الحقوق التي أقرتها شريعة الإسلام لها جوانبها الإنسانية الواضحة التي تؤكد عظمه هذا الدين وتكشف عن حرصه على دعم روح المودة والرحمة والتعاون بين كل أفراد المجتمع صغارهم وشيوخهم، صحيحهم ومريضهم، فالعلاقة بين أفراد المجتمع الإسلامي ينبغي أن تقوم على الحب والتناصر والتعاطف والتكافل والاحترام المتبادل .
من هنا كان اهتمام الشريعة الإسلامية بكبار السن وكفالة حقوق لهم لا يجوز التفريط فيها بأي حال من الأحوال، لكي يتركنا هؤلاء بعد عمر طويل، وهم راضون عنا ولكي نرسخ قيمة احترام الصغير للكبير وحتى لا يقع على واحد منهم وهو في مرحلة ضعفه ظلم يجلب لفاعله غضب الله وعقابه .
د . خديجة النبراوي أستاذة التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر تؤكد في موسوعتها (حقوق الإنسان في الإسلام) تفوق الشريعة الإسلامية على كل الحضارات الحديثة في كفالة حقوق المسنين وتقول: الحضارة الغربية تتسم بالأنانية ولا ترعى الشيخوخة حق رعايتها، فكل ما تكفله لهم هو حقوق مادية، وتتركهم في خريف العمر يقاسون برودة العواطف الإنسانية وجحود الأبناء والأهل والأقارب . . ولكن شريعة الإسلام ترعى الشيخوخة بكل حدب وحنان، وتسن لهم من الحقوق ما تعجز عنه كل القوانين التي تدعي أنها صاحبة حضارة حديثة . وتلك الرعاية تبدأ من الأب والأم في قوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .
حقوق كبار السن
وتضيف: الإسلام يزيد من رعايته للشيوخ فيجعلها واجباً دينياً على كل المسلمين نحو كل المسنين . . وتحدد الحقوق الإسلامية للشيوخ في الآتي:
* حقهم في التبجيل والاحترام: حيث تفرض الشريعة احترام وتبجيل كبار السن حتى تسود معاني الوفاء لأناس طال عمرهم، فأصبحوا يجمعون بين خبرة الحياة وأنوار الإيمان . . وحتى يكون ذلك الوفاء بلسماً يداوي السنين عند المسنين . . وتحفيزاً لمسارعة الشباب إلى تكريم الشيوخ، فقد وعدهم الصادق الأمين، صلى الله عليه وسلم، بأن الله سيقيض لهم من يكرمهم عند شيخوختهم: فقال: ما أكرم شاب شيخاً لسنه، إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه . وبين الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن البركة مع كبار السن، رحمة من الله لهم، وتقدير لما لا لاقوه من أعباء السنين وهم مؤمنون بشريعة الحق المبين، فقال: البركة مع أكباركم .
* حقهم في الرحمة: حيث تحنو الشريعة على من شاخ في الإسلام، وأصبح ضعيفاً بعد قوة، فتدعو المسلمين إلى الرفق بهم لتخفيف ما يلاقونه من صعوبات الحياة فنجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى الرحمة بالضعفاء، لأنهم سبب النصرة من الله عز وجل بدعائهم وإخلاصهم، فيستجيب الله لهم لضعفهم: يقول عليه الصلاة والسلام: ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك .
وترفض الشريعة التعرض للشيوخ والنساء والولدان بالقتل وقت المعركة، لأنهم لا حول لهم ولا قوة في قتال المسلمين، وعطفاً من الشريعة عليهم لأنها لا تهدف إلى البغي والعدوان، بل إقامة موازين الحق، فمن حقهم الرحمة والعدل .
* حق المسن في الرعاية الصحية والروحية والاجتماعية ومواصلة تعريفه بالأحكام الدينية التي يحتاجها في عبادته ومعاملاته وأحواله، وتقوية صلته بربه، وحسن ظنه بعفو ربه ومغفرته .
* حق المسنين في العيش داخل أسرهم ليستمتعوا بالحياة العائلية، وليبرهم أولادهم وأحفادهم، وينعموا بصله أقربائهم وأصدقائهم وجيرانهم، فإن لم تكن لهم اسر فينبغي أن يوفر لهم الجو العائلي في دور المسنين .
إنسانية الإسلام
الدكتور بكر زكي عوض عميد كليه أصول الدين بالجامعة الأزهرية يؤكد هو الآخر عناية الإسلام بالمسنين ويقول: عناية الإسلام بكبار السن تؤكد إنسانية وعظمة هذا الدين وحرصه على أن يعيش الإنسان كريماً في جميع مراحل حياته، من منطلق الكرامة التي قررها الإسلام لكل فرد من أفراد المجتمع . . والنصوص التي تؤكد ذلك كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم .
ويطالب د . بكر بضرورة توعية الصغار بحقوق الكبار حتى لا يسيء أحد التعامل معهم ويقول: لابد من حملات توعية دينية واجتماعية بحقوق المسنين عن طريق منابر المساجد والبرامج التلفزيونية وبرامج توجيه وتثقيف الشباب . . كما يطالب د . بكر بضرورة التوسع في إقامة دور رعاية اجتماعية وإنسانية للمسنين، خاصة هؤلاء الذين لا عائل لهم أو ضاقت بهم أسرهم .
ومن الحقوق التي تؤكد إنسانية الإسلام حقوق المرضى، ذلك أن الإسلام دين رحمة وإنسانية وجعل للمرضى حقوقاً على الأصحاء خاصة الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل والجيران وغيرهم . . ويقول: واجب المسلم أن يشارك أخاه المسلم أفراحه وأحزانه ليحقق معنى الأخوة وليؤكد الشعور الواحد الذي يجمع بين المسلمين الذين قال عنهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
وعيادة المريض من الآداب التي جاء بها الإسلام وحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في العديد من الأحاديث الصحيحة، وقد اعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم، من حقوق المسلم على أخيه المسلم . . يقول عليه الصلاة والسلام: حق المسلم على المسلم ست قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه .
ويقول صلوات الله وسلامه عليه: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرقة الجنة حتى يرجع . . فهذا الحديث يؤكد أن العائد يظل في خرقة الجنة حتى تنتهي مدة الزيارة . . والخرقة فسرها الرسول الكريم في حديث آخر بقوله جناها أي ثمارها . . وفي رواية مخرقة الجنة أي الطريق بين ثمرها بحيث يتيسر للمسلم أن ينال من أي ثمار الجنة ما شاء .
والمراد هنا كما يوضح الدكتور اسماعيل الدفتار أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية رحمة الله وبركاته التي تتنزل على زائر المريض خلال الزيارة .
كما أخبرنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بأن عائد المريض له مكان في الجنة حيث يقول في حديث آخر من عاد مريضاً ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا .
كما يرغبنا صلوات الله وسلامه عليه في عيادة المريض فيقول: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟
ولا يجد المسلم أروع ولا أبلغ من هذا التصوير لفضل عيادة المريض ومثوبته عند الله، حتى أن الله جل جلاله ليجعل عيادة المريض كأنما هي عيادة له .
وهذه الأحاديث النبوية السابقة تدل كلها على أهمية هذا الأدب الإسلامي، الذي رغبت فيه السنة النبوية القولية والفعلية، حتى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عاد يهودياً مريضاً فعرض عليه الإسلام فأسلم .
ويتأكد استحباب هذا الأدب الذي عدته بعض الأحاديث حقاً للمسلم على المسلم إذا كانت بين المسلم والمسلم صلة وثيقة مثل القرابة والمصاهرة والجوار والزمالة والأستاذية .
آداب الزيارة
وعن الحكم الشرعي لعيادة المريض يقول د . الدفتار: الأصل في عيادة المريض أنها مندوبة، وقد تصل إلى الوجوب في حق البعض حسب حال المريض واحتياجه لمن يزوروه وأنسه به . . ويلحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به، وهذا كله له أجر وثواب مضاعف . . فأجر من يحرص على زيارة مريض أكثر من مرة وتقديم أي عون مادي أو معنوي له ليس قطعاً كأجر من يزوره مرة أو مرتين ثم ينصرف بعد دقائق .
وإذا كانت مجرد زيارة المريض لها هذه المنزلة التي أشارت إليها الأحاديث النبوية . . فما بالنا بمن يضحي بوقته وماله ويتحمل أذى المريض ويقدم له مساعدة؟!
ولزيارة المريض آداب وأخلاقيات ينبغي أن نحرص عليها حتى نحظى بالأجر والثواب ونتركه وهو على حال أفضل مما رأيناه عليه عند دخولنا لعيادته حيث ينبغي أن نتخير الأوقات المناسبة للزيارة، وهي تجوز ليلاً ونهاراً ما لم يكن في ذلك مشقة على المريض . . ومن الأدب ألا نطيل عنده الجلوس لأن للمريض أحوالاً قد يؤلمه أن يراها الآخرون .
ومن السنة التنفيس عن المريض بمعنى بث الأمل فيه، وتهوين مرضه ورفع معنوياته . . وقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأدب الراقي فقال: إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئاً وهو يطيب نفس المريض .
ومن السنة أيضاً الدعاء للمريض، وهناك أحاديث كثيرة في رقية المريض أثناء عيادته .