لكن.. ماذا لو تورط الزوج أو الزوجة في علاقة من هذا النوع؟ ماذا يكون موقف الطرف الآخر؟ هل يفضحه بين الناس كما نشاهد ونسمع ونقرأ في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تزخر بكل صور الفضائح، أم يستره ويساعده على التوبة والخروج من حالة الخطيئة إلى حالة الاستقامة؟ وما الحكم لو طالت سمعة الزوج أو الزوجة شائعة كاذبة من هنا أو هناك؟ هل يتحلى شريك حياته بالحكمة ولا يتسرع في التشهير به والإساءة إليه؟ أم يستجيب لمشاعر الغضب والغيرة ويتصرف بحماقة وينشر بين الناس شائعات تسيء إلى أقرب الناس إليه؟
تساؤلات مهمة يحتاج كل الأزواج والزوجات إلى التعرف إلى إجابات واضحة عليها من خلال هدي الإسلام وتوجيهاته، وهذا ما تتضمنه السطور التالية:
في البداية يؤكد مفتي مصر د. شوقي علام أن الإسلام كفل للزوجين «حق الستر» فلا يجوز للزوج أن يفضح زوجته أو يشهر بها لو رأى منها ما لا يرضيه أو ما يتنافى مع الخلق الكريم، كما لا يجوز للزوجة أن تفعل ذلك مع زوجها لو رأت أو سمعت أن زوجها ارتكب سلوكاً محرماً.
سلوك مرفوض
ويقول: الشريعة الإسلامية توجه كلاً من الزوج والزوجة إلى التحلي بالصبر والحكمة في الظروف الصعبة التي يمر بها شريك حياته، وخاصة في حالات التورط في خيانة أو سلوك شائن، أما الانتقام بنشر الفضائح والتسرع بإذاعة شائعات بين الناس تلوث الأعراض فهو سلوك مرفوض ومدان شرعاً، ذلك أن حق المعاشرة بالمعروف يفرض على كل طرف أن يكون متزناً هادئاً مدركاً لعواقب التسرع في توجيه اتهامات أو نشر شائعات أو إعلان فضائح تخص شريك حياته.
ويؤكد د. علام أن ما يخص الأعراض يجب التعامل معه بحذر شديد، وتعاليم الإسلام هنا واضحة، حيث تشدد في كل ما يتعلق بصيانة سمعة المرأة وحمايتها من ألسنة هواة الإساءة والابتذال، وقد جاءت بعقوبات رادعة لمعاقبة كل من يظلم امرأة، ويتهمها في سمعتها من دون وجه حق كما نرى الآن في العديد من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تمارس أبشع صور الإسفاف ضد المرأة.
ويوضح مفتي مصر أن الإسلام كفل للمرأة الأمان النفسي وجرم كل سلوك يستهدف اغتيالها معنوياً وتشويه سمعتها والإضرار بها، وأحاطها بسياج من الحماية والتكريم وسط مجتمع إسلامي هو مسؤول كله عن التعامل برقي وعفة وشهامة مع نسائه.
حماية أخلاقية
ووسائل الحماية لسمعة كل من الرجل والمرأة التي جاءت بها شريعة الإسلام تمثل لكل منها - كما يقول د. علام - حقاً مهماً من حقوقه من دونه تعيش الأسرة كلها في مرمى قذائف ألسنة المسيئين من أفراد ومؤسسات ووسائل إعلام تستهدف الإثارة وإشاعة الفواحش بين الناس من خلال نقل شائعات مغرضة وكشف عورات أمر الإسلام بسترها والحفاظ على حرمتها.
وبذلك يوفر الإسلام للمجتمع الإسلامي كله من رجال ونساء حماية أخلاقية من الشائعات الكاذبة وتداعياتها المدمرة، ويخص النساء بحماية خاصة، حرصا على سمعتهن وصورتهن بين الناس في المجتمع، وتبدو هذه الحماية واضحة في موقف القرآن الكريم من حادثة الإفك، وفي العديد من التوجيهات النبوية الكريمة.
