جعل الله الأسرة لتكون واحة للمودة والرحمة والاطمئنان والأمان، لكل من الزوج والزوجة والأبناء، وحث المولى عز وجل الزوج على أن يكون سكناً لزوجته والزوجة أن تكون سكناً لزوجها، فقال تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .

ولكى تستقر العلاقة بين الزوجين وتسودها المحبة والمودة، يجب أن تحظى علاقة كل طرف بأهل الطرف الآخر بالاهتمام والاحترام والتقدير والرعاية .

لكن الواقع الذي نعيشه في عالمنا العربي، يؤكد غياب الود بين الكثير من العائلات المتصاهرة، ربما لأن الزوجة تحاول الانفصال عن أقارب الزوج وجعل العلاقة بينها وبينهم في أضيق الحدود، وقد يحاول الزوج أن يمنع زوجته من زيارة أسرتها، وأيا كانت الأسباب فالنتيجة واحدة وهي أن مشكلات الزوجين قد تبدأ بسبب سوء علاقة أحدهما بأسرة الآخر .

في البداية يوضح أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور علي السبكي، الأسس التي وضعها الإسلام لتعامل الزوجة مع أهل زوجها وتعامل الزوج مع أهل زوجته، ويقول أصبح من المعتاد أن نسمع عن رجال يقاطعون أمهاتهم من أجل إرضاء زوجاتهم، فنجد زوجاً يودع أمه في دار المسنين من أجل إرضاء زوجته، وآخر يضرب أمه لأتفه الأسباب، وهذا يعني اختفاء الرحمة من حياتنا الاجتماعية وإغفال تعاليم الإسلام.

الزوجة العاقلة

ويضيف: الزوجة التي تسيء إلى أهل زوجها تكون قد تخلت عن مشاعر المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف التي أمر بها الإسلام، فمن واجبات المرأة تجاه زوجها التي ألزمها بها الإسلام أن تكرم أهله وأن تحسن إليهم، حتى تكون بينهم علاقات طيبة، وكذلك يجب على المرأة أن تربي أبناءها على محبة أهل زوجها وتقديرهم، لا أن تغرس فيهم عداوتهم وبغضهم فينشأ الصغار مناصبين أهلهم العداء وقاطعين لأرحامهم .

وفى المقابل الزوج مطالب بأن يبر والدي زوجته، كما يبر والديه لكي تزيد العلاقة بينه وبين زوجته حباً وألفة ومودة، فمن الحكم الشرعية للزواج في الإسلام تقوية الصلات والعلاقات بين العائلات والقبائل، والزواج وسيلة لتقوية الصلات والعلاقات الاجتماعية .

ويؤكد الدكتور علي السبكي أنه يجب على الزوج أن يلتزم بتوجيهات الإسلام، لأنه سيواجه طاعة زوجته له وإحسانها إلى أهله بالطاعة والإحسان إلى أهلها، ويتبادلان المحبة والبر، فالزوجة العاقلة تتدخل دائماً لإنهاء ما قد يحدث من خلاف بين زوجها وأسرتها، لكن ما يحدث للأسف أن كثيراً من الزوجات في واقع الأمر سبب مباشر في هذه الخلافات وتطورها، ثم يشكين بعد ذلك من قسوة أزواجهن في التعامل مع أسرهن .

وعن أحقية الزوج في حرمان زوجته من زيارة أهلها والحكم لو خرجت لزيارتهم من دون إذنه يقول د .علي السبكي: الزوج له حق الطاعة على زوجته في أمرين أساسيين هما المتعة وملازمة البيت، فلو عصته في واحد منهما كانت ناشزا وتسقط نفقتها، وهناك الكثير من الأحاديث النبوية التي نهت عن عصيانها فيما يجب عليها، فقد روي أن رجلاً كان على سفر وطلب من زوجته ألا تنزل من الطابق العلوي إلى السفلي، وكان أبوها فيه مريضاً فاستأذنت النبي في زيارته فأمرها بأن تطيع زوجها فمات أبوها ودفن ولم تنزل فأخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله غفر لأبيها بسبب طاعتها لزوجها .

ويرى د .السبكي أنه لا يحل للزوج أن يحرم زوجته من زيارة أهلها أو البر بهم حتى لو حلف على ذلك فيقضى لها بزيارة أهلها .

وهذا لأن حق الزوج على زوجته مقيد بالمعروف وبما ليس بمعصية وقطيعة الرحم معصية نهى الله ورسوله عنها فلا طاعة له في ذلك، وكذلك فمن حق الزوج على زوجته البر بأهله وصلة رحمه .

لكن في المقابل والكلام على لسان د .السبكي لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها لأنه يمنعها من زيارة أهلها، فهذا ليس ضررا يستوجب الطلاق والضرر الذى سيحدثه الطلاق من هدم أسرة وتشريد أبناء سيكون أكبر على الزوجة إذا لم تقم بزيارة أهلها .

