يعد الدكتور مصطفى سيرتش، أبرز علماء الإسلام بمنطقة البلقان، حيث سبق أن تولى مناصب عديدة في بلاده أهمها، رئاسة المشيخة الإسلامية ومفتي عام المسلمين، ويتولى حاليا منصب رئيس علماء البوسنة والهرسك، فضلا على كونه الأب الروحي لغالبية الدعاة في القارة الأوروبية لما يمتلكه من علم غزير وجرأة في الحق وانفتاح على العالم والمعايشة للواقع والاهتمام بأمور المسلمين في العالم كله وليس في بلاده فقط.. من هنا تأتي أهمية الحوار معه حيث التقيناه في المؤتمر الذي نظمه الأزهر بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين مؤخرا بالقاهرة
وفيما يأتي تفاصيل الحوار:
في البداية سألناه: ما واقع المسلمين اليوم في بلادكم؟
باختصار.. وضعنا لا يرضي حبيبا بشكل عام، حيث إنه أقل من طموحاتنا وطموح كل مسلم غيور على دينه، لكنه في الوقت نفسه أفضل مما كنا عليه في الماضي، حيث حافظنا على الكيان والوجود الإسلامي الذي كان الهدف اقتلاعه من الجذور وطمس هوية المسلمين كلية من خلال حرب إبادة جماعية برعاية دولية، لكن بفضل الله فشل هذا المخطط وبقي الإسلام وسيظل باقيا إلى يوم القيامة إن شاء الله، رغم كيد الكائدين ومخططات المعادين.
الوجود الإسلامي
الغرب ينظر إلى الوجود الإسلامي في البوسنة على أنه غريب ونتيجة غزو وبالتالي لن يهدأ لهم بال حتى يقتلعوه إن عاجلا أو آجلا؟
بإذن الله لن تتحقق مخططات الكائدين للإسلام والمسلمين إذا كنا على وعي بتعاليم ديننا وطبقناها في حياتنا العملية وعباداتنا، وقتها سينصرنا الله وسيبقى الوجود الإسلامي في العالم كله وليس في البوسنة والهرسك فقط، وستفشل نظريات صراع الأديان والحضارات، لأن سنّة الله في خلقه حددها سبحانه في قرآنه العزيز حين قال: «...كذلك يضرب الله الحق والباطل فأمّا الزّبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال».
أوروبا للمسيحيين واليهود فقط ولا مكان فيها مستقبلا للمسلمين.. ترددت هذه الجملة على لسان أحد السياسيين الأوروبيين.. فما ردكم؟
هذه دعوة عنصرية يرددها دعاة الإسلاموفوبيا المنتشرون في مختلف الدول الأوروبية، حتى أن بعضهم طالب بطرد المسلمين وحظر تداول القرآن وهدم المساجد، ويدفعهم لترديد مثل هذه العبارات تنامي الوجود الإسلامي في القارة الأوروبية عاما بعد عام، ووجود أجيال جديدة من أبناء المسلمين الذين يحملون الجنسيات الأوروبية وينتمون إلى البلاد الأوروبية التي ولدوا فيها، وبالتالي لم يعد المسلمون في الغرب عامة وافدين أو غرباء بل إنهم جزء أساسي من نسيج مجتمعاتهم، وقد أعلن ذلك السياسيون المنصفون، أما الكارهون للإسلام فإن مؤامراتهم ستبوء بالفشل إن شاء الله، وصدق الحق حيث يقول: «يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» فهذه بشرى لنا لنتمسك بديننا ونعتز ونفاخر به ونضحي من أجله بكل ما نملك.
الأقلية والمواطنة
بمناسبة حديثكم عن الأجيال الجديدة من مسلمي الغرب.. هل تؤيدون رفض شيخ الأزهر مصطلح «أقليات إسلامية» واستبداله بمصطلح «مواطنون مسلمون»؟
بكل تأكيد لأن «الأقلية» تشعر بأنها غريبة وأنها وافدة على البلاد التي تعيش فيها، وبالتالي لا بد لها من الرحيل إن عاجلا أو آجلا، أما المواطن فهو ضارب بجذوره في وطنه الذي يحمل جنسيته ولا يمكن اقتلاعه منه حتى لو كان غالبية مواطنيه من غير المسلمين، وبالتالي فإن تقسيم العالم إلى دار «إسلام وسلام» ودار «كفر وحروب» لم يعد منطقيا، لأننا يجب أن نتعايش سلميا مع من يسالمنا طالما يجمع بين الجميع حق المواطنة، وهذا ما ننصح به المسلمين في الغرب ونؤكد عليهم «أحسنوا تقديم دينكم بوعي لغير المسلمين ولا تعادوا أحدا فالإسلام دين السلام للبشرية كلها وليس للمسلمين فقط وهو ينتشر بقوته الذاتية لأنه دين الفطرة السوية والعقل السليم».
