ملامح نابضة بالعطف والحنان، ووجوه ارتسمت عليها تجارب الزمن وزينتها خبرات السنين . وأجساد نحلتها كثرة العمل والكد الطويل، وشعور شابت من هول ما لاقته من محن الدنيا وعذاباتها . إذا صادفتك هذه الصورة فاعلم بأنك أمام آبائك المسنين الذين يروي الإعلام كثيراً مآسيهم، وتطالعنا الصحف كل يوم بما وصلت إليه أحوالهم، وفي المقابل حفظ الإسلام للمسنين حقوقهم وحث على الإحسان إليهم، وربط إكرامهم برضا الله سبحانه وتعالى .
الإسلام قدرهم وحفظ حقوقهم، وليس أدل على ذلك من أنه خصهم بأحكام شرعية تتناسب مع أوضاعهم، هذا ما أكد عليه الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الشريعة في جامعة الأزهر، لافتاً إلى أن تعريف الفقهاء للمسن دليل على ذلك، حيث قالوا إنه من كبرت سنه وأصبح لا يطيق الصوم في زمن من الأزمان . . .
وأشار الهلالي إلى أن الدراسات الشرعية والاجتماعية أجمعت على أن المقصود بالمسن هو من بلغ الخامسة والستين فصاعداً، موضحاً أن هذه هي المرحلة المتقدمة،ويسمى فيها بالمسن النشط أو الصغير بينما يسمى من وصل إلى المرحلة المتأخرة بالمسن الكبير، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: أعذر الله عز وجل إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة (صحيح البخاري من أحاديث أبي هريرة) .
ولفت إلى أن العالم المادي ينظر إلى المسن على أنه مستهلك لا ينتج، وأنه عالة وعبء على المجتمع ينبغي التخلص منه، مما يدل على عجز القانون الوضعي عن احتواء هذه الشريحة وتحقيق متطلباتها، إلا أن العناية الإلهية اقتضت ألا ترضى للمسن مقاماً دون مقام الإحسان امتثالاً لقوله تعالى: وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان . ونفى أستاذ الشريعة الإسلامية أن يوجد في مثل هذا التشريع السماوي ما يسمى بإشكالية المسنين التي جسدتها العولمة وأرعبت بها العالم، مستندة إلى إحصاءات بيانية تشير إلى وجود شخص مسن بين كل 3 أشخاص في العام 2010 .
أحكام شرعية خاصة
عن فكرة الأحكام الخاصة التي افتتح الدكتور الهلالي كلامه بها، قال: إن المستقرئ لأحكام الشريعة الإسلامية يجد اهتمامها برعاية أهل تلك المرحلة السنية رجالاً ونساء من حيث اختصاصهم بأحكام شرعية خاصة لثلاثة أسباب، أولها: أن من بلغ هذه السن يفقد الأمل في العيش في الدنيا أكثر مما عاش فيها ويغلبه القلق والتوتر، فكان كبر السن مظنة لسوء التصرفات وعدم استقامتها على الأصل الذي شرعت من أجله، ثانيها: أن المسن يفقد كثيراً من حيويته الجسمانية التي هي أساس في كثير من الأحكام الشرعية، ثالثها: أن المسن قد أفنى شبابه وقوته في خدمة مجتمعه وعشيرته فاستحق أن يعيش ما تبقى من عمره مخدوماً .
وضرب الدكتور الهلالي أمثلة على أحكام المسنين الخاصة في الفقه الإسلامي قائلاً: خفف عنهم الله تعالى في أحكام الطهارة وأجاز لهم التيمم، وأجاز جلوسهم في الصلاة وأسقط فريضة الجمعة عمن تلحقهم مشقة السعي إلى المسجد الجامع إذا خشي المسن على نفسه من الانزلاق أو النعاس أو حصر البول أو فقد الطهور، موضحاً مظهراً آخر للتيسير يتجلى في إمكان الإنابة في الحج والعمرة .
وأضاف الدكتور الهلالي: إن الإسلام أسقط الجهاد عن كبار السن رفعاً للحرج عنهم وعن ذويهم، وحرم قتل العدو المسن إن لم يشترك في القتال، لافتاً إلى أن التشريع الإسلامي كان رحيماً بالبشرية وكرم الإنسانية بصفة عامة والمسنين بصفة خاصة ليحميهم من الغدر البشري، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ابغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم (أخرجه الترمذي في سننه وقال: حديث حسن صحيح) .
