يشهد عدد من الدول العربية قيام العديد من الهيئات والمؤسسات بالترويج لتنظيم الأسرة بهدف الحد من الزيادة السكانية، بل وصل الأمر إلى حد المطالبة بإصدار تشريعات تلزم الأسرة بعدد معين من الأولاد .
فكيف ينظر الإسلام إلى الثروة البشرية؟ وهل يجوز اتخاذ إجراءات أو إصدار تشريعات تلزم الأسرة المسلمة بعدد معين من الأولاد؟ ومتى يباح تنظيم الأسرة بهدف الحد من الزيادة السكانية؟ وما موقف الإسلام من الكثرة الضعيفة التي تتحول بسبب ضعفها وجهلها وخمولها إلى أداة لاستنزاف الموارد وإضعاف قدرات المجتمع؟
هذه التساؤلات وغيرها طرحناها على عدد من علماء الإسلام وخبراء الاقتصاد الإسلامي والتنمية البشرية، فماذا قالوا؟
في البداية يوضح الفقيه والداعية الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن الإسلام يحرص كل الحرص على قوة المجتمع الإسلامي وتوفير كل عوامل القوة وعناصر الحماية له، والثروة البشرية إحدى الثروات المهمة التي ينبغي الحرص عليها وتنميتها بمختلف الوسائل .
ويبدو اهتمام الإسلام بهذا الجانب من خلال جعل حفظ النسل أحد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، فالإسلام اهتم بحفظ الأنساب وحمايتها من الاختلاط وحرم زواج المحارم، وأوصى بعدم زواج الأقارب لما يترتب عليه من ضعف النسل، وهذا كله يدخل في إطار جلب المصالح ودرء المفاسد عن العنصر البشري .
تواصل الأجيال
ويضيف: إن الإنسان في نظر الإسلام هو العنصر الأساسي في بناء المجتمع البشري وعليه تقوم مهمة النهوض به وحمايته من كل عدوان، ولذلك حث الإسلام على الزواج من أجل إنجاب الذرية الصالحة القوية، وألزم الآباء برعاية أبنائهم وجعل من حقوق الأبناء النفقة والتربية السليمة والتعليم والرعاية الصحية وغيرها .
كل هذا من أجل أن تتواصل الأجيال وينعم المجتمع بالطاقات البشرية القادرة على النهوض به .
وحرصاً من الإسلام على التكاثر البشري جرم وأد البنات وإهدار حقوقهن وأكد أن المجتمع البشري لا يمكن أن يستقر إلا في وجود النوعين لكي يحدث التزاوج والتكاثر وتتواصل الأجيال ويحل الأحفاد محل الأجداد ويستمر المجتمع البشري في عمل وإنتاج متواصل .
ويؤكد الدكتور عثمان أن الإسلام جرم كل عدوان على الإنسان حتى وهو نطفة في بطن أمه، فحرم الإجهاض من دون ضرورة تستوجبه، وحرم قتل النفس أو إلحاق أي أذى بدني أو نفسي بها، وكل هذه الحماية تؤكد نظرة الإسلام إلى الإنسان فهو صانع المستقبل .
ويرفض الدكتور عثمان خلط الأوراق في قضية الثروة البشرية ويؤكد أن الطاقات البشرية لا غنى عنها للنهوض بمجتمعاتنا، ولذلك لا ينبغي التحقير من شأن الإنسان وإرجاع كل مصائبنا في العالم الإسلامي إلى الزيادة السكانية، ولابد أن تعترف الدول الإسلامية التي تعاني زيادة السكان بفشلها في استثمار ما حباها الله به من ثروة كان يمكن أن تكون أبرز مقومات قوتها لو استطاعت استثمارها والاستفادة بها .
غثاء السيل
لكن، إذا كانت الشريعة الإسلامية قد جعلت من حفظ النسل أحد مقاصدها الضرورية التي يجب حمايتها والحفاظ عليها، فكيف يتصدى علماء الإسلام في بعض بلادنا العربية والإسلامية للدعوة إلى تنظيم الأسرة بهدف الحد من الزيادة السكانية التي أصبحت تمثل مشكلة في بعض البلدان؟
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق: لا خلاف على أن الثروة البشرية نعمة لا نقمة لو أحسن تربيتها وتعليمها والاستفادة منها في الارتقاء بالمجتمع وتحقيق رفاهيته، لكن لو عجزت الدول عن توفير الاحتياجات الأساسية للأجيال الجديدة من مسكن وتعليم ورعاية صحية ومتطلبات معيشة وفرص عمل هنا تكون الزيادة البشرية غير مطلوبة، فالإسلام لا يرحب بكثرة ضعيفة هزيلة، وعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة يقصد الكثرة القوية التي تمتلك مقومات الحياة الكريمة، فالكثرة التي يتحدث عنها الحديث النبوي لا يمكن أن تكون هي مجرد الكثرة العددية غير الفاعلة التي أطلق عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصف غثاء السيل في حديثه المعروف يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها قالوا: أمن قلة نحن حينئذ؟ قال: لا، فأنتم حينئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل .
