القاهرة:«الخليج»
يكثف علماء الإسلام وأساتذة التغذية والأطباء في كل الدول العربية من نصائحهم وتوجيهاتهم للأسر العربية بضرورة ضبط السلوك الاستهلاكي في رمضان، ليس من أجل توفير الأموال التي تهدر في السفه الاستهلاكي فحسب، ولكن من أجل قضاء رمضان في الأجواء التي أرادها الله له.. من عبادة وطاعة واستمتاع معتدل بالطيبات من دون مشكلات صحية، وخروج من هذا الشهر الفضيل بالمزيد من المكاسب الروحية والبدنية، وادخار الأموال التي تهدر في السفه الاستهلاكي فيما هو مفيد، وما أعظم الأجر لو توجهت إلى الفقراء وأصحاب الحاجات.
والتساؤلات التي تفرض نفسها هذه الأيام: ماذا يفعل المسلم لكي يقضي رمضان على الوجه الذي يريده الله عز وجل؟ وما حكم من يسرف في الطعام والشراب والإنفاق دون حاجة خلال الشهر الكريم؟ وما هو المنهج الإسلامي في الاستهلاك والذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم طوال العام وخاصة في رمضان؟ وما العادات الصحية التي نصحنا بها صلوات الله وسلامه عليه فيما يتعلق بتوقيتات تناول الطعام والعادات المصاحبة لذلك؟

تساؤلات كثيرة طرحناها على عدد من علماء الإسلام وأساتذة الاقتصاد الإسلامي والأطباء ليقدموا نصائحهم وتوجيهاتهم للأسرة العربية، وهي تستعد لاستقبال الشهر الفضيل.. وفيما يلي خلاصة ما قالوه:
يؤكد العالم الأزهري، الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الإسلام في كل شأن من شؤونه دين توسط واعتدال، فلا تقتير ولا إسراف، وحتى في العبادة مطلوب من المسلم أن يوازن دائما بين حقوق ربه وحقوق جسده ونفسه، فلا يطغى جانب على جانب، ولا يسرف في أمر على حساب أمر آخر.
والنفقة على الأهل من زوجة وأبناء وآباء وأمهات وشقيقات من أفضل القربات إلى الله، وقد جاءت نصوص كثيرة تحث عليها، ويكفي هنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله».
سفه مرفوض
ويضيف: هناك فرق كبير بين النفقة المعتدلة التي حث عليها الإسلام، والسلوك الاقتصادي للمسلمين خلال الشهر الفضيل، وهو سلوك يحتاج إلى مراجعة وتقويم حيث يتضاعف استهلاك الطعام والشراب في كل البلاد العربية من دون استثناء، وهو ما يؤكد أننا نمارس سفهاً استهلاكياً مرفوضاً في رمضان وحتى في ظل الشكوى من ارتفاع أسعار الغذاء في كثير من البلاد العربية ما زلنا نسجل أعلى معدلات الاستهلاك، وهناك أسر تنفق ما تدخره في بعض شهور السنة خلال شهر رمضان لما ترتبط به من عادات وسلوكيات رمضانية مثل ولائم الإفطار التي تحتوي صنوفاً وأشكالاً كثيرة من الطعام ويذهب للأسف معظمه إلى صناديق المخلفات.
هذا السفه الاستهلاكي لا يتفق أبدا- كما يقول الشيخ عاشور- مع تعاليم الإسلام وتوجيهاته، فرمضان شهر عبادة وعمل وإنتاج، ويعتبره الأطباء فترة راحة ونقاهة للجسد من الإسراف الغذائي.. ولذلك لا ينبغي أن يتحول إلى شهر سفه استهلاكي، ويكون كل همنا فيه أن نستهلك كل ما نستطيع، ونأكل كل ما تصل أيادينا إليه، مهما كان ثمنه، ثم نشكو بعد ذلك من الغلاء الفاحش الذي استنزف كل ما في جيوبنا.
وينصح العالم الأزهري الأسر بتجنب الإسراف في الإنفاق في رمضان، ويقول: الشيء الوحيد المباح فيه الإسراف في رمضان هو التصدق على الفقراء والمحتاجين، فرمضان ساحة كبيرة للتنافس في العطاء الخيري، والله سبحانه وتعالى يجزل العطاء لهؤلاء الذين ينفقون بسخاء على الفقراء وأصحاب الحاجات ويوسع في أرزاقهم.
