بعض الرجال - من المتدينين وغير المتدينين- لا يزالون يعتقدون أن المرأة خلقت للبيت لكي ترعى الزوج وتلبي له رغباته الشهوانية، وتعد له الطعام الذي يشتهيه، وتربي له الأولاد، ولا ينبغي أن تخرج من البيت إلا لضرورة وبصحبته أو صحبة أحد من الأبناء.. بل يعتقد بعض هؤلاء أن حبس المرأة في البيت وحرمانها من العمل أو حرمان المجتمع من جهودها طاعة لله وإصلاح لشؤون المجتمع الإسلامي الذي لحقت به المصائب نتيجة خروج المرأة للعمل!!
هذه الثقافة لاتزال - للأسف - عالقة بعقول بعض الرجال في عالمنا العربي.. لذلك ظلمت المرأة على يد هؤلاء، وأهدر حق أساسي من حقوقها وهو «حق العمل» وحرمت المجتمعات العربية من جهود نساء كان بإمكانهن أن يسهمن في حل كثير من مشكلات بلادهن، وأن يكون لهن دور في مهن ومجالات لا تزال تحتاج إلى جهود النساء، مثل تعليم الإناث وتطبيبهن ورفع كفاء المرأة لتكون عنصراً مفيداً لأسرتها وللمجتمع الذي تعيش فيه.
هذه الرؤية الضيقة لحركة المرأة في الحياة لاتزال - للأسف - تسيطر على عقول بعض الرجال الذين يتعاملون مع نسائهم تعاملاً بعيداً عن تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ذلك أن هذا الدين العظيم وهو دين عادل جاء بالمساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة.
يقول د. عبد الفتاح إدريس أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: الإسلام لم يقل أبداً بحبس المرأة في البيت وحرمان المجتمع من جهودها، أو حرمانها من العمل الذي تجيده وتحتاج إلى عائده لتعيش حياة كريمة هي وأسرتها، فمن حق المرأة أن تعمل كل الأعمال المناسبة والمؤهلة لها، في جميع الميادين وليس في شريعة الإسلام ما يمنع المرأة من أن تعمل وتقتحم كل مجالات العمل مادامت تؤدي عملها بأدب واحتشام وستر لما أمر الله تعالى بستره، فالمرأة المسلمة من حقها أن تمارس كل الأعمال المشروعة التي تحسن أداءها.

اتهام ظالم

ويضيف: إن اتهام المرأة العاملة في بلادنا العربية بأن خروجها للعمل سبب كل المشكلات الاجتماعية والأسرية التي نعانيها ، خاصة انحراف الأبناء اتهام ظالم والمطالبة بعودة المرأة للبيت لتقوم بواجبها الأساسي في رعاية الزوج وتربية الأبناء ولا شيء غير ذلك، هو تحجيم لرسالتها في المجتمع، خاصة بعد أن نالت حظاً وافراً من التعليم.
لا يجوز تحميل المرأة العاملة في بلادنا العربية مسؤولية ما نعانيه من مشكلات اجتماعية وسلوكية، فلا شك أن خروج المرأة للعمل كان له تأثير في استقرارنا الاجتماعي.. لكن من الظلم أن نزعم أن هذا سبب كل المصائب التي نعانيها .
ويؤكد د. إدريس أن خروج المرأة للعمل في ظل الضوابط الشرعية أمر قررته شريعة الإسلام بشرط ألا يؤثر هذا العمل تأثيراً كبيراً في واجباتها والتزاماتها الأسرية.. فشريعتنا أباحت للمرأة أن تعمل وقد يكون عملها واجباً في ظروف معينة مثل حاجتها إلى العمل للإنفاق على أسرتها في حالة وفاة الزوج أو غيابه، أو حاجة المجتمع إلى جهود المرأة المتعلمة الواعية القادرة على العطاء.
لذلك فإن الدعوة إلى عودة المرأة لبيتها قد تكون محمودة إذا لم تكن تعمل عملاً ذا أهمية، وكانت أسرتها في غير حاجة ماسة إليها، وفي كل الأحوال لا ينبغي لأحد أن يزج باسم الإسلام في هذا الأمر، لأن شريعتنا الإسلامية بريئة من حبس النساء في البيوت.
وينتهي أستاذ الشريعة الإسلامية هنا إلى تقرير حقيقة مهمة وهي أن الإسلام قد كفل حق العمل الشريف للمرأة مثلها مثل الرجل تماماً، ويرفض أن يتحكم أحد من المحيطين بها - سواء أكان أباً أو أخاً أو زوجاً - في قرار خروجها للعمل ما دام هذه العمل شريفاً وتلتزم المرأة عند خروجها إليه وممارستها له القيم والأخلاق الإسلامية، وكان هذا العمل يتناسب مع طبيعة المرأة وقدراتها، ولا يترتب عليه تقصير في واجبات أخرى منوطة بالمرأة تجاه زوجها وأسرتها.