وغثاء السيل معناه: ما يسوقه السيل أمامه من الأتربة والنفايات وأوراق الشجر وبقايا الأشياء التافهة، والمراد هنا الكثرة التي لا أثر لها ولا تأثير لأنها كثرة ضعيفة غير فاعلة .
ترشيد وتوعية
ويضيف الدكتور زقزوق: الموقف من الكثرة البشرية يختلف من دولة إسلامية إلى أخرى، فهناك دول لديها من الإمكانات المادية ما يجعلها تستوعب المزيد من البشر وتوفر لهم متطلبات الحياة الكريمة فتعلمهم وتوفر لهم الرعاية الصحية المطلوبة وفرص العمل وتستثمرهم للنهوض بها وتلبية احتياجاتها التنموية والأمنية، وهنا تكون الكثرة البشرية أو الزيادة السكانية نعمة لأن المجتمع في حاجة ماسة إليها، وهناك مجتمعات إسلامية أخرى محدودة الموارد والإمكانات والقدرات الاقتصادية فلا تستطيع استيعاب الزيادة الرهيبة في المواليد ولا تقدر على توفير مقومات الحياة الكريمة لهم ومثل هذه الدول، والتي من بينها مصر، تحتاج إلى ترشيد وتوعية وتنظيم للنسل وهذا ليس أمراً محرماً أو محظوراً من الناحية الشرعية كما يعتقد البعض، فالقرآن الكريم يؤكد الفئة القليلة عدداً القوية إيماناً واستعداداً في قوله تعالى: كَم من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ، وفي غزوة حنين كانت أعداد المسلمين كثيرة وأعجبتهم هذه الكثرة وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، ودارت عليهم الدائرة على الرغم من كثرة عددهم، ويصف القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُم وَليْتُم مدْبِرِينَ، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف والمراد هنا القوة البدنية والمعنوية معاً .
ومن هنا يرى الدكتور زقزوق أنه من الخطأ الترحيب بالكثرة العددية في بلادنا الإسلامية استناداً إلى حديث تناكحوا تكاثروا فالتوجيه النبوي لا يعني مجرد الكثرة العددية، فالمباهاة لا تكون بغثاء السيل ولكن بالقوة النوعية الفاعلة .
وعن واقع مجتمعاتنا العربية والإسلامية يقول الدكتور زقزوق: المسلمون اليوم يشكلون أكثر من خمس سكان العالم ولكن للأسف فإن الآخرين الأقل عدداً يتحكمون في مصائرهم وذلك بسبب فقر معظمهم وتراجع التعليم وانحسار مقومات الحضارة في بلادهم، فالأولى بالمسلمين الآن أن يتجهوا إلى ترشيد الزيادة السكانية والاهتمام بتربية وتعليم أبنائهم وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية لهم لكي يكونوا أقوياء في أبدانهم وعقولهم ولديهم القدرة على النهوض بمجتمعاتهم في مختلف المجالات .
فتاوى مرفوضة
وينتهي الدكتور زقزوق إلى التأكيد على أن الإسلام لا يقف ضد ترشيد الزيادة السكانية، لكنه يرفض رفضاً قاطعاً تحديد النسل الذي يعني إرغام كل أسرة على ألا يزيد الإنجاب فيها على طفل أو طفلين كما تفعل بعض الدول، كما يرفض التعقيم بهدف منع الإنجاب مطلقاً كما تفعل دول أخرى، أي أن الإسلام بوصفه دين الوسطية والاعتدال يجيز تنظيم النسل وذلك بتباعد فترات الحمل حتى يأخذ كل طفل حقه الكامل من الرضاعة الطبيعية والرعاية الأسرية .
ويرفض الدكتور زقزوق دعوات وفتاوى العلماء التي تحرم تنظيم الأسرة وترشيد الإنجاب في مصر ويقول: في مصر مثلاً نستقبل مليوناً وثلث المليون من الأطفال سنوياً وهؤلاء يحتاجون إلى الغذاء والكساء والدواء والمدارس والمستشفيات ومراكز الشباب والجامعات وفرص العمل وتكوين الأسرة والمساكن، ويزداد هذا العدد سنوياً في حين أن مواردنا الاقتصادية محدودة ولا تلبي هذه الموارد متطلبات الزيادة السكانية الرهيبة . ويضيف: يجب أن ينظر علماء الدين قبل أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلى مصلحة المجتمع وعليهم أن يدركوا أن الانفلات السكاني في ظل الأزمات الاقتصادية وتراجع معدلات التنمية يضر بمصلحة المجتمع وأمنه أبلغ الضرر .