لا إسراف ولا تقتير
وهنا يلتقط أستاذ الاقتصاد الإسلامي، د. محمد عبدالحليم عمر، خيط الحديث من الشيخ عاشور ويؤكد أن إنفاق الدول العربية على الغذاء في رمضان لا يتفق مع جلال الشهر الفضيل، ولا مع مقاصد الصوم وأهدافه، ويقول: رمضان ليس شهر حرمان وتقتير، كما يفهم البعض من الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك فيه، فديننا لا يحرمنا من الطيبات سواء في رمضان أو غير رمضان ولكن من دون سفه، وهو يضع لسلوكنا الاقتصادي في كل وقت وفي كل مكان «قاعدة ذهبية للإنفاق والاستهلاك» تتلخص في ضرورة التزام المسلم بالاعتدال، فلا تقتير ولا إسراف، والله سبحانه يأمرنا في القرآن الكريم بهذا الاعتدال فيقول: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة»، فهذا الحديث يدل على تحريم الإسراف في المأكل والمشرب والملبس والتصدق بما تحتاجه النفس، كما أن الإسراف في كل شيء مضر بالجسد، ومضر بالمعيشة، ويضر بالنفس.
ورغم أن ظاهرة السفه الاستهلاكي في بلادنا العربية لم تعد ظاهرة رمضانية فحسب، بل هي موجودة طوال شهور السنة، كما تؤكد التقارير الاقتصادية والظواهر الحياتية؛ إلا أن السفه في التعامل مع الطعام والشراب في رمضان- كما يقول أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر- أصبح سلوكا مستفزا لا يتفق أبدا مع السلوك الواجب للمسلم خلال شهر الصوم.
إهدار نعم الله
ويضيف: معظم ما ننفق عليه في رمضان ويشكل عبئاً على الأسر محدودة الدخل يمكن الاستغناء عنه، بدون أن تتأثر القيمة الغذائية لما نأكله ونشربه، ولكن التقليد والمحاكاة وراء الإنفاق الأسري المتزايد خلال شهر رمضان، وهذا الأمر في حد ذاته قد يجلب للإنسان الإثم، لأن إهدار نعم الله كما نرى في ولائم رمضان سلوك مرفوض شرعا وعقلا، والمسلم الذي ينشد الأجر والثواب من الله عليه أن يتجنب كل ما يدخله في دائرة الإثم والعقاب الإلهي، حتى تتكامل سلوكياته وعباداته خلال شهر رمضان ويجني ثمرة صومه، ويكون نموذجا للمسلم المعتدل في عباداته ومعاملاته واستهلاكه للطيبات.
لذلك يطالب أستاذ الاقتصاد الإسلامي بالأزهر بضرورة مراجعة كل أسرة لسلوكها الاستهلاكي خلال شهر رمضان، ويقول: لا ينبغي أن يرتبط السفه الاستهلاكي بشهر كريم من المفترض أن يقل استهلاكنا فيه بمعدل الثلث، فنحن في رمضان نتناول وجبتين يوميا، بينما في بقية شهور السنة نتناول ثلاث وجبات يوميا، ولذلك ينبغي أن يقل استهلاكنا في رمضان من الطعام والشراب عنه في غير رمضان.. ولكن هذا لا يحدث على أرض الواقع، حيث تشير التقارير الاقتصادية في معظم البلاد العربية حتى التي تعاني من مشكلات اقتصادية إلى زيادة الاستهلاك إلى الضعف وربما أكثر، وهذا من التناقضات الواضحة في حياتنا الاقتصادية.
ثواب منقوص
العالمة الأزهرية د. عبلة الكحلاوي، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، تضم صوتها إلى صوت أستاذ الاقتصاد الإسلامي، وتؤكد أن السفه الاستهلاكي في رمضان ينتقص من الأجر والثواب الذي يتطلع إليه كل مسلم خلال الشهر الكريم، وتقول: ما ننفقه على الطعام والشراب خلال الشهر الكريم يتنافى تماما مع أهداف الصوم، فكثير من الأسر تنشغل بجمع كل صنوف الطعام قبل رمضان بشهر أو اثنين لتدخره للاستهلاك في رمضان، ربما خوفا من زيادة الأسعار، مع أن هذا السلوك في حد ذاته يؤدي إلى زيادة الأسعار، فكلما زاد الطلب على سلعة اختفت من الأسواق أو شحت، وهذا يؤدي إلى ارتفاع سعرها، كما يقول الاقتصاديون، ولذلك فنحن الذين نختلق الأزمات لأنفسنا ثم نشكو بعد ذلك.
