الإسلام دين يحب الجمال ويدعو إليه في كل شيء. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تعالى جميل يحب الجمال. والقرآن الكريم في العديد من آياته يلفت الأنظار إلى ما في الكون من تناسق وإبداع وإتقان، وما يتضمنه ذلك من جمال وبهجة وسرور للناظرين. والإنسان مطبوع على حب الجمال، سواء كان هذا الجمال في الشيء أو في الأشخاص.

وإذا كان الله يحب الجمال كما جاء في الحديث المشار إليه فإن الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، من شأنه أيضاً أن يحب الجمال، مع الفارق الكبير الذي يتمثل في أن الله هو خالق الجمال، وخالق حب الجمال في الإنسان.

ويعرف الجمال بأنه صفة تلحظ في الأشياء وتبعث في النفس سرورا ورضا. أو كما يقول ابن سينا: جمال كل شيء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له، أو كما ينبغي أن يكون. وهذا يعني التناسق التام والنظام الكامل، وقد اكتمل ذلك في خلق الكون كله الذي خلقه الله فقدره تقديرا وأبدع صنعه، وأحسن كل شيء خلقه: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ويلفت القرآن نظرنا إلى هذا التناسق في خلق السماء بقوله: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج وجعل لنا الحدائق بهجة لأنظارنا وسرورا لأنفسنا: وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة.

وتتكرر في القرآن الكريم أوصاف الجمال في خلق السماء وتزيينها لتكون بهجة للناظرين، وذلك مثل قوله تعالى: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وقوله: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين. ويستنكر القرآن من يحرم زينة الله بقوله: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. والقرآن الكريم يدعونا لأن نتخذ زينتنا عند الخروج إلى المسجد حتى نكون في أبهى صورة وفي أجمل حال: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد.

والجمال كما يكون في خلق الكون وفي خلق الإنسان يكون أيضاً في الأنعام كما يقول القرآن الكريم ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ويكون كذلك في مجال الأخلاق، في الصفح على سبيل المثال: فاصفح الصفح الجميل وفي الصبر: فاصبر صبراً جميلاً وغيرهما من صفات أخلاقية، ويكون أيضا في الأفعال: فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً، كما يكون الجمال في الأصوات، فقد امتدح النبي عليه الصلاة والسلام صوت أبي موسى الأشعري وقد سمعه يتغنى بالقرآن وكان جميل الصوت فقال له: لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود كما كان النبي يختار أجمل الأصوات للأذان، وامتدح بلالا في الأذان واصفاً إياه بأنه أندى صوتاً، والجدير بالذكر هنا أيضا أن أوصاف الجنة في القرآن الكرم تمثل صورا جمالية رائعة تجعل القلوب تهفو إليها، والنفوس تتحرق شوقاً إلى نعيمها.

ومن ذلك يتضح أن الإسلام إذا كان يدعو إلى الجمال فإنه من ناحية أخرى يرفض القبح بجميع أشكاله. ولا يمكن لدين هذا موقفه أن يصادر مشاعر الناس وعواطفهم في حب الجمال. فالجمال إذا ساد في كل شيء، في أقوالنا وأفعالنا، فإن النتيجة ستكون حياة جميلة، والحياة الجميلة تدفع إلى كل ما هو جميل والمجتمع الذي يسود فيه الجمال يسود فيه الذوق الجميل، والفن الجميل والفعل الجميل، والأدب الجميل، والسلوك الجميل، أما الذي نفسه بغير جمال فإنه لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً كما عبر عن ذلك بصدق إيليا أبوماضي.

وهذا يعني أن الجمال إحساس داخلي ينعكس بدوره على ما يحيط بالإنسان فيرى كل شيء جميلا، فالجمال إذن ليس في الشكل الظاهري فقط، وإنما هو في المقام الأول في أعماق النفس الإنسانية. ويرتبط الإحساس بالجمال بالتفاؤل والإقبال على الحياة، وحب الناس والاتجاه إلى عمل الخير. ومن أجل ذلك كان حرص الإسلام على تربية الذوق الجمالي لدى الإنسان المسلم.

ولم يكن ذكر الصور الجمالية البديعة في القرآن الكريم وصفاً دقيقاً وحقيقياً للكون بما فيه من كائنات ومن فيه من البشر إلا ترسيخاً لقيمة الجمال في النفوس، وتربية للتذوق الجمالي لدى الأفراد والجماعات، إذ من شأن ذلك أن يرقق المشاعر ويرهف الإحساس ويعمق الإدراك، وليس هناك من شك في أن ذلك كله ينعكس بصورة إيجابية على سلوك الإنسان في الحياة.

* وزير الأوقاف المصري