ظاهرة الإسراف والبذخ في مآتم وأفراح الأثرياء انتشرت بشكل كبير خلال السنوات الماضية وأصبحت ظاهرة، فإذا نظرت في المجتمع العربي تجد الإسراف في الأفراح والأتراح، في السرور والحزن، وأصبحت مراسم الزواج والمآتم في هذه الأيام، يلحقها كثير من الفساد وسوء التدبير، ففي الأفراح تحفل بعض المجتمعات العربية بصور استفزازية لحفلات زفاف أسطورية في فنادق وقصور فخمة تتكلف مئات الآلاف، بينما هناك الملايين من الشباب بلغوا سن الزواج ولم يستطيعوا تدبير نفقاته.. فنجد المظاهر الكاذبة مثل ولائم الأفراح التي تهدر فيها كميات فائضة كبيرة من الطعام أو أن يشترط أن يقام الحفل في قصر معين أو فندق بعينه، ومن مظاهر الإسراف المذموم كذلك المبتدعة حديثا ما يوضع في بعض الأفراح من نقش اسم العروسين على كل الأكواب التي يشرب فيها المدعوون وتسليط أشعة الليزر ذات الألوان المتعددة على صورة العروس وهي في سن صغيرة ووضع ورود مضاءة في ذيل فستان العروس بها إضاءة تضيء وتظلم مثل المصابيح وغيرها من المظاهرة الخادعة.

أما المآتم فحدث ولا حرج، حيث نجد الكفن الذي يجب أن يكون مستوردا لكي يتماشى مع مكانة العائلة وتقاليدها والسرادق الضخم وقارئ القرآن الكريم المشهور وتصوير الفيديو، أو لابد أن يقام العزاء في قاعة مناسبات كبيرة والأرضية مفروشة بالسجاد وسط أضواء كاشفة والآن ظهرت الكروت التي تشبه دعوات الأفراح والتي يتم توزيعها في حفلات العرس، والفرق أنها عبارة عن محافظ ورقية فاخرة وداخلها العديد من الأدعية والآيات القرآنية المكتوب بعضها بماء الذهب وذلك كنوع من التذكير بالمتوفى وبعضها مكتوب فيها مآثر المتوفى وتاريخ حياته.

خطأ واضح

الدكتور محمد المختار المهدي الأستاذ في جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية يقول: إن الحكم الذي يجب اتباعه في أي حفلة أو مناسبة لابد أن يكون غير مخالف للشرع، فلا بد أن يكون هناك عدم مبالغة في أي شيء تكاليف أو زينة أو حتى في الحفلات نفسها وتعددها، ولا بد أن تكون التكاليف المدفوعة في أي حفلة هي الحد الأدنى لإقامة هذا الحفل دون إسراف أو تبذير، والفرق بينهما هو أن الإسراف يكون في دفع أموال في أمر مشروع أكثر من احتياجات الفرد، فلقد قال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا وجزاؤه أن الله لا يحب المسرفين ويكون جزاؤهم الطرد من رحمة الله عز وجل.

أما التبذير فهو صرف أموال في غير منفعة، ولقد قال عنهم الله إنهم إخوان الشياطين والقدر المطلوب في الفرح بهذه المناسبة هو الإشعار المستهدف في الفرح مثلاً من قِبل الإسلام، ويكفي ذلك بما يحقق الإعلان بالزواج وأي زيادة على ذلك يكرهها الله.

ويضيف د.المهدي: إننا محاسبون على أي مال يبذل، فالمرء سيسأل عن هذا المال فيم أنفقه، ومن أين اكتسبه حتى ولو كان ذلك من الأموال الخاصة، لأن المال هو مال الله ولا شك أن المغالاة في حفلات الأفراح تثقل كاهل الزوج والزوجة، فالمشروع للجميع عدم التكلف في ذلك كله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الصداق أيسره، وخيرهن أقلهن مؤنة.

لا ريب أن السنة عدم التكلف في المهور والولائم من أجل تسهيل زواج الشباب والفتيات، وأن يتواصى أهل الزوج وأهل الزوجة بترك التكلفة وبقلة المهور تشجيعاً للشباب على الزواج.

كذلك بالنسبة للإسراف في إقامة المآتم فهذا من البدع والمنكرات والمحرمات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهي بالتالي من الأغلال التي تثقل كاهل أهل الميت بالنفقات، وربما يكون هذا من تركة الميت ويكون له ورثة قصار، فتؤخذ ظلماً وعدواناً من حقهم.

وللأسف فإن البعض يجعل نفقة هذه المآتم المبتدعة المحرمة من الحقوق المتعلقة بتركة الميت مثل تغسيله وتكفينه ودفنه، وهذا خطأ واضح؛ لأن هذه المآتم غير مشروعة، فلا تجوز إقامتها أصلاً ولا تمويلها من تركة الميت ولا من غيرها؛ لقوله تعالى: ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان فالواجب منعها والقضاء عليها وبيان هذا للناس حتى يتركوها.