ما خطورة تنامي نشاط الجماعات المعادية للإسلام في الغرب؟
التخويف من الإسلام أو ما يطلق عليه «الإسلاموفوبيا» من أكثر المصطلحات المستعملة إعلاميًا في الغرب عموماً، وهو يعني أن المسلمين غير مرغوب فيهم وأنهم غرباء وأن الإسلام وافد إلى الغرب، وتناسى هؤلاء حقيقة أن المسيحية واليهودية ديانتان وفدتا أيضا إلى الغرب، لأن أصلهما الشرق الأوسط وبالتحديد فلسطين، وبالتالي فإن المسيحية واليهودية والإسلام كديانات لم تنشأ على الأرض الغربية، لكنها قدمت إليها من الشرق.
حلم البوسنيين
كرر الرئيس الراحل علي عزت بيجوفيتش في مناسبات عديدة مقولة: «علينا تقاسم السلطة مع الصرب والكروات في البوسنة.. لكننا لن نسمح بتقسيم البوسنة».. هل تؤيدون هذه المقولة حتى الآن؟
نحن أبناء دين يحترم الآخر أيا كان دينه أو عرقه، وارجعوا إلى وثيقة المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم التي تؤكد أننا أمة سلام تقبل بالتنوع والاختلاف وتؤكد أنه سنة الله في خلقه، لكننا نطالب بالعدل والمساواة الحقيقية ونرفض الظلم أيا كان القائم به حتى لو كان يدين بالإسلام، وهدفنا الحفاظ على دولة البوسنة دولة مدنية، وأن تبقى دولة متعددة القوميات تتسع لكل الشعوب المكونة لنسيجها الاجتماعي وأن يسودها الاستقرار، ويعود الذين تم تهجيرهم وأن تتحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فهذا حلم كل مسلم بوسني، لأن الخير وقتها سيعم الجميع من المسلمين وغير المسلمين.
قلتم في أحد تصريحاتكم: «إن زمننا زمن الخطايا الفظيعة» فما الذي دفعك إلى هذه المقولة؟
ما دفعني لذلك اختلال المفاهيم الأخلاقية وضياع قيم الحق والعدل سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات والدول، ولهذا رأينا من يسعى إلى الغنى من دون تعب، ومن يبحث عن اللذة من دون وعي، ومئات الملايين من البشر بلا أخلاق، وحتى المؤمنين لا يريدون إيمانا بلا تضحية، بل إن كثيرا ممن يحملون لواء الأديان يفتقدون الرحمة وحب الخير بعد أن أعماهم التعصب الديني، ولهذا لا سعادة للبشرية من دون إصلاح هذه الخطايا.
الأخوة الإنسانية
كيف ترى هذا الإصلاح من وجهة نظركم؟
علينا إعلاء قيم الأخوة في الإنسانية بدلا من قوانين الغابة، فمثلاً على الأمم الغنية أن تتقاسم ثرواتها الخاصة مع الأمم الفقيرة، وكذلك على المكتفين من الغذاء وأصيبوا بأمراض التخمة أن يفهموا معاناة الجوعى تعمل على مساعدتهم، وعلى الأمم التي تزعم أنها متحضرة أن تعمل على عودة اللاجئين إلى منازلهم حتى يشعروا بالأمن والاستقرار والحرية، وينبغي على البشر محاربة كل أنواع العنصرية والتمييز، فأنا أحلم بالمدينة الفاضلة التي يتعانق فيها الجميع بمحبة الله الذي خلقنا جميعاً بصرف النظر عن الدين لأن الدين لله والأوطان للجميع.
أليس أولى الناس بذلك أتباع الديانات السماوية؟
نعم، ولهذا أطالب كل أتباع هذه الديانات السماوية أن يكونوا قدوة للبشر في التعايش السلمي، وأن يستعيدوا تراثهم المشترك كأبناء لإبراهيم، ثم التفاعل التاريخي مع الأمم الأخرى وأتباع الديانات غير السماوية، وهناك العديد من المجالات ذات الاهتمام المشترك مثل: الحرب والسلام والعدل والظلم والجوع والفقر والسعي لازدهار العالم لأنه بالمحبة تتقوى وتتعزز وسائل العمل المشترك ومحاصرة الصراعات.
