خلق الله سبحانه وتعالى من كل شيء زوجين، كما يقول القرآن الكريم: ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون، ويتضح من هذه الآية أن قاعدة الزوجية في الخلق تشمل الكائنات الحية وغير الحية، ولكنها في الكائنات الحية تحقق إرادة الله في استمرار الوجود وتكاثره إلى ما شاء الله، وعندما خلق الله آدم خلق له حواء لتكون زوجا له تؤنس وحدته، وربط بينهما برباط من المودة والرحمة، كما جاء ذلك صريحا وواضحا في قوله تعالى: فمن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .
ويلحظ المرء في هذه الصلة بين الزوجين ثلاثة أمور تعد الأساس الراسخ للعلاقة الزوجية، وهي: السكن النفسي، والمودة، والأمان النفسي، فمن آيات الله البالغة أن يجد كل من الرجل والمرأة على السواء شريكا له في مسيرة الحياة يفضي إليه بمكنون أسراره، ويطمئن إليه، ويجد راحته النفسية بجواره .
أما الأمر الثاني فهو المودة: وتعني الحب الذي يربط بين القلوب ويؤلف بينها، فهو من أسمى العواطف التي تعد أيضا من آيات الله البينات في هذه العلاقة الزوجية الحميمة التي لها قدسيتها وحرمتها، وقد ظلمت العادات والتقاليد هذه العاطفة النبيلة، واعتبرت الحديث عنها في كثير من الأحيان من الأمور غير المرغوب فيها، كما لو كانت عورة من العورات ينبغي إخفاؤها، مع أن لفظ الحب بمشتقاته المختلفة قد ورد في القرآن الكريم عشرات المرات، وأن أسمى علاقة للإنسان بالله هي علاقة الحب، وبالتالي فإن أسمى ما يربط بين البشر يتمثل أيضا في علاقة الحب .
أما الأمر الثالث الذي تشير إليه الآية الكريمة في الصلة بين الزوجين، والذي من شأنه أن يصون هذه العلاقة من الشوائب فهو الرحمة، والرحمة تأتي على رأس منظومة القيم الأخلاقية الإسلامية، وهي أكثر هذه القيم ورودا في القرآن الكريم، وأكثرها وصفا لله تعالى الذي وسعت رحمته كل شيء، فهو الرحمن وهو الرحيم .
وفي إطار هذه المعاني النبيلة أراد الله سبحانه وتعالى أن يحيط العلاقة الزوجية بسياج منيع يصونها ويحميها من أي رياح قد تهب عليها، فالالتفات إلى هذه المعاني من شأنه أن يوصد الأبواب أمام العوامل التي يمكن أن تخلخل هذه العلاقة ومن هنا كان ختام الآية الكريمة التي أشارت إلى هذه المعاني قوله تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .
وإذا كانت العلاقة الزوجية تتأسس على هذه القيم فإن ذلك يعني أن لها مكانا مفضلا يكاد يصل إلى حد القداسة لأنها أساس قيام المجتمعات البشرية، ومن هنا فانه لا ينبغي الإساءة إلى هذه العلاقة التي جعلها القرآن الكريم ميثاقا غليظا وعهدا مشددا .
وقد عبر القران الكريم عن العلاقة الزوجية بأنها نعمة من نعم الله، وأن ما ينتج عنها من ذرية يعد أيضا من نعم الله، وهذا ما يؤخذ من قول الله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون .
ومن ذلك يتضح لنا مدى حرص الإسلام البالغ على سلامة العلاقة الزوجية التي هي الأساس المكين لتكوين الأسرة التي تعد اللبنة الأساسية لبناء المجتمعات وصيانتها من الانهيار، حتى ينشأ الأطفال في جو أسري صحي تسوده المحبة والطمأنينة والرحمة .
ولكن هذه إذا شابتها الشوائب، وتخلخلت عراها وانفرط عقدها، وأصبح استمرارها أمرا عسير المنال، فإن الإسلام يلجأ في هذه الحالة إلى حل أخير غير مرغوب فيه أصلا، وهو الطلاق الذي يعد أبغض الحلال إلى الله، وحتى في هذه الحالة يكون الفراق بالمعروف، ولا يجوز إساءة أي من الطرفين للآخر ولا تنسوا الفضل بينكم .
فالزوج مطالب إما بالإبقاء على هذه العلاقة بالمعروف أو المفارقة فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وسرحوهن سراحا جميلا فلعل كلا منهما يعود إلى رشده ويثوب إلى صوابه بعد أن تهدأ النفوس وتسكن، وتعود العلاقة الزوجية بينهما مرة أخرى .
ومن هنا لا يجوز قطع كل العلائق والتنكر تماما لهذه العلاقة التي كانت في يوم من الأيام علاقة حميمة، فإذا لم يكن هناك من سبيل إلا الانفصال النهائي بينهما فلعل في ذلك الخير لكل منهما، والله سبحانه وتعالى يقول: وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما .
وزير الأوقاف المصري