التسول ظاهرة تؤرق المجتمعات العربية والإسلامية كافة بعد أن تفشت بشكل يدعو للقلق في جميع دولنا العربية غنيها وفقيرها . . حتى تحول التسول إلى مهنة لها أساليب وطرق كثيرة في التعامل مع الناس المتصدقين لاستدرار عطفهم واستنزاف أموالهم!!

فالمسلم لا يكاد يصلي في مسجد إلا ويطارده المتسول ويلح عليه في السؤال حتى يشك في كون المتسول محتاجاً خاصة أن الكثير من هؤلاء المتسولين لم يعد كالسابق من المرضى أو كبار السن بل من الشباب أيضاً فيتذكر المؤمن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يحمل أحدكم حبله ويحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه .

والأسئلة الملحة هنا: ما حكم التسول في الإسلام، وكيف واجه الدين الحنيف هذه الظاهرة المذمومة، وما واجب الأغنياء تجاه الفقراء؟

د . محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس يؤكد أن الإسلام رفض التسول وفرض على الأغنياء الزكاة والصدقات لرعاية الفقراء وما نراه في شوارعنا خاصة أمام المساجد والأماكن المقدسة من احتراف البعض مهنة التسول يعد مخالفاً للشريعة حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد توعد من يتسول من دون حاجة بنزع لحم وجهه يوم القيامة . ويشير إلى أن أموال الصدقة والزكاة يجب أن نعطيها للمحتاجين حتى لو كانوا متسولين أما من يمتهن التسول فيجب ألا نشجعه على أكل أموال الناس بالباطل وهذا يستدعي ضرورة تنظيم العلاقة بين الفقراء والأغنياء .

مناظر مخجلة

ويضيف: إن المناظر المخجلة التي نراها أمام وداخل بيوت الله تعالى دليل على عدم احترام المساجد من قبل المتسولين وعدم معرفة السبب الذي بنيت من أجله ودليل على نزع الحياء من وجوههم وقلوبهم فتلك العادة لا تطور الإنسان ولا تجعله يعتمد على نفسه بل يعتمد على الآخرين لإعالته كما أنها تضر أمن واستقرار البلد وتشوه صورة المجتمعات وتسيء للدين .

ويرى د . شاكر أنه يجب نشر الوعي الإيماني لدى الفقراء حتى لا يلحوا في سؤال الناس فنوجههم إلى أهمية التعفف والاجتهاد في طلب الرزق والابتهال إلى الله عن طريق التوعية الإعلامية بحكم التسول وبيان تحريمه لغير المحتاجين وبيان الوعيد الشديد للمتسولين مشيراً إلى أن التسول ينافي الإيمان . . وإلى أهمية جمع المتسولين وتثقيفهم من خلال محاضرات تكون ضمن برنامج عمل متكامل لتلبية احتياجاتهم الضرورية عن طريق صندوق الضمان الاجتماعي وتقليص نسبة البطالة في المجتمع والتشدد في إلزامية التعليم حتى لا يستغل الأطفال في امتهان التسول وإبعادهم عن حقل التعليم . . كما يرى أن منع التسول مهمة المسؤولين وعلى كل شخص تمتد إليه يد السائل أن يقدم يد العطاء لمساعدة هذا المحتاج إذا اتضح أنه بالفعل بحاجة إلى مساعدة أما إذا أدرك كذبه فعليه إسداء النصح والإرشاد إليه ودعوته إلى البحث عن عمل وتبيان خطورة مهنة التسول ومدى تحريم الإسلام لها .

مظلة تأمينية

قلت للدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه في جامعة الأزهر: انتشرت ظاهرة التسول في مجتمعاتنا العربية خاصة في المواسم الدينية . . هل يجوز منع الصدقة أو الزكاة عن المتسولين؟ .

قال: الله سبحانه وتعالى يقول: وأما السائل فلا تنهر ومعنى الآية الكريمة ألا تعنف ولا تقهر ولا تؤذي مشاعر السائل فحسبك كلمة طيبة إن لم تكن قادرا على العطية المالية . . بالنسبة للمتسولين غير المحتاجين فهم مساكين في عقولهم يحتاجون إلى بعض مؤسسات المجتمع المدني للاستعانة بالأطباء النفسانيين والمختصين الاجتماعيين لمعالجة قضيتهم فكم شهدنا بعد وفاتهم ما خلفوه من تركة كبيرة .

أما المتسولون الفقراء فعلينا التحري عنهم قدر المستطاع حتى لا نظلمهم فإن الجوع دفعهم إلى ذلك وفي جميع الأحوال أتمنى أن نعيش بأخلاق الإسلام بأن يتم وضع مظلة تأمينية لجميع العاطلين والعاجزين والمعوزين وبلادنا العربية فيها البنية التحتية الكفيلة بتغطية هذه المظلة من خلال الجمعيات الشرعية والخيرية ورجال الأعمال وفي رأيي أن الذي يظهر مشكلة الفقر هو سوء التوزيع وعدم التنسيق ما بين هذه الجمعيات .

مواضع الحاجة

د . عبد الفتاح إدريس أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر يرى أن البعض يستمرئ سؤال الناس من غير أن يكون في حاجة إلى المال بل قد يسألهم أن يبذلوا له المال وهو قادر على الكسب لنفسه ولمن يعولهم .