آفات الإفتاء
عملت فترة طويلة مفتياً للبوسنة والهرسك.. فما آفات الإفتاء في العالم الإسلامي؟
هناك العديد من الآفات والتحديات التي تواجه الإفتاء في زماننا هذا أهمها: الاجتراء على الفتوى والافتئات على الشرع والبحث عن الشاذ والغريب من الفتاوى لتحقيق الشهرة، ودخول غير المتخصصين مجال الإفتاء، ورغم أنهم متطفلون إلا أنهم يهاجمون العلماء الثقات ويحاولون عزلهم عن الرأي العام من خلال التطاول عليهم ووصفهم بأنهم «علماء السلطة»، وهذه التهمة الرخيصة يتم من خلالها التقليل من هيبة ومكانة العلماء المخلصين.
هل تختلف الفتوى في الدول ذات الأغلبية المسلمة عنها في الدول غير الإسلامية التي يكون المسلمون فيها أقلية؟
القضية ذات شقين، أولهما أنه لا اختلاف في الثوابت، بمعنى أنه لا يجوز تحليل الحرام أو تحريم الحلال، لكن يكون الاختلاف في الفروع أو الأمور الاجتهادية التي تحمل أكثر من وجه، وهنا يكون دورنا التيسير على الناس وليس التعسير عليهم، ما قد يؤدي إلى تنفيرهم من الدين، ولهذا يجب على عالم الدين أن يراعي ظروف الناس في البيئة التي يوجد بها، فلكل مقام مقال، وأن يفطن إلى ما روته أم المؤمنين عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حيث قالت: «ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله».
دعاة منفرون
تؤكد أن بعض دعاة الإسلام منفرون.. فما عقوبة أمثال هؤلاء الذين يسيئون للإسلام والمسلمين؟
لا شك أن حساب أمثال هؤلاء عسير عند الله في الآخرة، وكثيرا ما يفضحهم الله في الدنيا، وقد يكون التنفير بسوء فهم الدين والتشديد على الناس، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال «يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة»، وقس على هذا الموقف كل العلماء المنفرين الذين يشقون على الناس وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، وأمثال هؤلاء أذكرهم بدعاء النبي، صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي أمر أمتي فرفق بهم فارفق به».
ما خطورة هؤلاء على الأمة؟
لست مبالغا إذا قلت إن هؤلاء أشد خطرا على الإسلام من أعدائه الظاهرين، وذلك لأنهم يهدمون الإسلام من داخله ويخدمون أعداء الأمة بجهلهم بالدين وتجهيل المسلمين بدينهم ونشرهم التطرف والتعصب، حتى إنهم ينشرون ثقافة «غثاء السيل» وهم لا يشعرون، وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمثال هؤلاء الذين يساعدون على إضعاف الأمة من داخلها، فقال «يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».
تعتز بأزهريتك رغم أن البعض للأسف منهم أزهريون يحاول تقويض الأزهر وتحجيمه.. فما سر اعتزازك بالأزهر الذي درست به حتى حصلت على الليسانس؟
لا يعرف قيمة الأزهر إلا من سافر إلى الخارج، ويكفي أن أذكر موقفاً في حياتي الشخصية فقد ذهبت إلى جامعة شيكاغو للحصول على الماجستير في الدراسات الإسلامية، فقالوا لي: من أين حصلت على شهادة الليسانس؟ فقلت لهم: حصلت عليها من الأزهر الشريف، فقالوا لي: شهادة الليسانس بالأزهر تعدل عندنا درجة الماجستير، ولهذا حصلت على درجة الدكتوراه من شيكاغو من دون أن يسبقها الحصول على درجة الماجستير بفضل دراستي بالأزهر، ولهذا فإن العالم الإسلامي يتطلع لأن يعود الأزهر لمكانته وقيمته التي كان عليها طوال التاريخ باعتباره الكعبة العلمية للمسلمين ومنارة للأمة كلها رغم أنف المشككين فيه ممن في قلوبهم مرض ويكرهون الإسلام أصلاً، وبالتالي يكرهون الأزهر.
في النهاية: متى تخرج الأمة الإسلامية من حالة التشرذم والفرقة الحالية؟
الإجابة بكل وضوح حددها الله سبحانه وتعالى بأننا إذا نصرنا الله في أفعالنا وأقوالنا فإن الله سينصرنا، حيث قال تعالى: «ولينصرنّ اللّه من ينصره إنّ اللّه لقويّ عزيز. الّذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور»، وأعتقد أن التاريخ خير شاهد على ذلك فلم ينتصر المسلمون منذ ظهور الإسلام حتى اليوم بالعدد أو العتاد بل قبل ذلك بقوة الإيمان وحسن التوكل على الله والأخذ بالأسباب..