ليتهم يصمتون

د. أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يؤكد أن المفاهيم الخاطئة المتوارثة هي التي حرمت ولاتزال تحرم المرأة من العمل وليس الإسلام، ولذلك يطالب الجهلاء بالشريعة الذين يزعمون - ظلماً وعدواناً - أنها قد صادرت حق المرأة في العمل بالصمت، ويقول: يجب أن يتوقف هؤلاء عن تحميل شريعتنا مواقف ظالمة تجاه النساء وتصويرها على أنها تعادي حقوق المرأة، وتفرض حولها أسواراً حديدية، حيث يعتقد هؤلاء أن المرأة في بيت أبيها ينبغي أن تظل محبوسة انتظاراً للزوج الذي ينقلها من سجن الأب إلى سجن الزوج، وقد قال الداعية الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - هنا مقولة شهيرة وهي «إن بعض المتدينين العرب يؤمنون بأن المرأة لا ينبغي أن تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها، ومن بيت زوجها إلى القبر».

ويضيف: شريعتنا الغراء حثت المرأة على القيام بكل الأعمال الشريفة المناسبة لطبيعتها، وأن تضطلع بالوظائف العامة وبالأعمال المشروعة التي تحسن أداءها، والضوابط التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في هذا الأمر هي ضوابط عامة تلتزمها المرأة عند خروجها من المنزل، سواء للعمل أو للتسوق أو للتنزه أو لزيارة أهلها حيث يجب أن تحرص المرأة على ستر عورتها والبعد عن مواطن الشبهات وأن تلتزم ما يحفظ لها كرامتها، ويصون سمعتها.
كما يشترط الإسلام عند قيام المرأة بالعمل خارج البيت عدم التقصير في واجباتها نحو زوجها وأولادها.
لذلك يرفض أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر كل محاولة لحبس المرأة في البيت ومصادرة حقها في الخروج للعمل الشريف، ويعتبر ذلك من صور الظلم الذي تعانيه بعض النساء في بلادنا العربية، فضلاً عن مخالفة ذلك لتعاليم الإسلام وإهدار لحق من حقوق المرأة وهو حق ممارسة كل عمل شريف يناسب طبيعتها.

تصرف حكيم

وهنا يوضح د. كريمة أن اختيار المرأة ترك العمل والتفرغ لخدمة زوجها وأولادها ليس سلوكاً متخلفاً كما يصوره البعض، بل هو تصرف حكيم من بعض النساء إذا ما اتخذ هذا القرار بالحوار والتفاهم بين الزوجين، وإذا ما كان الهدف منه الحرص على استقرار الأسرة.. ويقول: المرأة في بيت زوجها ليست عاطلة ولا مهدرة الحقوق كما يتصور البعض، ولذلك يجب دعم هذا السلوك لو تم باتفاق الزوجين وليس بالإكراه من جانب الزوج.
أما إذا كان استقرار المرأة في بيت زوجها يستند إلى فهم عقيم لتعاليم الإسلام كما هو الحال مع هؤلاء المغلقة عقولهم، فنحن نؤكد أن هذه رؤية متطرفة حيث يرى هؤلاء أن عمل المرأة خارج بيتها محرم شرعاً، وهذا غير صحيح.
ويطالب د. كريمة بترك أمر عمل المرأة من عدمه لظروف كل أسرة ويؤكد أن القضية هنا ليست دينية كما يصورها البعض، بل هي قضية اجتماعية أولاً وأخيراً، وإقحام الشريعة الإسلامية فيها يستهدف الخلط بين تعاليمها وأحكامها الواضحة وبين السلوكيات والمفاهيم الخاطئة التي لا تزال عالقة بعقول بعض الرجال ، الذين يحرمون نساءهم من الخروج للعمل استناداً لمفاهيم دينية خاطئة.
وينتهي د. كريمة إلى إدانة سلوك كل رجل يحرم ابنته أو زوجته من العمل انطلاقاً من فهم ديني معوج، ويؤكد أن عمل المرأة داخل البيت وخارجه مباح شرعاً، ولا دليل على منعه، وأن هذا الموقف الإسلامي الداعم لعمل المرأة خارج بيتها، لا يعني إطلاقا صرفها عن واجباتها الأسرية، فهي مطالبة شرعاً وعرفاً بالحرص على أداء رسالتها الأساسية في رعاية الزوج والأولاد.

