تتجلى عدالة الإسلام وإنسانيته ورحمته في جملة الآداب والأخلاقيات التي ضبط بها الإسلام سلوكيات المسلمين مع بعضهم بعضاً ومع غير المسلمين في أوقات الحروب والصراعات التي يشتد فيها غضب الإنسان وتسيطر على نفسه الرغبة في الانتقام . . لذلك خلت حروب المسلمين مما نراه الآن من قسوة وانتقام بشع وإهدار لأبسط حقوق الإنسان على أيدي دعاة المدنية والحضارة وأدعياء حقوق الإنسان .
يقول د . أحمد الطيب شيخ الأزهر: لقد كفلت شريعة الإسلام لأسرى الحرب كل ما يضمن لهم معاملة إنسانية كريمة وعدم إهدار أي حق من حقوقهم . . ومن أبرز الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام لأسرى الحرب المعاملة الإنسانية الكريمة وهذه المعاملة الإنسانية الكريمة لأسرى الحرب تنطلق أساساً من الآداب والأخلاقيات التي ألزم الإسلام بها المسلمين أثناء الحروب، حيث وضع الإسلام للحرب آداباً ومعايير منها أن يكون رد العدوان بمثل ما حدث به العدوان، وذلك حتى لا يستبيح الناس في الحرب غير المباح، ولأن الحرب في الرؤية الإسلامية هي جراحات استثنائية يجب الوقوف في آلياتها ومقاصدها ونطاقها عند المداواة للداء الذي فرضها من دون الآليات والمقاصد التي توسع أبوابها فتحول الداء إلى أدواء، ولذلك جاء نداء القرآن الكريم عن تلك الضوابط . . . فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين .
حرب دفاعية
والأصل في القتال الذي شرعه الإسلام دفاعاً عن الدين والنفس والعرض والوطن هو مقاتلة المقاتلين من الأعداء المعتدين، وليس قتال ولا قتل النساء والأطفال وعموم غير المقاتلين . .
ويضيف د . الطيب: الإسلام وهو دين العدالة والكرامة لا يقر إهانة أسير حيث توجب الشريعة الإسلامية معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية، تحفظ، وترعى حقوقهم، وتصون إنسانيتهم، ويعتبر القرآن الأسير من الفئات الضعيفة التي تستحق الشفقة والإحسان والرعاية مثل المسكين واليتيم في المجتمع . . يقول الله تعالى في وصف الأبرار المرضيين من عباده، والمستحقين لدخول جنته، والفوز بمرضاته ومثوبته: ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً، ويخاطب الله نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام، في شأن أسرى بدر فيقول: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم، فهو يأمره أن يخاطبهم بما يلين قلوبهم ويجذبهم نحو الإسلام .
فروسية نادرة
المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة يعتبر موقف الإسلام من أسرى الحرب فروسية نادرة ويقول: كانت وصايا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووصايا الخلفاء الراشدين وقادة المسلمين للجيوش والسرايا والبعوث القتالية: لا تقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا صبياً، ولا عابداً أو راهباً في صومعته بل وتحدثت هذه الشمائل وآداب الفروسية الإسلامية عن الاحترام والرفق والحفاظ على الحيوانات والنباتات، فدعت إلى عدم قطع الأشجار أو ذبح الحيوانات إلا لضرورة الطعام . . وفي هذه الشمائل سبق الإسلام المعاهدات الدولية مثل معاهدة جنيف لسنة 1949 التي تحرم قتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال أثناء الحروب .
ويضيف: ومن مظاهر العدالة والرقي الإنساني أن الإسلام يفرق بين المقاتلين وغير المقاتلين، فيجعل الأسر فقط للمقاتلين إذا ظفر بهم المسلمون أحياء، بينما يعد الأطفال والنساء سبايا بلغة وقواعد التاريخ القديم، وهذا التمييز تظهر آثاره في أن المقاتلين يجب أسرهم، بينما غير المقاتلين وخاصة الأطفال والنساء لا يجوز أسرهم في بعض المذاهب الإسلامية طالما لا يخشى المسلمون ضرراً من تركهم أحراراً .
وأسرى الحروب المقاتلون تتم تصفية أوضاعهم عند انتهاء الحروب وفق المعاملة بالمثل بين الفرقاء المتحاربين، ومن باب أولى تصفية أوضاع من يقعون في أيدي المسلمين من النساء والأطفال وفق المعاملة بالمثل . . مع تحريم قتلهم في كل الحالات لأن الإسلام يحرم قتل غير المقاتلين، ولا يجيز قتل المقاتلين إلا لضرورة القتال، وفي القتال المشروع، وليس في أي قتال .
وهنا لا يمكن مقارنة ما قدمه الإسلام من عطاء حضاري وإنساني في التعامل مع الخصوم أثناء الحروب وبين ما يرتكبه الغربيون دعاة المدنية والحضارة وحقوق الإنسان من جرائم يندى لها الجبين أثناء الحروب، فهم من واقع ما نراه ونشاهده عبر شاشات التلفزيون التي تصور جانباً من جرائمهم يرتكبون أبشع الجرائم أثناء الحروب، فأسلحتهم الحديثة والفتاكة لا تفرق بين المدنيين والمقاتلين، ويحصدون بهذه الأسلحة أرواح الكبار والصغار والنساء وهم داخل بيوتهم وأثناء قيامهم بأعمالهم، بل طالت أياديهم الملوثة بالدماء أرواح المصلين داخل المساجد والمرضى والأطباء داخل المستشفيات .
