يعتقد بعض المتدينين أن الالتزام الديني يفرض عليهم العيش دائماً في الهموم والأحزان والتفكير الدائم في الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة، والسخط على كل ما يرونه من خروج على منهج الله أو تجاوزات سلوكية وأخلاقية لدى الآخرين .
والإسلام لا يريد من المسلم أن يعيش دائماً في الأحزان والهموم، بل يطلب من كل أتباعه أن يعيشوا حياتهم بحلوها ومرّها، أن يبتسموا ويضحكوا ويدخلوا الفرح والسرور على نفسهم ونفوس أولادهم وكل المحيطين بهم، كما يحزنوا ويألموا لما يشاهدونه من مآس وحروب وإهدار لنعم الله .
د .عبدالمعطي بيومي الأستاذ في جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، يؤكد أن الأمل قيمة إسلامية لا يمكن أن يعيش الإنسان من دونها، فمن دون الأمل في حياة أفضل وأرقى لن يعمل أحد، ومن دون الأمل في مستقبل أفضل، لن يتعلم أحد، ومن دون الأمل في تكوين أسرة مستقرة وإنجاب أولاد ينعم الإنسان بينهم بالبر والإحسان فلن يتزوج أحد، ومن دون الأمل في تغيير الواقع المؤلم الذي نعيشه فلن يتحرك أحد نحو الإصلاح والتوجيه والتقويم . ومن هنا، فلا حياة بلا أمل، فالأمل هو الذي يجعل الإنسان يحب الحياة ويعمل من أجلها لخير نفسه وخير مجتمعه .
باب التوبة المفتوح
ويضيف: ديننا الإسلامي يغرس الأمل في نفوس كل الناس، ويحارب اليأس والإحباط بكل الوسائل، فلا ينبغي أن يتسرب القنوط إلى نفس المسلم إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وحتى المذنبون العاصون الذين أسرفوا على أنفسهم يفتح الله أمامهم باب التوبة على مصراعيه، فالله سبحانه وتعالى يقول: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم . وزيادة في مد حبال الأمل لمن يتسرب اليأس إلى قلوبهم يعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان من شأنه أن يخطئ، والخطأ في حد ذاته ليس عيبا، ولكن الإصرار على الخطأ هو الذي يبعد الإنسان عن الله ف كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .
وتشجيعاً للإنسان المخطئ أو المذنب على التوبة وعدم اليأس من رحمة الله، يخبرنا الله عز وجل في كتابه أن الله يحب التوابين، ويخبرنا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن الله يفرح بتوبة عبده، وهذا كله يؤكد لنا أن باب الأمل مفتوح ولا يغلق في وجه إنسان .
ويوضح د .بيومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا دائما إلى التفاؤل ويحثنا على التعلق بالحياة والحرص على تعميرها ونشر الخير فيها، ولن يتحقق ذلك إلا بالأمل والرغبة في العمل، والإصرار على العطاء، وهذا كله واضح من توجيهه الكريم: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل .
ويؤكد د .عبدالمعطي أن تسليح الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين بقيمة الأمل أصبح ضرورة حتمية الآن لمواجهة الإحباط واليأس اللذين يسيطران على نفوس الكثيرين منهم، لما يرونه في مجتمعاتهم من فساد وانحراف وإهدار للمال العام وانتشار الوساطة والمحسوبية، وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تسيطر على نفوس الشباب في معظم المجتمعات العربية والإسلامية .
وهنا يوضح أن مواجهة الشعور بالإحباط لا يكون بالدعوة إلى التفاؤل والعمل والإنتاج والمزيد من العلم والبحث والتضحية فقط، بل الأهم من ذلك هو مقاومة بواعث الإحباط واليأس، فلابد من إعلان الحرب على الفساد بكل أشكاله في مجتمعاتنا، وأن تمتد يد العدالة لتقتص من المفسدين والمنحرفين الذين اعتدوا على حقوقنا وزرعوا اليأس والإحباط وعدم الأمل في الإصلاح في نفوس الجميع .