ويوضح د. علام أن الإسلام يدين كل محاولة للمساس بالأعراض سواء كانت بفعل أو قول، ويعتبر كل فعل أو قول فيه عدوان على الأعراض جريمة منكرة يعاقب مرتكبها عقوبة واضحة ورادعة هي عقوبة قذف المحصنات، التي ورد فيها قول الحق سبحانه: «والذين يرمون المحصنات فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون»، أي أن الذين يرمون النساء الطاهرات المؤمنات بفاحشة الزنى، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء على صدق دعواهم فاجلدوهم أيها الحكام ثمانين جلدة عقاباً لهم على ما تفوهوا به من سوء قول في حق هؤلاء المحصنات، ولا تقبلوا لهؤلاء القاذفين شهادة أبدا بسبب إلصاقهم التهم الكاذبة بمن هن بريئات منها من النساء الشريفات العفيفات.
وهؤلاء الخارجون على آداب وأخلاقيات الإسلام وصفهم القرآن الكريم بما يستحقون من صفات فقال في شأنهم: «وأولئك هم الفاسقون» والفاسق في نظر الإسلام هو الخارج على القيم والأخلاق وما أمرت به الشريعة الإسلامية العادلة.
عقوبة ثلاثية
وينبه مفتي مصر إلى أن القرآن الكريم نفر تنفيراً شديداً من جريمة المساس بالأعراض وقرر عقوبة عادلة لمن يرتكبونها لها جانب حسي قاس وهو جلدهم ثمانين جلدة وهي عقوبة قريبة من عقوبة الزنى.. وهناك عقوبة معنوية تتمثل في عدم قبول شهادة هؤلاء باعتبارهم ليسوا أهلا للثقة والشهادة.. ثم العقوبة الثالثة وهي مؤلمة جداً لمن لديه أدنى إحساس وهي وصفهم ب«الفسق» أي الخروج على طاعة الله عز وجل، وعن آداب دينه وشريعته. والهدف من تشديد القرآن في عقوبة هؤلاء الخارجين عن آدابه وقيمه وأخلاقياته - كما يقول د. علام - حماية أعراض المسلمين والمسلمات من ألسنة السوء، وحماية الأعراض من هؤلاء المستهترين.
وإذا كان للزوج حق في حماية سمعته وصورته بين الناس إلا أن المرأة هي المتضرر الأكبر من الشائعات الكاذبة التي تستهدفها، لذلك يحذر د. علام من تداعيات الاستهانة بحق المرأة في حماية سمعتها وشرفها وعرضها، ويؤكد أن الاستهانة بأعراض النساء تؤدي إلى مصائب كثيرة وتلحق الأذى بالأسرة والمجتمع، فكم من أزمات ومعارك نشبت بين عائلات وأسر راح ضحيتها المئات من القتلى نتيجة هذا الإسفاف الأخلاقي وعدم الالتزام بآداب الإسلام وأخلاقياته في التعامل مع شرف النساء. ولذلك علينا أن نحذر من المساس بالأعراض، وأن نربي أولادنا على التأدب بآداب الإسلام وأخلاقياته في التعامل مع كل ما يخص سمعة النساء.
عواقب التسرع
الشيخ محمد زكي - الأمين العام للجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر - يؤكد من جانبه أن الإسلام ألزم كلا من الزوجين بسلوك أخلاقي قويم عند سماع ما يشين سلوك الآخر، حيث يجب التثبت من صحة ما يتردد على مسامعنا وما يروجه هواة الإسفاف والإساءة بيننا التزاما بقول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين». فالله عز وجل يخاطب كل الناس - ومن باب أولى الأزواج والزوجات الذين يربطهم رباط وثيق يفرض على كل منهما أن يكون حريصا على سمعة صاحبه - ويطالبهم بالحذر من هؤلاء السفلة الذين تلوك ألسنتهم في أعراض الناس، وهذا هو السلوك العاقل الحكيم من كل زوج أو زوجة تأتيه شائعة كاذبة عن شريك حياته ورفيق عمره، الحكمة تفرض عليه ألا يتقبل ما وصل إلى أسماعه من دون تبين أو تثبت، بل عليه أن يتأكد ويتيقن من صحته لأن نهاية التسرع والتهور ستكون الندم حتماً، وكم من أزواج وزوجات ندموا ندماً شديداً على تسرعهم في تصديق شائعات كاذبة تخص شركاء حياتهم.