وتطالب د. عبلة بنشر الوعي الاستهلاكي الصحيح وتبصير الرجال والنساء معا بمنهج الاعتدال الإسلامي في الاستهلاك.. وتقول: مشكلة الإسراف في الطعام والشراب لا يمكن تحميلها للنساء وحدهن، فالمرأة في مسألة الطعام والشراب تلبي غالباً رغبة زوجها وأولادها، ومطالب الأزواج والأولاد لا تقف عند حد، وهناك مشكلات كثيرة تحدث بين أزواج وزوجاتهم بسبب مطالب الأزواج الكثيرة وعدم قدرة الزوجات على الوفاء بها مما يدفع الرجال إلى الاستعانة بالمطاعم لجلب المزيد من الطعام، وهذا يضاعف من نفقات الأسر في رمضان.
سلوك يغضب الله
وترى د. عبلة أن ترشيد الاستهلاك في بلادنا العربية أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية إلى جانب أنه مطلب شرعي، وتقول: مشكلة المغالاة في أسعار الطعام والشراب في بلادنا العربية تفرض على كل الأسر الآن أن ترشد استهلاكها وأن تعد من الطعام والشراب ما هي في حاجة فعلية إليه، أما إعداد كميات كبيرة من الطعام والشراب، وخاصة في رمضان ويكون مصير معظمها صناديق القمامة، فهذا أمر يغضب الله ورسوله ويجلب لصاحبه سخط الله وعقابه، ويهدر ثواب الصوم، لأن في ذلك إهداراً لنعم الله، وهناك الكثير والكثير من الأسر الفقيرة التي لا تجد ما تسد رمقها به.
وهنا تنصح الداعية الأزهرية الشهيرة كل أسرة أن تنفق وفق رؤيتها التي تحكمها تعاليم الإسلام من دون تقليد للآخرين، وتقول: محاكاة الأسر بعضها لبعض فيما يتعلق بولائم رمضان هو الذي يؤدي إلى زيادة الاستهلاك، فوليمة رمضان لم تعد في إطار الاعتدال، بل أصبحت وسيلة للتفاخر والتباهي حيث تتلاقى فيها كل أشكال الطعام والشراب، وما نأكله ونشربه منه قليل للغاية ويكون مصير هذا الطعام في الغالب صناديق القمامة، وهو أمر محزن لأن كل مجتمع عربي فيه فقراء لا يجدون ما يفي بحاجتهم من الطعام والشراب، وعلينا أن ننظر إلى هؤلاء الفقراء بعين العطف ولا نفكر في توزيع بواقي الطعام عليهم، كما يفعل البعض لأن هذا السلوك يجرح مشاعرهم، والله سبحانه وتعالى يكافئ على الصدقة الجيدة التي تقدم من أجود الطعام وبسخاء نفس.
«صوموا تصحوا»
د. محسن سلامة، أستاذ أمراض الجهاز الهضمي والكبد بجامعة المنوفية، يحذر من ظاهرة الإسراف في الطعام والشراب التي ترتبط بالشهر الفضيل، ويؤكد أن شهر الصوم يعتبره الأطباء موسماً سنوياً للتخلص من كثير من الأمراض وليس الإصابة بأمراض جديدة، كما يحدث على أرض الواقع نتيجة كثرة ما نضعه في بطوننا.. فضلاً عن العادات الغذائية السيئة لكثير من الصائمين.
ويشير أستاذ الجهاز الهضمي والكبد إلى الدلالات الصحية السليمة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا تصحوا» ويقول: لقد أثبت الطب الحديث أن الصوم مع الالتزام بالتوجيهات النبوية الصحيحة الخاصة بالطعام يحقق للإنسان فوائد صحية ونفسية كثيرة، وعلينا أن نعمل بتوجيهات الرسول في العادات الصحيحة لتناول الطعام وكميته والحرص على طعام السحور فكلها مفيدة للإنسان وتضمن له «رمضانَ صحياً» بلا مشاكل.