رؤية قاصرة

أيضا تعاني المرأة في بلادنا العربية رؤية قاصرة لرسالتها، ففي بعض البيئات قد يسمح لها بالعمل لكن تظل في المناصب الدنيا ولا تتولى مناصب قيادية استناداً إلى مفاهيم دينية مغلوطة، تروج أن الإسلام يرفض تولي المرأة المناصب العليا في الدولة استناداً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة».. فهل لهذا المنطق أساس في توجيهات الإسلام وتعاليمه؟
تجيب د. سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر: هذا الوهم الذي يسيطر على عقول بعض الرجال ليس له أي أساس شرعي، فالإسلام احترم عقل المرأة وقدراتها، ولا بد من كشف مغالطات هؤلاء الذين يزعمون أن شريعتنا الإسلامية تقف في وجه طموح المرأة الوظيفي وتحول بينها وبين تولي المناصب القيادية، فشريعة الإسلام أنصفت المرأة ووقفت إلى جانبها، وحررتها من ظلم وقهر الجاهليات المختلفة، خاصة جاهلية عصور التخلف والتراجع الحضاري عند المسلمين الذين حبسوها في البيت، وحرموها من كثير من المناصب ومواقع العمل.
وتؤكد أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر أن الإسلام من خلال تشريعاته وأحكامه وأخلاقياته لم يضع أية قيود أو عراقيل في طريق المرأة، لكي تظل بعيدة عن المناصب القيادية في المجتمع كما يظن أو يتوهم بعض الجاهلين بشريعة الإسلام، ولم يشكك الإسلام في صلاحية المرأة لأي منصب قيادي، وجعل معيار ذلك الكفاءة والقدرات الخاصة، والحمد لله أن المرأة المسلمة أثبتت جدارتها عملياً بكل منصب من المناصب التي تحتاج إلى جهد بدني وقدرات إدارية، وقادت وزارات ومؤسسات يعمل بها عشرات الآلاف من الرجال والنساء.

سواء أمام الله

وتؤكد د. سعاد أن الشريعة الإسلامية أرست مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، والرسول صلى الله عليه وصف العلاقة بين الرجل والمرأة بقوله: «النساء شقائق الرجال لهن مثل الذي عليهن بالمعروف» والوصف بكلمة «شقائق» يوضح لنا المساواة والندية، فالرجال والنساء أمام الله سواء لا فرق بينهما إلا في العمل الصالح الذي يقدمه كل منهما.. لذلك يجب على مجتمعاتنا أن توظف الروح التنافسية الشريفة بين الرجال والنساء في ظل ضوابط الإسلام وأخلاقياته لتحقيق صالح المجتمع الإسلامي، وأن تعطي المرأة الفرصة لقيادة المواقع التي تأهلت لها.
وإذا كانت المرأة قد أكدت - عملياً - جدارتها بالمواقع القيادية التي تولتها، فيجب أن تُعطى المزيد من الفرص لإثبات وجودها والمساهمة في تنمية مجتمعاتها، وأن يدرك أصحاب الثقافة الإسلامية المغشوشة أن الإسلام لم يحرم المرأة من المناصب القيادية، وأن هناك دولاً إسلامية عديدة تولت فيها المرأة رئاسة الدولة أو رئاسة الحكومة ولم يعترض علماء الإسلام، لأن الشريعة الإسلامية لا تحظر على المرأة تولي مناصب عليا في الدولة، وهي تبيح لها أن تشغل من المناصب ما يتلاءم مع طبيعتها ومع خبراتها وكفاءتها ومؤهلاتها، وعلماء المسلمين في مختلف العصور الإسلامية نظروا إلى المرأة نظرة تقدمية، فقال بعضهم مثل الإمام ابن حزم بجواز أن تتولى المرأة الحكم، وهذا هو أيضاً رأي الإمام أبي حنيفة صاحب المذهب الفقهي المشهور، والإمام ابن جرير الطبري أجاز للمرأة أن تتولى القضاء في كل شيء يجوز للرجل أن يقضي فيه من دون استثناء، وقد روي أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد ولى الشفاء بنت عبد الله المخزومية قضاء الحسبة على سوق المدينة، وهي وظيفة دينية مدنية تتطلب الخبرة والصرامة.