مواجهة الظواهر السلبية
د .مبروك عطية، الأستاذ في جامعة الأزهر والداعية الشهير، يحذر من سيطرة مشاعر اليأس والإحباط على نفوس شبابنا ويقول: هؤلاء الشباب هم المنوطة بهم صناعة مستقبلنا والدفاع عن وجودنا، وحماية مصالحنا، والارتقاء بواقعنا، وتحقيق النهضة المنشودة، ولذلك يجب أن تبذل كل الجهود لغرس قيمة الأمل في حياتهم، فالمحبط واليائس لن يعمل ولن ينتج، بل سيتحول إلى وسيلة هدم وتدمير للمجتمع، وهذا ما نراه بالفعل في سلوك الشباب الذي يلجأ إلى العنف، فالدراسة الموضوعية لأحوال هؤلاء الشباب النفسية والاجتماعية تؤكد أن الذي دفعهم إلى ذلك هو الإحباط واليأس، فلا أمل عند هؤلاء في إصلاح أو حياة آمنة مستقرة، ومع الاعتراف بأنهم وقعوا في براثن جماعات وفئات ضالة زرعت اليأس والإحباط في نفوسهم، إلا أنه يجب الاعتراف أيضاً بشجاعة بأن الأجواء المحيطة بهم محبطة ولا توفر القدر المطلوب من الثقة .
من هنا يتفق د .مبروك عطية مع د .عبدالمعطي بيومي في ضرورة مواجهة كل الظواهر السلبية التي تدفع هؤلاء الشباب إلى عدم الثقة بالإصلاح وفقدان الأمل في التغيير .
ويدين د .مبروك سلوك هؤلاء الشباب الذين حرموا أنفسهم من بهجة الحياة وفرضوا على أنفسهم وكل المحيطين بهم والمتعاملين معهم حالة من الجدية المصطنعة ويقول: الإسلام دعوة إلى التفاؤل والبهجة والسرور، والذين يعتقدون أنهم يتقربون إلى الله بالتجهم والعبوس وحرمان النفس من الترفيه المباح واللهو المرغوب للتخفيف عن النفس مخطئون، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل تبسمك في وجه أخيك صدقة وهو القائل أيضاً: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق أي بوجه بشوش . فالابتسامة في وجوه الآخرين هي رسالة حب ومودة إلى القلوب، وهي تعني احترام الإنسان للآخرين .
فضائيات نشر الكآبة
ويضيف: علينا جميعاً أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعرف عنه أبداً أنه كان عابساً متجهماً، بل كان بشوشاً مبتسماً يعرف كيف يكسب ود واحترام كل المتعاملين معه بابتسامته الرقيقة ووجهه البشوش وحسن التعامل مع الناس .
ويحذر د .مبروك عطية هنا من الفضائيات الدينية التي تخصصت في نشر الكآبة بين فئة كبيرة من المسلمين بما تحيطنا به من قيود وتطاردنا به من محرمات . فالحياة ليست حراماً في حرام كما يعتقد بعض هؤلاء الدعاة، بل الحياة التي رسم لنا الإسلام طريقها وحدد لنا منهجها حياة كلها سعادة ومرح وسرور، حياة كلها تفاؤل وبهجة وأمل في مستقبل أفضل كثيراً من الواقع الذي نعيشه .
كما يحذر د .مبروك عطية من الفضائيات التي تركز على المساوئ والتجاوزات وتتفنن في كيفية إصابة المشاهدين باليأس والإحباط، ويقول: تضخيم التجاوزات والتركيز على السلبيات والحديث المتواصل عن الفساد وإهمال الجهود المبذولة من جميع أجهزة الدولة لمواجهته، كل ذلك يزرع اليأس والإحباط في نفوس الأجيال الجديدة ويفقدها قيمة الانتماء للوطن، ولابد من الحديث عما في حياتنا من إيجابيات كما نتحدث عن السلبيات .