رجال آثمون

أما أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور صبري عبدالرؤوف، فيؤكد أنه من حق الزوج على زوجته ومن حق الزوجة على زوجها إحسان كل منهما إلى أهل الآخر، وعدم إيذائهم فإن ذلك من حسن المعاشرة والبر وصلة الرحم, والزوجة العاقلة هي التي تحسن إلى أهل زوجها وتتعامل مع أمه مثل أمها بل وتزيد وتتعامل مع أهل زوجها على أنهم أهلها فهم أصبحوا فعلاً كذلك منذ انعقد زواجها، فأمها وأبوها لا يزيدان على أم زوجها وأبيه .

ويدين د . صبري عبدالرؤوف سلوك الأزواج الذين يقاطعون أسرهم من أجل إرضاء زوجاتهم ويقول: إن بعض الرجال يسمع لزوجته، ويلبي مطالبها ويسعى لمرضاتها وهذا حسن، ولكنه يسيء إلى أمه، فيهملها ولا يسأل عنها، ولا يجلس معها، وربما يسمع ما يقال فيها من زوجته وأولاده فيغضب عليها ويتمنى فراقها، وهذا من أعظم العقوق والعياذ بالله، والواجب أن يسعى الإنسان إلى إرضاء أمه ولو غضب كل الناس، وعليك أيها المسلم أن تمتنع أنت وزوجتك وأولادك عن أذى أمك بقول أو فعل، وألا تقبل بحال من الأحوال شكوى زوجتك منها، بل عليك أن تحضها على احترام أمك والصبر على ما قد يصدر منها، فإن في ذلك خيراً كثيراً وبراً وفيراً .

ويضيف: لهذا أنصح دائما أي شاب أن يختار زوجة تحب أهله وتقبل إقامة أمه معه في سلام، بحيث لا يأتي اليوم الذي تتذمر فيه زوجته من رعايتها، وتطلب منه أن يودعها في دار المسنين، ولتعلم كل زوجة أن للرجل أماً وأباً ربياه صغيرا وحافظا عليه حتى صار رجلاً سوياً، وبالتالي فيجب عليه أن يكرمهما كما أمره المولى عز وجل، وأحيانا تكون الزوجة عقبة في طريق إكرام الرجل لأهله وخاصة الأب والأم، فتحاول بشتى الطرق أن تستأثر بالزوج إما بالسكن بعيداً عن والديه، وإما باصطناع المشكلات معهما .

ولتعلم كل زوجة والكلام على لسان د . عبدالرؤوف أن محبة الزوجة لوالدي زوجها وبرها لهما يعتبر أفضل طاعة للزوج وأعلى إكرام وأعظم وفاء له، ذلك أنها بهذا الفعل تعين زوجها على برهما وعلى صلة أرحامه .

فن التقرب للأهل

ويؤكد أستاذ الطب النفسى بجامعة القاهرة الدكتور تامر جويلي أن العلاقة بين الزوجة وأهل الزوج تحتاج إلى الكثير من حسن الظن والتغاضى عن الأمور الصغيرة حتى ترسو الحياة الزوجية على بر الأمان، وينصح الزوجات أو الفتيات المقبلات على الزواج بأن يتصرفن على أنهن جزء من أسرة الزوج لا دخيلة عليها .

ويقول: هناك عامل مهم لنجاح العلاقة بين الزوجين هو استقرار علاقة الزوجة بأهل زوجها ويجب الاتفاق المسبق على كيفية التعامل مع الأهل وتحديد الأمور والظروف التى يجب ألا يتدخل فيها أحد من أهلهما .

ويرى الدكتور جويلي أن ذلك يتطلب من الزوجين أن يتفقا على أن يعاملا أهلهما بدبلوماسية ويدعم كل منهما الآخر، وتتضمن هذه السياسة أساليب فن التقرب والتودد للأهل وتحديد الزيارات وافتعال المناسبات التي تؤلف بين قلوب الأهل والأزواج وتعطي لهم الفرصة لمزيد من التواصل الإيجابي وينبغي على الطرفين معرفة الحقوق والواجبات الأسرية ومراعاتها .

ويشير د . تامر جويلي إلى أن الزوجة التي تحاول إبعاد زوجها عن أهله وكذلك الزوج الذي يحرم زوجته من رؤية أهلها يحكمان على حياتهما بالفشل، لأن كلاً منهما لن يستطيع الانفصال عن أسرته مهما فعل، فمحاولة نزع النفس من الجذور والاستغناء عن الأهل والتصور أن الحياة بعد ذلك ستكون مستقرة وسعيدة هي محاولة فاشلة .