حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .

ونحن من خلال هذا الباب نسبح في بحر الأخلاق والقيم الإسلامية الرفيعة لنذكر الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين أن رقيهم وتحضرهم وإنسانيتهم العالية تكمن في أخلاقيات الإسلام، وأن ما نعاني منه الآن في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية من انفلات أخلاقي وبلطجة سلوكية سببه الرئيسي ضعف الوازع الديني، واختفاء قيم وأخلاق الإسلام من حياتنا .

العدل هو استعمال ما ينبغي من الأمور في مواضعها وأوقاتها وفي وجوهها ومقاديرها وفق ما شرع الله دونما إفراط ولا تفريط .

وليس العدل مقصوراً على الحكم والقضاء أو على قسمة الأموال والحقوق لكن العدل أعم من ذلك، فهو يشمل كل ما يقوم به الإنسان من الأعمال الإرادية نحو الله أو نحو نفسه أو نحو الآخرين، وهو بهذا المعنى يعم العقائد والعبادات والمعاملات والآداب .

وفضيلة العدل من صفات الله سبحانه، لأنه منزه عن الظلم قال تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما، وقال سبحانه: إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون . وقال عز وجل: ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا وليتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً .

وقد أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يلتزم العدل في كل أقواله وأعماله، فقال: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير .

بل إن الله أمر رسوله بالتزام العدل في الأحكام حتى مع غير المسلمين، فقد قال: فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين .

وكما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالعدل أمر الناس جميعا بذلك، لأن كل خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم هو خطاب لأمته إلا في الخصوصيات .

أمرنا الله بالعدل في القول فقال: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى .

وأمرنا سبحانه بالعدل في الأحكام فقال: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . . .

وأمرنا عز وجل بالعدل في الشهادة فقال: وأشهدوا ذوي عدول منكم وأقيموا الشهادة لله . . .

وأمرنا سبحانه بالتزام العدل عند الإصلاح بين الناس، فقال: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين .

وأمرنا عز وجل بأن نكون عادلين حتى مع الأعداء، فقال: يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون

والعدل من القيم والأخلاق الإسلامية الرفيعة التي لا ينبغي أن تفارق المسلم في كل معاملاته مع الآخرين وفي كل شؤون حياته العامة والخاصة .

والعدل يحمل فيما يحمل من معاني الحق والصدق والإنصاف والنظام والاستقامة وغيرها من المعاني، ما يجعله من صفات الكمال التي يتصف بها رب العزة ويأمر عباده بأن ينظموا سلوكهم على أساسه، ويطبقوه في كل مجال من مجالات الحياة، فالعدل والإنصاف والمساواة بين الناس في كل ما تجب فيه المساواة تنتظم حياتهم ويسعد الجميع بتبادل المنافع التي أحلها الله فيما بينهم .

استقرار وأمن

الدكتور حامد أبو طالب، أستاذ الشريعة الإسلامية، العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون في الأزهر، يؤكد أن غياب الشريعة الإسلامية عن التشريعات العربية أدى إلى نشر الظلم بين الناس، ويقول: نحن أمة تحكمها شريعة عادلة، شريعة تتسم بالإنصاف والعدل في كل أحكامها وتشريعاتها، وعندما تغيب الأحكام الشرعية ونستعيض عنها بقوانين وتشريعات وافدة من هنا وهناك، من الطبيعي أن تتلاشى قيمة العدل وتتدخل الأنظمة الحاكمة في الأحكام القضائية ويفقد القضاء استقلاله ويتهم بعدم الإنصاف وعدم العدالة . وهنا يؤكد الدكتور عثمان ضرورة أن تكون الشريعة الإسلامية بأحكامها العادلة وتشريعاتها التي لا تفرق بين حاكم ومحكوم هي المصدر الأساسي للتشريع في عالمنا الإسلامي .

وإلى جانب ذلك يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية في الأزهر ضرورة نشر ثقافة العدل بين الناس، والترحيب بكل المنظمات والهيئات والمؤسسات التي تعنى بحقوق الإنسان وترفض كل أشكال الظلم التي يتعرض لها .