وإذا كانت اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب والصادرة سنة 1949 قد قررت كما يشير د . عمارة حقوقاً للأسرى من بينها توفير أماكن الإقامة الآمنة والملابس والأغذية والعناية الصحية والطبية لهم وممارسة الشعائر والواجبات الدينية . . فإن الشريعة الإسلامية قد كفلت لأسرى الحرب كل هذا وزيادة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، ولذلك كانت حروب المسلمين الدفاعية سجلاً حافلاً بكل ما هو مشرف وكريم في معاملة أسرى الحرب .
وإذا كان المسلمون يفعلون ذلك مع أسرى الحرب، فعلينا أن نقارن ذلك بما حدث مع أسرى المسلمين في معتقلات جوانتانامو وأبو غريب وغيرهما من المعتقلات الأمريكية والغربية التي تهدر بداخلها كل حقوق الإنسان المسلم، وترتكب في حقه أبشع الجرائم من دون أن تطال مجرمي الحرب الذين أقاموا هذه المعتقلات لإذلال المسلمين داخلها، يد العدالة .
لقد كفلت شريعة الإسلام لأسرى الحرب حقوقاً إنسانية كريمة، وفرضت على المسلمين معاملة الأسرى بالحسنى وعدم إهانتهم وإذلالهم . . ومن يهدر حقاً من حقوق الأسير يحاسبه الإسلام وينال عقابه الرادع .
فتوح تحريرية
د . عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية يؤكد أن غزوات وحروب المسلمين التي فرضت عليهم حافلة بكل ما هو كريم وحضاري، فمن الثابت تاريخياً أن الإسلام منذ بداية ظهوره هو دين سلام، ورسول هذا الدين الإنساني العظيم هو الذي دعا الناس إلى الله تعالى بالحسنى، وهو الذي رفع في وجهه السيف، ولم يرفع هو سيفاً، مما اضطره إلى الدفاع عن نفسه، والتاريخ يؤكد لنا أن الحروب فرضت على المسلمين فرضا: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وحينما مضت معركة من دون قتال أو مواجهات دامية مثل ما حدث في غزوة الخندق، قال الله تعالى: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال .
لقد عرف عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم شجاعته، وأنه لم يكن محباً أو داعيا لحرب، بل كان يقول لأصحابه: لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف .
وهذا ما شهد به المؤرخون للمسلمين في فتوحاتهم التي كانت في حقيقتها تحريراً للشعوب من طغيان الإمبراطوريات القديمة، وقالوا: ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب أي المسلمين
قواعد عادلة
ويوضح د . عويس أن الإسلام جاء بتعاليم واضحة لا يجوز التخلي عنها في الحروب لضمان الحقوق الإنسانية للأسرى، ومنها ألا يتم الأسر للأعداء في المعركة قبل إثخان العدو ومعنى إثخانه: إضعافه وكسر شوكته، حتى لا يعود لقتال المسلمين مرة أخرى من أجل هذا عاتب الله النبي والمسلمين بعد معركة بدر لأنهم سارعوا إلى الأسر، والعدو لم يزل قوي الشوكة، راسخ الجذور، متمكناً من الأرض فلا غرو أن يفكر في الثأر لنفسه والانتقام من المسلمين والعودة إلى قتالهم . . وفي هذا جاء قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم .
وفي الآية إشارة تحمل لوماً للمسلمين، فهم كانوا يريدون من الأسر أن يستفيدوا مالياً من الفداء الذي يمنح لهم مقابل إطلاق الأسرى، وهو معنى قوله: تريدون عرض الدنيا .
* لكن بعد الأسر . . كيف يتصرف المسلمون في الأسرى؟
القرآن هنا يخير المسلمين بين أمرين لا ثالث لهما في التعامل معهم وهما: المن أو والفداء .
ومعنى: المن: إطلاق سراح الأسير لوجه الله تعالى لنتألف قلبه، ونحبب إليه الإسلام، حيث فككنا أسره من دون مقابل .
ومعنى الفداء أن نفدي الأسرى بأسرى مثلهم في العدد أو أقل أو أكثر حسب المصلحة، فرب أسير من المسلمين له وزن وقيمة نفديه بأكثر من أسير لهم عندنا، أو العكس، وقد يكون الفداء بمال كما فعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، والصحابة معه في أسرى بدر، حيث طلبوا الفداء بالمال لمسيس حاجتهم إليه وقدرة أهليهم من قريش على الدفع .
وفي معركة بدر سن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة مهمة وهي أن يؤدي من ليس لديه مال خدمة مناسبة للمجتمع المسلم، يقدر عليها الأسير، ويحتاج إليها المسلمون . . ومن أجل هذا شرع الرسول الكريم لمن كان يعرف الكتابة من أسرى المشركين أن يكون فداؤه تعليم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة، ولم يخش النبي صلى الله عليه وسلم من تأثير هؤلاء المشركين في عقول الصغار المسلمين، فإن محو الأمية لا يحمل معه فكراً ولا اعتقاداً، ثم هم في قلب المجتمع المسلم وتحت رعايته وإشرافه ورقابته .