لذلك يطالب العالم الأزهري جميع الأزواج والزوجات بعدم التورط في الإساءة إلى الأعراض وعدم الانسياق وراء شائعات كاذبة.. ويقول: ننصح الجميع بالالتزام بالخلق الإسلامي القويم وبالالتزام بالمنهج الإلهي لمقاومة الفضائح والشائعات الكاذبة التي تستهدف أعراض الشرفاء خاصة إذا ما كانت الإساءة لهم أو لهن تحمل إساءة لنا، فالله سبحانه وتعالى يرشدنا إلى كيفية التعامل الحكيم والواعي مع الشائعات المغرضة، وإلى كيفية التصرف معها تصرفاً حكيماً، فيأمرنا أولاً بضرورة التثبت من صحة ما يتردد على أسماعنا، حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق الذي لا خلاق له، من دون تحقق أو تثبت من صحة ما قاله، وبهذا التحقق من صحة الأخبار، ورفض الشائعات المغرضة نحافظ على حق الطرف الآخر في أن يعيش وسط الناس بكرامة، وأن يتحرك بينهم بأمان واطمئنان.
ويؤكد الشيخ زكي ضرورة ملاحقة مرددي الشائعات الكاذبة والاتهامات الظالمة التي تمس الأعراض حتى لو كانوا من داخل الأسرة.. ويقول: الانتقام البشع بين بعض الأزواج والزوجات الذين لم يلتزموا بهدي الإسلام في حياتهم الزوجية أدى إلى نشر الفضائح والرذائل التي تدين المجتمع كله وتظهره على أنه مجتمع متفسخ متحلل من القيم والأخلاق والآداب الإسلامية، وهذا غير صحيح، فالمجتمعات العربية فيها الصالح والطالح، والغالبية فيها تلتزم بالقيم والأخلاق الإسلامية، ولذلك فإن نشر فضائح الأزواج والزوجات من شأنه الإساءة للمجتمع كله.
احذروا سوء الظن
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة - د. محمد نبيل غنايم - يحذر كلاً من الزوجين من «سوء الظن» ويقول: العلاقة بين الزوجين تقوم على الثقة وحسن الظن حتى تتوافر لأحدهما أدلة وبراهين تؤكد عكس ذلك.. لذلك جرم الإسلام سلوك أي طرف منهما يظن بشريك حياته سوءاً ويلصق به ما لم يفعله، ويؤكد أن الإسلام وفر حماية خاصة للنساء بهدف حماية أمن المجتمع كله من شرور كثيرة.
وهنا يؤكد د. غنايم أن الالتزام بآداب وأخلاقيات الإسلام كفيل بحماية الأسرة من تداعيات خطيرة.. مشيراً إلى أن هدف الإسلام من وراء حماية الأعراض من هواة قول السوء ونشر الأكاذيب والفضائح هو حماية المجتمع من مخاطر وتداعيات ذلك، وهي كثيرة ومؤلمة ومؤسفة خاصة في المجتمعات العربية التي ترتبط بقيم وعادات متوارثة تضع الشرف في مقدمة ما يضحي الإنسان من أجله.
ويقول: في ظل آداب الإسلام وأخلاقياته لا ظلم بين الزوجين ولا فضائح ولا شائعات مغرضة ولا انتقام تحركه نوازع الشر في سلوك كل من الزوج والزوجة، وذلك لأن القيم الإسلامية تقيم المجتمع الإنساني النظيف الخالي من الفضائح والشائعات الكاذبة، والذي يلتزم فيه كل من الزوجين بالخلق الكريم مع شريك حياته.
وعن موقف الشريعة مما يسمى «قتل الشرف» حيث يقوم أزواج بقتل زوجاتهم لمجرد شائعة بتورطهن في علاقة محرمة. يقول: د. غنايم هذا ظلم بالغ للمرأة وإهدار لحقها في الحياة وهو يستوجب القصاص ممن يرتكب هذه الجريمة النكراء.. ولو أن المرأة أخطأت فإن الإسلام كفل لها «حق الستر» حيث تتجلى في ذلك إنسانية الإسلام وحرصه على إصلاح المرأة وليس هلاكها، فالمسلم مأمور بستر المسلم والتفاني والإخلاص في مساعدته وقضاء حوائجه، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، كما يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة».. وليس في الستر على امرأة متجاوزة مواطأة على منكر، ولا سكوت على معصية، وإنما المراد ستر عورتها، والبعد عن فضيحتها وبذل الجهد في نصحها، والحفاظ على حرمتها وكرامتها.