المفكر الإسلامي الدكتور أحمد عبدالرحمن أستاذ علم الأخلاق يرى أن إظهار الفرح والبهجة بمناسبة الزواج أمر طيب وسنة نبوية شريفة ولكن علينا نحن المسلمين ونحن نعيش في مجتمع إسلامي محافظ أن نشهر الفرح بهذه المناسبة في حدود الآداب الإسلامية والأعراف والمبادئ، وألا ندع بعض العادات والتقاليد تسيطر علينا، ونحمل أنفسنا تحت شعار الفرح فوق ما نطيق من تكاليف مالية باهظة لا داعي لها، وتسبب العديد من السلبيات، يكون أكثر المتأثرين بها العريس الذي يدخل حياة جديدة وهو مكبل بقيود الديون التي هي ذل في النهار وقلق في الليل.

ويدعو الدكتور أحمد عبدالرحمن إلى الترشيد قدر المستطاع في تكاليف الزواج حتى نشجع الشباب على الزواج، وخصوصا أن بعض الشباب أصبح تحت هذه الضغوط الاجتماعية يحجم عن الزواج ولا يفكر به، كما أن الإسراف والمبالغة في تقديم الطعام بكميات كبيرة على شكل موائد يتم نشرها داخل قاعات الاحتفالات بالعشرات تصرف مذموم، حيث نجد أن الحضور الذين يتحلقون حول هذه الموائد لا يتناولون إلا جزءا قليلا والباقي يتم التخلص منه، فلماذا لا نحفظ النعمة ونحرص عليها ولا نهدرها بهذا الشكل الذي لا يرضي الله وقد ينالنا بسببه العقاب.

أما بالنسبة للمآتم ففي الواقع أن الناس اعتادوا أموراً كثيرة لم يعتمدوا في أكثرها إلا على مُجرد الاستحسان الشخصي أو الطائفي، وأخذت تنتقل من جيل إلى جيل حتى عمت وصارت تقاليد، يأخذها حاضر الناس عن ماضيهم، غير ناظرين فيها إلى أكثر من أنها سنة الآباء والأجداد ووجدت من يبيحها أو يستحسنها ويقويها واستقرت هذه العادات في المجتمعات الإسلامية بلونها الديني، حتى ظن غير المسلمين أنها من شؤون الإسلام والإسلام منها بريء.

ينبغي أن يعرف المسلمون أن الحكمة في تشييع الجنازة، الذي طلبه الشرع وحث عليه، هي الاتعاظ بالموت، واستحضار جلاله الآخذ بالنفوس القاضي على غطرستها، المذكر بيوم الحساب والجزاء يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وقد جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه: اتباع الجنازة يذكر بالآخرة.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتباع الجنائز التي معها رانة والرانة هي المصوتة، أي ذات الصوت، فتشمل بعمومها النائحة والموسيقا والقارئ والذاكر، فكل ذلك أمام الجنازة حرام ومنهي عنه، وليس من شك في أن هذه المظاهر، فضلا عن أنها تحول دون التذكر والاتعاظ، تثير الأحزان وتضاعف الأسى، وتخلع القلوب وتأخذ بها عن جميل الصبر، وفضيلة الرضا بقضاء الله.

ولقد طلب الشارع الصمت من المشيعين حتى تخلص العظة إلى النفس، ويقوى التذكر في القلب، وفي ذلك ما ورد عن الرسول: إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة. ومن هنا علم حكم العادة الأولى، وحرم رفع الصوت في تشييع الجنازة، ولو بالذكر وقراءة القرآن، وطلب الاستغفار للميت.

أما إقامة السرادقات والإنفاق عليها بما يظهر بهجتها فهي قطعا إسراف محرم بنص القرآن، وتشتد حرمتها إذا كان وارث الميت قاصراً، يحمل كل هذه النفقات، أو كان أهل الميت في حاجة إليها، أو كانوا لا يحصلون عليها إلا عن طريق الربا المُحرم، ولم تكن التعزية عند مُسمى العصور الأولى إلا عند التشييع أو عند المقابلة الأولى لمن لم يحضر التشييع.

ويقوم البعض بالذبح عند خروج الجثة أو عند وصولها إلى القبر وهو عادة جاهلية وقد نهى النبي عنها بقوله: لا عقر في الإسلام. وهو يعد ذلك لوناً من ألوان المباهاة والفخر في موضع ليس محلا للمباهاة والفخر، وللصدقة مجالها في المكان والزمان والأشخاص.

ولم يكن معروفاً في الإسلام ما يعرف اليوم من خميس صغير أو كبير، فضلا عن الأربعين والمواسم والأعياد التي يجدد فيها الناس اليوم الأحزان ويعيدون بها المآتم ويشغلون بها الناس عن أعمالهم النافعة في الحياة وكل هذه العادات إسراف وتبذير.

أما النعي، بمعنى الإخبار بالموت فقط، فإنه شأن لا بأس به، بل ربما كان مطلوباً، نظراً لما فيه من مبادرة الناس إلى شهود الجنازة، ومِن مساعدة أهل الميت في التجهيز والدفن، ومن التعزية في وقتها، وفيه بعد هذا كله الإعلان بانقطاع معاملة المتوفى مع الخلق، وانتقاله إلى الخالق.