ويضيف: إن تطبيق قيمة العدل بين كل الناس هو طريق الأمن والأمان والاستقرار الذي يبحثون عنه، فلا أمن ولا استقرار ولا نهضة ولا تقدم لأمة يشيع الظلم بينها وتضيع حقوق الضعفاء فيها، فإقرار العدل من أهم الأمور التي تنشر الأمن والاستقرار في المجتمع، وتقوى الروابط الإنسانية بين الناس، فالعدل يتحقق بإعطاء كل ذي حق حقه، وهذا أمر من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار الذي يبحث عنه أي مجتمع .

ويوضح الدكتور أبو طالب أن تطبيق العدل ليس مسؤولية الحاكم أو السلطة القضائية وكبار المسؤولين في الجهاز التنفيذي فحسب، بل هو مطلب إسلامي من كل إنسان أيا كان موقعه في المجتمع، فالأب مطالب بتطبيق العدل بين أبنائه والزوج مطالب بأن يكون عادلاً وموضوعياً ومنصفا مع زوجته، وكل رئيس عمل مطلوب منه أن يكون منصفا وعادلا مع كل من يعمل معه، وبذلك تتكامل حلقات العدل والإنصاف ونصرة المظلوم في المجتمع الإسلامي .

وهكذا يتضح أن العدل الذي يأمرنا به الخالق عز وجل عدل واسع النطاق، متعدد الميادين، فهو أولا عدل الإنسان مع نفسه وذلك بحملها على الخير والبعد بها عن الشر، والوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من غير تجاوز أو تعقيد وعدل الإنسان مع غيره، وهو درجات ثلاث، عدل مع من هم دونه من الناس كعدل الحاكم مع المحكومين وصوره كثيرة ووجوهه متعددة، وعدل مع من هم فوقه كعدل المحكومين مع الحاكم وعدل المرؤوسين مع رئيسهم، وذلك بإخلاص العمل والالتزام بالواجبات . . ثم يأتي العدل بين المتساوين في الدرجة، وذلك بترك الترفع والتعالي وعدم الإذلال ورفع الكلفة وكف الأذى عنهم .

والعدل بهذه الصورة التي يرسخها الإسلام مطلوب من الإنسان في أسرته ومع جيرانه ومع أصدقائه وشركائه، مطلوب في المصنع والمتجر والحقل والمكتب والمدرسة وفي كل عمل أيا كان نوعه، مطلوب مع الأحباب والأعداء، وفي السلم والحرب، ومطلوب في القول والعمل والسلوك وسائر شؤون الحياة .

جحود لأفضل الخلق

رغم تعدد وتنوع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تأمر بالعدل وتحث عليه وتحبب الناس فيه وتدفعهم إلى الالتزام به، شاعت مظاهر الظلم وعدم الإنصاف بين المسلمين الآن، حيث أهدرت حقوق الكثيرين في الحصول على الوظيفة المناسبة لهم نتيجة الوساطة والمحسوبية، وضاعت حقوق الكثيرين في الترقي نتيجة شيوع رذيلة النفاق، ولحق الظلم بالكثيرين نتيجة شيوع الغش في كل مجالات الحياة .

هذه ليست نظرة سوداوية كما يقول الدكتور بكر زكي عوض، عميد كلية أصول الدين في الأزهر بل هو الواقع المؤلم، ونتيجة تلاشي قيمة العدل والإنصاف وعدم إعطاء كل ذي حق حقه وانتشار الظلم بكل أشكاله وأنماطه في حياتنا، ويضيف: لا بد أن نعترف بأن قيمة العدل غابت إلى حد كبير عن حياتنا، وعندما يغيب العدل يحل الظلم، والمجتمعات التي يسود فيها الظلم لا يمكن أن تستقر وأن تنعم بالأمان، .

يقول الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر عضو مجمع البحوث الإسلامية: يعتبر العدل من أهم المبادئ التي نزل الإسلام لحمايتها، ولهذا طلبه الله بصريح الأمر في قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وفي تلك الصياغة القرآنية لمطلوب الإسلام من العدل ما يدل على أنه من أهم مبادئه ومقصد من أعظم مقاصده .