تدعو جميع الأديان السماوية إلى الخير وإلى حب الآخر واحترامه والاعتراف به كأخ في الإنسانية حتى وإن لم يكن أخا في الدين، والحرص على العيش معه في سلام.. وكل هذه الأديان السماوية ترتكز على قيم أخلاقية تكاد تكون واحدة وهي: الكرامة الإنسانية واحترام الحياة والحريات والعدل والحق والمساواة والإخاء والرحمة والإحسان والعفو والتسامح والتعاون على البر والتقوى، وكل هذه القيم مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا وتنادي بعضها بعضا.

وسوف نعرض هنا لبعض القيم الإنسانية الأساسية التي تعتبر من أهم القيم التي نادى بها الإسلام والتي نستخلصها من كثير من الآيات القرآنية ومن الأحاديث النبوية الشريفة كما نجدها في التوراة وفي الوصايا العشر وفي الإنجيل وهي من القيم المشتركة بين جميع الأديان ويمكن الاعتماد عليها.

وأولى هذه القيم الكرامة الإنسانية، التي أكد عليها القرآن الكريم في هذه الآية: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً (الإسراء: 70).

وكرامة الإنسان مرتبطة ارتباطا وثيقا بحريته فلا كرامة لإنسان من دون حرية لأن منع الحرية هو إهدار لكرامته، فالحبس والسجن والاعتقال وتقييد حرية الكلمة وحرية الرأي وحرية العقيدة وحرية العبادة كل ذلك يحد من كرامة الإنسان ويحط من شأنه.

وتعتبر الحرية من أهم القيم الإنسانية وخاصة حرية العقيدة والعبادة وممارسة شعائر الدين بحرية.

ومن أهم القيم الإنسانية التي أقرها الإسلام قيمة الحياة والحفاظ عليها والحث على التعارف والتعاون وعدم الفساد في الأرض والنهي عن الأذى والعدوان: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (المائدة: 2)، والتعاون فيما بين المسلمين يكون أولا داخل الأسرة بين الزوجين وبين الأبناء وبين الأخوة والأخوات ثم يمتد للأقرباء والأصدقاء والجيران والمجتمع والوطن.. ولقد فرض الإسلام على كل مسلم التعاون والتعاضد والتكافل الاجتماعي وذلك باستقطاع جزء من ثروته وأمواله للفقراء والمساكين عن طريق زكاة المال، وجعل الله سبحانه وتعالى الزكاة ركنا من أركان الإسلام الخمسة الأساسية ومن الركائز الراسخة التي يرتكز عليها الدين الإسلامي، وما الزكاة إلا الوسيلة التي حددها الله للتعاون ومعاونة الفقراء والمساكين وابن السبيل ليواصلوا الحياة بكرامة.

وقد نهى القرآن الكريم في كثير من الآيات عن قتل النفس أو قتل الأولاد بسبب الفقر أو الإملاق. أما القتل الخطأ في حوادث السيارات أو في ظروف خارجة عن إرادة الإنسان ودون إدراك منه أو تعمد فقد نزلت فيه آيات كريمات منها: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئاً ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة (النساء: 92).

وأود أن ألفت الانتباه هنا إلى حرص الخطاب القرآني على تحديد هوية المقتول، فإن كان من المسلمين المؤمنين أو من الأعداء أو من قوم بيننا وبينهم مواثيق ومعاهدات دولية بلغة العصر الحديث، فكل مقتول عن طريق الخطأ له فدية ودية تسلم إلى أهل القتيل حتى وإن كانوا من الأعداء أو من غير المسلمين.

والإسلام ينهى عن العنف وقتل الأبرياء المدنيين حتى عن طريق الخطأ كما جاء في الآيات المذكورة والإسلام بريء من كل الاتهامات الباطلة التي ألصقت به بسبب أعمال العنف والشغب والفساد في الأرض التي نهى الإسلام عنها والتي تقوم بها مجموعات متعصبة خارجة عن أمة المسلمين لا يحترم أفرادها كتاب الله وآياته الكريمات وينشرون الفساد في الأرض ويقتلون الأبرياء رغم أن الله في كتابه العظيم نهى عن قتل النفس إلا بالحق: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً (المائدة: 32).

ويستوقفني الجزء الثاني من هذه الآية الكريمة ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا فالذي يمنع إنسانا من قتل نفسه أي الانتحار أو قتل الآخرين فكأنه يساعد على إحياء البشرية جمعاء.. هنا حث على احترام الحياة والحرص والمحافظة عليها ومنع الآخرين من سلب نعمة الحياة من أنفسهم سواء بالانتحار أو بعدم العلاج من مرض أو إهمال الصحة وكذلك منع قتل الأولاد بسبب الفقر أو الجوع أو المرض، فمساعدة الآخرين على الاستمرار في الحياة والمحافظة عليها واجب من الواجبات الدينية للفرد نحو الآخر ونحو المجتمع.

* أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة جنيف