المعاملة بالحسنى
الدكتور أحمد إسماعيل، الأستاذ في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، أكد أن للإنسان على أخيه عموماً حق الإنسانية، إذ ينتهي معه إلى آدم وحواء، لافتاً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يردد: إن ربكم واحد وإلهكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب . وأوضح أن الإسلام كفل للآخرين حق المعاملة بالحسنى، وخص أشخاصاً بعينهم بالزيادة في إكرامهم والإحسان إليهم ورحمتهم لضعفهم، مشيراً إلى أن المسن من الفئات الضعيفة التي أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تكريمه، حيث سن لنا أن نوقر العالم وذا الشيبة والسلطان والوالد، ومن الجفاء أن يدعو الرجل والده باسمه (رواه البيهقي) .
وعن ترغيب الشريعة الإسلامية بمصادرها في الإحسان إلى المسن ورعايته أكد الدكتور إسماعيل أن الترغيب أخذ منطلقات شتى، منها تركيزه على جوانب نفسية مثل قاعدة الجزاء من جنس العمل، حيث قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس، قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه، ومنها بحسب الدكتور إسماعيل ربط الشريعة الإسلامية إكرام المسن برضا الله عز وجل، حيث قال صلى الله عليه وسلم: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم (رواه أبو داوود) ومنها تعهد الله تعالى بالإحسان إلى من يحسن إليه كما قال تعالى: وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان .
ومن ذلك أيضاً ربط هذا الفعل بمغفرة الذنوب، فقد جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أذنبت ذنباً كبيراً فهل لي من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك والدان؟ قال: لا، قال: ألك خالة؟ قال: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: فبرّها (أخرجه الطبراني عن عبدالله بن عباس) .
وأضاف الدكتور أحمد إسماعيل: كفل الإسلام للوالدين المسنين حقوقاً خاصة تجسدت في قوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً .
ومعلقاً على الآية الكريمة قال: إنها تضمنت إشارة قرآنية إلى المكان الطبيعي للوالدين في مرحلة الوهن وسن الشيخوخة، وهو بيوت أولادهما من دون ضجر أو تأفف منهم، وذلك لاستخدام لفظة عندك فالعندية في الآية تقتضي وجودهما إلى جوار أولادهما ليكون الإكرام مادياً بالنفقة، وأدبياً بالقول الكريم، ويستمر بعد موتهما بأن يطلب الابن من الله أن يكافئهما برحمته: وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً .
حقوق فردية ومجتمعية
للمسن حقوق فردية ومجتمعية، هكذا بدأت حديثها الدكتورة فاطمة عبدالستار، أستاذة علم الاجتماع في كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، مؤكدة أن سنة الله في خلقه قامت على خلق الإنسان في ضعف وهو في طفولته ليجد من يرعاه ويحميه ويقف إلى جانبه من أبوين حتى يشتد عوده ويصبح رجلاً قوياً أو امرأة ناضجة ليأتي الدور عليه فيعطي مثلما أخذ في وقت أصبح فيه أبواه ضعيفين في حاجة للعون المادي أو المعنوي أو النفسي . وعن الحقوق الفردية قسمت الدكتورة المسنين إلى شرائح تختلف حقوقهم على الآخرين حسب درجة القرابة، بحيث يصبح للوالدين حق النفقة والرعاية الطبية والزيارة والاهتمام والاحتواء وتلبية مطالبهم من قبل أبنائهم، انطلاقاً من مبدأ بر الوالدين، أما القريب المسن فله حق زيارته والسؤال عنه ورعايته نفسياً ومعنوياً، والجار المسن له حقوق الجار التي رسختها الشريعة الإسلامية وزيادة عليها حقه كضعيف في حاجة للعون والمساعدة ولو بالكلمة الطيبة وكف الأذى عنه بكل أشكاله . وأضافت: إن المسن في شارع له حق المساعدة ولو بحمل أشيائه ومساعدته على عبور الطريق، والقيام له في المواصلات العامة .
