الإسلام هو دين العلم والمعرفة، ودين التقدم الحضاري والعمران ولا يأبى على أتباعه أن يصنعوا لأنفسهم وحياتهم ما يدفعهم قدما إلى الأمام، ومعلوم أن الحضارة الإسلامية التي تبوأت مكانتها العالمية على ظهر الأرض، لم تكن وليدة الصدفة، ولم تنبعث من فراغ، وإنما أخذت وضعها في المجتمعات الإنسانية لأنها قامت على فكر مستنير، استمد رشده وهداه من ينابيع الإسلام الأصيلة.

إن المسلمين إذا تأخروا فهذا نتيجة إهمالهم وتفريطهم في تراثهم وليس الذنب ذنب الإسلام، فالإسلام هو دين العلم حثهم عليه وأمرهم بالبحث والنظر وأولى آياته اقرأ دعوة للعلم والمعرفة، وجعل الله تعالى الأرض مهدا وسلك لهم فيها سبلا. ولطالما تفشت دعاوى زائفة أثارها أعداء الإسلام في القديم وفي الحديث بغيا منهم وعدوانا، زاعمين كذبا وبهتانا أن الإسلام يتعارض مع التقدم الحضاري، وأن المسلمين متأخرون.

وكم انطلقت دعاوى أخرى تقول بضرورة أخذ الحضارة الحديثة بحذافيرها، ودعوات ينادي أصحابها برفض الحضارة الحديثة، وآخرون يرون أنهم معتدلون فيأخذون منها الصالح ويتركون غيره، ولكنها آراء إذا طرحت على بساط البحث والمناقشة لا يبقى منها شيء، فالقول بأخذ الحضارة الحديثة جملة مرفوض، لأن فيها ما ليس بصالح، ولأن فيها ما يتعارض مع روح أمة لها شخصيتها ومكانتها، والقول بتركها جملة لا يتفق أيضا بحال إذ أن هناك أشياء في تلك الحضارة أصبحت من ضرورات الأفراد والمجتمعات والقول بأخذ الصالح منها أيضا لنا عنده وقفة، لأن تحديد الصالح وتميز الصالح سيختلف من عقل لعقل ومن فكر لفكر ومن بيئة لبيئة ونقف بعد ذلك لنقول: فما الحل؟

والإجابة على هذا: أن في الإسلام كما سبق نهوضا وتقدما، وأن العقل الإسلامي يدين له العالم الحديث بحضارته، فلييسر الفكر الإسلامي المستنير بعلمائه وخبرائه، وليأخذ مسيرته الموفقة موصولة من الخلف بالسلف، وليس في الإسلام تعارض بحال من الأحوال مع الحضارة والتقدم والنهوض، بل إنه أمر بالسير والنظر والعلم والمعرفة كما سبق، فالحضارة المادية والحياة المعملية بمخابرها وأدواتها وكل أجهزتها ومعاملها وصناعتها لا تتنافى مع الإسلام بل تتفق معه ويدعو إليها.

ثوابت دينية وثقافية

وأما ما يتصل بالفكر والثقافة، فإن لنا أصول ثقافتنا التي ترتكز على الوحي الإلهي فيما يتصل بالشؤون الدينية، والوحي الإلهي مصون من أي زلل أو شطط لأنه معصوم، وأما الفكر البشري فهو قابل للخطأ والصواب، فمن حاول أن يأخذ من غير أصول الإسلام ضل، وما تسرب الغزو الفكري إلى البيئة الإسلامية إلا في فترات الضعف التي انتابت الأمة فترات وفترات.

إن القرآن الكريم وهو دستور حياة، وتبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، كفل للبشرية سعادتها دنيا وأخرى، فمن حاول التقدم عن غير طريقه ضل ضلالا مبينا، وفي الحديث: ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وللسنة النبوية المشرفة فضلها، فهي مفصلة لمجمل القرآن وموضحة لمبهماته ومقيدة لمطلقه ومخصصة لعامه، وشارحة لأحكامه وفيهما معا الأمان من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والأمان من الانحراف والضلال كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي (رواه الحاكم). وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الخروج من دائرة الكتاب والسنة حتى لا يتخبط أحد في دياجير الظلمات الفكرية أو التيارات المغرضة.

ومن أهم ما يميز به التقدم الحضاري في ظل الإسلام، هو أنه يعمل على الاستقرار والأمان، والتواصل والتعارف بين الجميع قال الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات: 21).

والتقدم الحضاري في ظل الإسلام لا ينحو إلى الصراع أو الصدام، بل إلى التعاون والتدافع، قال الله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض (البقرة: 251).

ويسعى التقدم الحضاري في ظل الإسلام إلى البناء والتعمير وليس للهدم أو التدمير، لأن الحضارة الإسلامية لم تقم كالحضارات الأخرى على الجانب المادي فحسب بل قامت على الجانب الروحي والديني والقيمي مع الجانب المادي في توازن واتفاق وانسجام.

* عضو مجمع البحوث الإسلامية

ورئيس جامعة الأزهر السابق