ويضيف أن الشارع حصر مواضع الحاجة التي تقتضي سؤال الناس في حالات ثلاث: الأولى: إذا كفل المرء دين مدين، ولم يكن عند المدين أو الكفيل ما يوفى منه الدين والثانية: أصابت المرء خسارة كبيرة في ماله، بحيث لا يستطيع أن يقوم من كبوته إلا إذا مد إليه الناس يد العون، الثالثة: إذا أصابه الفقر وشدة الحاجة بعد أن كان عنده مال وشهد له ثلاثة من عقلاء قومه أو جيرانه بذلك، وفيما عدا هؤلاء الثلاثة يكون سؤال الناس مالا من قبيل السحت، فقد روي عن قبيصة بن المخارق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قواما من عيش، أو قال سدادا من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانا الفاقة فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك، وما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحتا، وهذا دليل على أن المال الذي يطلب في غير هذه الحالات سحت محرم لا يحل لباذله بذله، ولا لآخذه أخذه .

وقد حث الإسلام على العمل والتكسب بما يفيد الناس منه مما شرعه الله تعالى، بحسبانه سبيلا إلى الاستغناء عن سؤال الناس، فقال سبحانه: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً جاء يشكو إليه الفاقة، بأن يتكسب من عمله .

ويشير د . إدريس إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين أن اليد الممدودة بالمال والعطاء خير من اليد الآخذة له، وأن اليد المتعففة عن أخذ المال عن طريق مسألة الغير خير من اليد التي يسأل صاحبها المال من غيره، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المتعففة واليد السفلى السائلة وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى الناس عن استجداء المال من الناس، إلا أن يأتيهم المال من غير طلب، فلهم أخذه في هذه الحالة، باعتباره رزقا ساقه الله تعالى إلى صاحبه .

الحل من وجهة نظر د . إدريس أنه يكمن في أنه على الوزارات والمؤسسات المعنية في الدولة أن توفر لذوي الحاجات من غير القادرين على العمل والكسب، ما يقتاتون ويعيشون منه، سواء في صورة مال نقدي، أو أعيان تستعمل، أو سلع تموينية وغيرها، فإن هذا من أهم واجبات الدولة .

عقوبات ادعاء الفقر

ويقول د . أحمد كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر: إن الله تعالى سيعاقب من يدعي الفقر بإفقاره مشيراً إلى أن القرآن الكريم وصف من يستحق الصدقات والزكاة في قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبِيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم .

ويضيف: نتيجة لتفشى الجهل وانتشار البطالة والتشرد فقد اعتدنا هذه المناظر المؤلمة حيث نجد فئة من الشباب مدربين على إتقان النصب والاحتيال فمنهم من يقوم بتجبيس يده أو رجله أو أي جزء من جسده، ومنهم من يتصنع البلاهة والجنون، ومنهم من يدعي تعرضه لحادث أو موت والد أو أم، أو إصابته بمرض، أو تراكم ديون بل منهم من يجلب معه مساعداً كطفل صغير ليستعين به في ممارسة التسول وغيرها من الأكاذيب التي يستعطف بها قلوب المؤمنين .

وينقل لنا د . كريمة ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع واحد من السائلين فعن أنس بن مالك أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم، يسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس (الحلس: كساء يوضع على ظهر البعير أو يفرش في البيت تحت الثياب) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب (والقعب: القدح أو الإناء) نشرب فيه الماء . . قال: ائتني بهما فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال من يشترى هذين؟ قال رجل: أنا أخذهما بدرهم، وقال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثاً قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاماً وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فائتني به، فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً فذهب الرجل يحتطب، ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع (والفقر المدقع: الشديد وأصله من الدقعاء وهو التراب ومعناه: الفقر الذي يفضي به إلى التراب، أي لا يكون عنده ما ينقي به التراب) أو لذي غرم مفظع (والغرم المفظع: أن تلزمه الدية الفظيعة الفدحة فتحل له الصدقة ويعطى من سهم الغارمين) أو لذي دم موجع (الدم الموجع: كناية عن الدية يتحملها، فترهقه وتوجعه، فتحل له المسألة فيها) .

وفي هذا الحديث نجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد للأنصاري السائل أن يأخذ من الزكاة وهو قوي على الكسب ولا يجوز له ذلك إلا إذا ضاقت أمامه المسالك وهنا يأتي دور ولي الأمر فلابد أن يعينه بأن يتيح له فرصة الكسب الحلال وفتح باب العمل أمامه وهذا الحديث يحتوى على خطوات سباقة للإسلام بأنه لم يعالج السائل المحتاج بالمعونة المادية الوقتية ولم يعالج بالوعظ المجرد والتنفير من المسألة ولكنه أخذ بيده في حل مشكلته بنفسه وعلاجها بطريقة ناجحة وعلمه أن كل ما يجلب رزقاً حلالاً بالعمل الشريف ولو كان الاحتطاب يكف الله به وجهه أن يراق ماؤه في سؤال الناس وأعطاه فرصة خمسة عشر يوماً يستطيع أن يعرف منه بعدها مدى ملاءمة هذا العمل له ووفائه بمطالبه فيقره عليه أو يدبر له عملاً آخر . ولنا في رسول الله أسوة حسنة بأن نبدأ أولاً بحل المشاكل وتهيئة العمل لكل عاطل .