وعن مسؤولية المجتمع تجاه المسن تقول أستاذة علم الاجتماع: إن المعاش حق لا يمكن إنكاره لكل مسن أفنى عمره متعباً أثمر وأنتج، مؤكدة أن أقل حقوقه يتمثل في كفالة حياة كريمة له مادياً حتى يجد قوته وما يحتاج إليه من نفقات، ولا يصبح عالة على أحد، مشيرة إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المسنون أصحاب المعاشات القليلة أو غيرهم ممن لا يمتلك معاشاً أو مصدراً للدخل قد تودي بحياتهم بسبب الإهمال في صحتهم وعدم حصولهم على متطلبات الحياة الأساسية، وأضافت: إن تقصير الجهات المسؤولة عن توفير الرعاية اللازمة لهذه الشريحة المجتمعية ما هو إلا نوع من القهر الاجتماعي لهم، ودافع إلى الانتحار المقنع بالاستسلام للظروف واليأس من الحياة وانتظار الموت، وأوضحت أن دور المسنين زادت من مآسيهم وأصابتهم بمشاعر الكره لكل من حولهم، نظراً لنبذهم من ذويهم لأنانية الأبناء والتخلص منهم في مثل هذه الدور، مستنكرة هذا الجحود ونكران الجميل الذي يمتد إلى أروقة المحاكم . ودانت أستاذة علم الاجتماع هذه الصور من العقوق المجتمعي لهذه الفئة الهشة، مؤكدة أن العودة إلى مفردات النظام الاجتماعي الإسلامي وما كفله من حقوق لتلك الفئة هو الضمانة الوحيدة لهم .
مرحلة الرشد المتأخر
الدكتورة هالة رمضان، مدرسة علم النفس في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وصفت هذه المرحلة السنية بمرحلة الرشد المتأخر، وأكدت أنها بداية تغييرات خارجية في الشكل وداخلية في الوظائف العقلية والفسيولوجية، فمن المسنين من يتمتع بحكمة وخبرة تظل نبراساً لمن حولهم، وآخرون قد يكونون عرضة لبعض الاضطرابات النفسية طبقاً للظروف البيولوجية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرض لها المسن في حياته السابقة، مبينة أن بعض المسنين في هذه الفترة يصابون بتغيرات تتمثل في الحساسية المفرطة من ذويهم، والشعور بأنهم عبء ثقيل عليهم يحول دون قضاء مصالحهم، وأشارت إلى احتمالية إصابة المسن ببعض الأمراض النفسية كالاكتئاب والتوتر والقلق المرضي والشعور بالكراهية من قبل الآخرين، إضافة إلى بعض الأمراض الأخرى أشهرها مشكلة الرعاش والبطء في ردة الفعل وقلة الإدراك وفقدان الذاكرة، مؤكدة أن الاكتشاف المبكر لهذه الأمراض والاضطرابات النفسية تحد من تفاقم المشكلة وتسهل حلها . وبعد التشخيص لما يعتري المسن نفسياً أكدت الخبيرة النفسية أن الكلمة الطيبة ترفع معنويات المسن حتى لو كانت بسيطة، وأن معاملته تتطلب دفئاً وحناناً عالياً ممن حوله وذكر بصماته في حياة الآخرين، وأدواره الإيجابية في الحياة .
وحذرت الدكتورة هالة من خطورة الاستهزاء بهم أو السخرية منهم، أو استثارة أعصابهم، وقالت: إن هذه التغيرات يتعرض لها كل أصحاب النوع الإنساني ممن يبلغون هذه المرحلة، وأن الجزاء من جنس العمل، واستشهدت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ما أكرم شاب شيخاً لسنه (أي في شيخوخته) إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه (رواه الترمذي) . وأضافت: إن هذه السلوكيات يجب أن تغرس في أطفالنا منذ نعومة أظفارهم من قبل الأسرة والمدرسة والإعلام الذي يجسد طبيعة ما يمر به المسن من مراحل ضعف وتدهور في الصحة، مشددة على ضرورة تقديم الأطعمة المتوازنة للمسن التي من شأنها رفع الحالة المزاجية له .
وأشارت الدكتورة هالة إلى أن من أبرز مظاهر هذه المرحلة فقدان أحد الشريكين، الأمر الذي ينعكس سلباً على المسن الوحيد الذي ينتظر الوصول إلى نهاية الرحلة، ويعزز هذا الشعور لديه تعطله عن العمل والإنتاج والغياب عن المجتمع الذي تعود على الاندماج والإنتاج فيه، واقترحت لذلك حلاً وحيداً حسب تعبيرها يكمن في شغل وقت المسن بأعمال خفيفة ومفيدة، كالاشتراك في الأعمال الخيرية التطوعية، والإشراف على دور الأيتام، وجمع الملابس المستعملة من الأقارب والأصدقاء وتوجيهها إلى بعض الجمعيات والمعارض الخيرية، وإدماجهم في الحياة الاجتماعية بشكل لا يؤثر بالسلب في صحتهم، لكي يشعر المسن بقيمته، وأنه مازال معطاء منتجاً له قيمة ودور في الحياة.