يعتقد البعض أن كثيرا من الحقوق الأدبية وحقوق الحريات السياسية والإعلامية هي من صنع الحضارة الحديثة ولا علاقة للإسلام بها من قريب أو بعيد، وهذا جهل فاضح بشريعة الإسلام التي لم تترك حقاً من حقوق الإنسان المادية أو الأدبية إلا ووضعت القواعد والضوابط المنظمة له ليس من أجل إقراره وتشريعه فحسب، ولكن من أجل حفظه وحمايته من المتطفلين الذين يعتدون على حقوق غيرهم .

ولأن الحقوق والحريات في الإسلام تمارس وفقا لمقاصد الشريعة الإسلامية، فإن المقصد الأسمى لشريعة الإسلام هو مصالح المسلمين في الدنيا والآخرة، وقد جاء ذلك واضحا في كل أصول الشريعة وفروعها . وإذا تتبعنا مشروعية الأحكام في العبادات والمعاملات لوجدنا أن تلك المصالح ترتبط بالأحكام الشرعية ارتباطا واضحا حتى ما يتعلق بالعبادات التي هي في الأساس حق خالص لله عز وجل تحقق في حياة المسلم مصالح ومنافع عديدة .

من هذا المنطلق يرحب الإسلام، بل يأمر بكل ما يحقق مصلحة الإنسان ويشجعه على ممارسة حقوقه، وعلى القيام بدوره على الوجه الأكمل في المجتمع .

وهنا نطوف في ساحة الحقوق الواسعة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لتنظيم كل ما يتعلق بالحقوق الأدبية وحقوق الحريات السياسية والأدبية ليتأكد كل من له عقل بأن شريعة الإسلام لم تغفل حقاً من الحقوق .

حقوق يصونها الشرع

الداعية والفقيه الدكتور حسام الدين عفانة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القدس يوضح الحماية الشرعية لحق المؤلف من خلال دراسة شرعية فيقول: مسألة حقوق الطبع والنشر، وحقوق التأليف والترجمة ونحو ذلك هي من المنافع المعتبرة شرعا على الصحيح من أقوال أهل العلم المعاصرين حيث إن هذه الأمور لم تكن معروفة عند فقهائنا المتقدمين، إنما عرفت في العصر الحديث وصارت هذه الحقوق محمية بموجب القوانين الوضعية في الدول الغربية .

وقد بحث الفقهاء المعاصرون هذه المسألة بتوسع في الآونة الأخيرة وصدرت فيها فتاوى وبحوث علمية موثقة، وذهب أكثر العلماء المعاصرين إلى اعتبار هذه الحقوق مصونة شرعا ويحق لأصحابها التصرف فيها بالبيع والشراء، ولا يجوز الاعتداء على هذه الحقوق، فمن حق المؤلف أن يحتفظ بحق الطبع لنفسه، كما يجوز له أن يبيع حقه هذا لصاحب دار نشر، ولا يجوز لأحد أن يقوم بطبع كتاب ما لم يأذن مؤلفه أو ناشره إذا شرطا حقوق الطبع لنفسيهما، وأما إذا أباحا ذلك للناس، فلا بأس بطبعه ونشره كما يفعل بعض أهل العلم عندما يكتبون على كتبهم يجوز نشره لمن أراد توزيعه مجانا .

ويوضح الدكتور عفانة أن التأصيل الشرعي لحماية حق المؤلف يستند إلى أسس وقواعد شرعية أبرزها:

* أن المنافع تعتبر أموالاً عند جمهور الفقهاء، ولا ريب أن الإنتاج الذهني يمثل منفعة من منافع الإنسان .

* أن العرف العام جرى على اعتبار حق المؤلف في تأليفه وإبداعه، فأقر التعويض عنه والجائزة عليه ولو كان هذا الحق لا يصلح محلا للتبادل والكسب الحلال لعدت الجائزة والتعويض عنه كسبا محرما، ومن المعلوم أن العرف العام يعد مصدرا من مصادر التشريع إذا لم يتصادم مع نص شرعي أو أصل عام في الشريعة الإسلامية .

* أن الشريعة الإسلامية حرمت انتحال الرجل قولا لغيره أو إسناده إلى غيره وقضت بضرورة نسبة القول إلى قائله والفكرة إلى صاحبها لينال هو دون غيره أجر ما قد تنطوي عليه من الخير أو يتحمل وزر ما قد تحمله من شر فقد روي عن الإمام أحمد أنه امتنع عن الإقدام على الاستفادة بالنقل أو الكتابة عن مقال أو مؤلف عرف صاحبه إلا بعد الاستئذان منه .

* أن المؤلف مسؤول عما يكتبه ويتلفظ به ويحاسب عليه بدليل قوله تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وقوله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم . فيكون له الحق فيما أبدعه من خير عملا بقاعدة: الغنم بالغرم وقاعدة: الخراج بالضمان .