تجربة الصين
الدكتور محمد موسى عثمان أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد في جامعة الأزهر يؤكد أن معظم الدول العربية والإسلامية التي تعاني زيادة السكان فشلت في استثمار هذه النعمة، فالثروة البشرية نعمة لا نقمة وينبغي أن تتحرك جهود التنمية في هذه الدول لاستيعاب الطاقات البشرية الموجودة .
ويضيف: علينا أن نستفيد من تجارب دول كبيرة مثل الصين والهند، فعدد سكان الصين يزيد على عدد سكان الدول الإسلامية مجتمعة ومع ذلك تنتقل الصين رغم قلة مواردها الاقتصادية من نهضة إلى نهضة ومن تقدم إلى تقدم فهي تحتل المرتبة الثانية على المستوى العالمي في القوة الاقتصادية بعد الولايات المتحدة الأمريكية ومرشحة لكي تكون القوة الأولى في العالم خلال السنوات القليلة المقبلة لأنها عرفت كيف تستثمر عقول وسواعد أبنائها ودفعت كل فئات الشعب إلى العمل ووزعت الدخل توزيعاً شبه عادل بين الجميع، فالطبقية الرأسمالية المزعجة والتي تصيب فئات كثيرة من الشعب بالإحباط واليأس غير موجودة في الصين فالكل يعمل ويكافح لتوفير مقومات الحياة الكريمة لنفسه ولأسرته، ولذلك يعيش الجميع في استقرار حتى ولو كان لديهم ما يكفيهم فقط .
ويرى الدكتور محمد موسى عثمان أن انتشار الفقر والبطالة في بلادنا العربية والإسلامية لا يرجع إلى ندرة الموارد وضعف الإمكانات بقدر ما يرجع إلى ضعف التخطيط وانتشار الفساد واستئثار طبقة بالنصيب الأكبر من الثروة، ويقول: لدينا من الموارد الطبيعية والثروات الطائلة ما يمكننا من توفير فرص عمل جيدة للشباب العاطل وخاصة أبناء الفقراء الذين يشكلون الأغلبية من السكان في العالم الإسلامي .
ويتفق الدكتور عثمان مع الدكتور زقزوق على أن الإسلام لا يرحب بكثرة ضعيفة وهزيلة وأن القلة القوية خير من الكثرة الضعيفة لكنه يؤكد أن الكثرة الضعيفة هي من صنع أيدينا فمازالت الأمية العلمية والمهنية شائعة في بلادنا العربية والإسلامية، فالدول العربية والإسلامية لا تعرف كيف تستفيد جيداً من خيراتها وثرواتها ولا تدرك قيمة الثروة البشرية في التنمية الحقيقية .
ويضيف: لو نظرنا إلى حجم العمالة الوافدة من الدول غير الإسلامية في دول الخليج العربي فقط وما تحوله هذه العمالة شهرياً إلى بلادها لأدركنا قيمة الإنسان في التنمية وحاجة الكثير من بلادناً العربية والإسلامية إلى طاقات وسواعد أبنائها .
من هنا يطالب رئيس قسم الاقتصاد في جامعة الأزهر بالاهتمام بالتعليم بكل أشكاله ومجالاته وخاصة التعليم الفني لأنه أساس التنمية .
قيم مهملة
الدكتور حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي يؤكد هو الآخر أن الدول العربية والإسلامية التي تشكو من الزيادة السكانية هي التي صنعت أزمتها بنفسها ويقول: لا يمكن أن يصبح الإنسان نقمة إلا إذا أهملنا تربيته وتعليمه وفشلنا في إعداده ولم نغرس فيه قيمة العمل والكفاح ليخدم نفسه وأسرته ومجتمعه، وكل هذه القيم للأسف مهملة في بلادنا العربية والإسلامية إلى حد كبير حيث انتشرت القيم النفعية بين الأجيال الجديدة وتراجعت قيم العمل والإخلاص والوفاء والانتماء للوطن، ولا تبدو مظاهر حب الوطن الآن إلا بعد نتائج مباريات كرة القدم . ويضيف: كيف نغرس في شبابنا قيم العلم والعمل وهم يرون لاعب كرة القدم يحصد الملايين خلال أيام بعد أن يحرز هدفين في شباك فريق منافس؟! وكيف ندفع أبناءنا إلى البحث العلمي وهم يرون السباك يجمع من الأموال ما يفوق دخل الأستاذ الجامعي؟ وكيف نقنع أولادنا بقيمة العمل وهم يرون هلافيت الفن يحصدون الملايين عن أعمال فنية هابطة؟