وعبرت عن المعاناة التي تواجهها كأم عاملة في شهور الإجازة قائلة: الأم الموظفة تدفع ثمن الإجازة مُضاعفاً، لأنها ملتزمة بعمل خارج المنزل، سعياً للرزق وتوفير حياة كريمة لأولادها، كما أنها عند عودتها للمنزل تعمل على تعويض أولادها عن ساعات غيابها وهذه وظيفة أخرى تتطلب مزيداً من المجهود، أما الطامة الكبرى التي تسبب دماراً لحالتي النفسية فهي عندما يسافرون لأي مكان في الإجازة وتجبرني ظروف عملي على عدم الذهاب معهم .
د . إبراهيم قرفال، عميد كلية التربية والعلوم الأساسية بجامعة عجمان، أكد أن دور الأم ليس سهلاً، ويحتاج إلى كثير من التضحيات وأنها تحتاج هي معه إلى نوع من التدريب التأهيلي لهذه الوظيفة الفطرية . وقال: ليست كل أم مؤهلة لحمل هذا اللقب، خاصة أن مفهوم العائلة الكبيرة التي تضم الجد والجدة وكل الأحفاد لم يعد موجوداً بل انتشرت العائلة الصغيرة التي تضم الأب والأم والأبناء فقط، لتختفي القدوة التي كانت تعتمد عليها البنت في تعلم فن التعامل مع أولادها .
وأضاف أنه رغم وجود نماذج للمرأة العربية التي تتحمل عبء الأسرة وتقدم كل مهامها على أكمل وجه، فإن هناك أمهات تأثرن ببعض المفاهيم والعادات الغربية المتمثلة في وجود مربية أو خادمة تلقي على عاتقها مسؤولية الأطفال، حتى تستمتع هي بحياتها وتمارس كل نشاطاتها الشخصية .
ونحن لا نعترض على وجود يد تقدم المساعدة للأم وخاصة العاملة التي تعتبر مهمتها مضاعفة، لكن لابد أن يحافظ كل شخص على دوره ومسؤولياته، فالخادمة دورها يقتصر على التنظيف وأعمال المطبخ، أما الأم فهي مدرسة كاملة ومتحركة، وهذا الدور لم تفرضه عليها لوائح أو قواعد لكن طبيعتها البيولوجية والنفسية معدة لهذه الوظيفة المقدسة .
وأكد قرفال أنه مع حلول فصل الصيف تصبح الأم مسؤولة بشكل كامل عن الأبناء طوال اليوم ليلاً ونهاراً، وهذا من وجهة نظرها يحرمها من أشياء تراها جزءاً من حياتها الخاصة، وهنا تسعى لوجود من يشاركها في هذه المسؤولية الذي يتمثل في المدرسة أو المربية، لذلك نجد معظم الأمهات يبحثن عن معسكرات وأنشطة كثيرة لشغل أوقات فراغ الأبناء .
وأشار إلى أنه من المهم أن تشعر الأم بالراحة والاستجمام لأنها إنسان طبيعي يحتاج إلى وقت من الترويح عن النفس لكن يجب ألا يتم هذا على حساب الأولاد، حتى ولو كانت عاملة، فعليها أن توفق بين الوظيفتين حتى تنجح كموظفة وإنسانة خلقت لتكون أم .
وقال إن هناك العديد من الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف، وهو المشاركة في الأنشطة العائلية، التي يشترك بها كل أفراد الأسرة، وهي من الممكن أن تحصل على إجازتها السنوية في توقيت إجازة الأبناء، وعلى كل أم أن تعي جيداً أن أكثر إنسان يحتاج إليها هو هذا الابن .