* الإبداع الذهني أصل للوسائل المادية من سيارة وطائرة ومذياع وغير ذلك مما له صفة المالية فلابد من اعتبار أن الأصل له صفة المالية .

من الهدي النبوي

وينتهي الدكتور عفانة إلى القول: الشرع الإسلامي عدل كله ومعقول المعاني والمقاصد، فثبتت الصفة المالية للابتكار الذهني بالأقيسة الأولوية، ألم يجز الرسول صلى الله عليه وسلم جعل تعليم بعض آيات القرآن الكريم مهرا؟ ومعلوم أن المهر لا يكون إلا مالا فثبت أن التعليم يقوم بالمال شرعا بدليل جعله مهراً وعوضاً، وتعليم القرآن الكريم طاعة بلا ريب وهو جهد محدود لا يعدو أن يكون مجرد ترديد لآيات من القرآن الكريم ممن يحفظها ويتلوها تعليما أو تحفيظا لغيره، ولا يرقى مثل هذا الجهد إلى مستوى الجهد العقلي للعلماء بالبداهة بما يتسم به من الابتكار الذي هو نتاج الثقافة الواسعة والتعمق الفكري، بل لا سبيل إلى المقارنة بينهما، فإذا كان التعليم جهدا مقوما بالمال فالإنتاج المبتكر من باب أولى، وخلاصة الأمر أن حقوق التأليف مصونة شرعا ولأصحابها حق التصرف فيها ولا يجوز الاعتداء عليها . وقد أكد هذا الحق مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة بعد دراسات ومناقشات جادة من كبار علماء الشريعة .

الجمعيات . . وإصدار الصحف

ومن بين الحقوق التي أقرتها شريعة الإسلام حق تكوين الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية التي تمارس نشاطاً رقابياً وتوجيهياً وخدمياً يفيد المجتمع ولا يضر به بأي شكل من الأشكال .

يقول الدكتور حذيفة المسير الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: الإسلام يقر تكوين الجمعيات وإنشاء النقابات من أجل هدف نبيل هو خدمة جماعة من المواطنين والدفاع عن حقوقهم والتكافل بينهم، والنصرة للحق والاجتهاد في المصلحة التي يعم نفعها ويتواصل خيرها .

فإذا خرجت الجمعيات أو النقابات عن هذا الهدف النبيل وباتت تكيد للمجتمع وقيمه، وتعادي الأمة في مسيرتها الطاهرة وتتخذ في اجتماعاتها السرية ما يضر بأمن المجتمع وسلامته، ويدفع إلى الفتنة العمياء، فلا كرامة لهذه الجمعيات والنقابات، فتحل ويطوى اسمها ويحظر نشاطها ويتحمل أعضاؤها مسؤولية ما قاموا به من مخالفات للنظام العام، وممارسات تتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية .

وحق إصدار الصحف كما يقول د . حذيفة - من الحقوق التي تكفلها شريعة الإسلام بشرط أن يكون شعار هذه الصحف قول الحق سبحانه: وقولوا للناس حُسناً وذلك عن طريق الالتزام بالمنهج الإسلامي في النشر الذي يفرض على جميع القائمين على هذه الصحف تبني ما يفيد المجتمع وتجنب كل ما يضر به .

والكلمة الطيبة هي التي تبني ويكثر نفعها ويعم خيرها وتؤثر في الناس تأثيرا حسنا وتدفعهم إلى ما يصلح شأنهم كله . . يقول الحق سبحانه: ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون .

ومما لا شك فيه أن الكلمة بكل هذه الأوصاف التي وردت في الآية الكريمة إنما تمثل الإسلام عقيدة وشريعة وتنطلق من القرآن والسنة وتستصفي الحكمة والإنسانية وعبرة التاريخ وسنن الاجتماع وقضايا العصر لخدمة حاضر الأمة ومستقبلها .

فحرية الصحافة قائمة على الأمانة في الخبر والصدق في الرأي، والاجتهاد في المصلحة، والإخلاص في الهدف .

ممارسات خاطئة

ويوضح الدكتور المسير أن هناك ألواناً من الممارسات الصحافية الخاطئة والمثيرة والضارة بالمجتمع يمقتها الإسلام ويرفض وجودها في الأمة وهي:

* صحافة الغيبة والنميمة والقذف: فالله سبحانه وتعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .

* صحافة الجريمة والإثارة والفتنة: قال الله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون .

* صحافة الغزو الفكري والنيل من القيم والاعتداء على المقدسات: قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين . وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون .

* صحافة النفاق والمتاجرة بالكلمة والسعي الرخيص وراء المادة: قال تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون .