لم يهمل الإسلام المشاعر والعواطف بين الزوجين لأنه دين واقعي يدرك حاجة كل من الرجل والمرأة إلى دفء الآخر، لذلك ألزم الإسلام الرجل بإعفاف زوجته وعدم التقصير معها، وألزم المرأة بإعفاف زوجها وعدم الامتناع عنه، حيث توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل امرأة تترفع عن طاعة زوجها بغضب الله وعقابه، وعد فقهاء الإسلام أن المرأة التي لاتطيع زوجها ناشز، والله سبحانه وتعالى قد قرر وسيلة عقاب لمثل هذه المرأة التي تخرج على الطبيعة البشرية وتستغل أنوثتها في تعذيب زوجها وقهره، ويتمثل هذا العلاج الإلهي في قوله سبحانه: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا .
من هنا الإعفاف والاستمتاع بين الزوجين من أبرز الحقوق التي رعاها الإسلام لتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي بين الزوجين، وكل زوجين يحرصان على الوفاء بهذا الحق يوفران لبيتهما السعادة والطمأنينة التي أرادها الخالق للبيت الزوجي، عندما يتدخل الشيطان ليحرض زوجاً على قهر زوجته أو يدفع زوجة إلى إهمال حق زوجها يحدث الخلاف وتشحن النفوس بالغضب والسخط المتبادل بين الزوجين، وفي ظل هذا الجو الأسري المشحون بالانفعال والغضب تهرب السعادة الزوجية ويحل محلها الكره ورغبة كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية في الانتقام من الآخر .
هذه الحقيقة كما يقول الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر، تؤكدها الدراسات النفسية والاجتماعية، فقد كشفت دراسة اجتماعية نفسية صدرت مؤخراً عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر أن العلاقة الحميمة هي أساس السعادة الزوجية، فكلما كانت علاقة الزوجين أكثر دفئاً كانت السعادة أكبر بين الطرفين، وكان الزواج أكثر نجاحاً وكان الزوجان أكثر انسجاماً وقدرة على تجاوز المشكلات اليومية التي يتعرضان لها .
إذن فالقول بأن الاستقرار الأسري يبدأ بانسجام الزوجين هو كما يؤكد الدكتور المهدي كلام علمي صحيح يؤكده الواقع وتثبته الدراسات، حيث ينعم كل زوجين متفاهمين متحابين بالوفاق والقدرة على تجاوز الخلافات الزوجية اليومية قبل أن تستفحل .
يضيف أستاذ الطب النفسي: لكي تتحقق السعادة الزوجية ويعيش الزوجان في بيت هادئ ومستقر ليس مطلوبا منهما أن يكونا مثاليين كزوج وزوجة لكن فقط أن يتفاهما بشأن علاقتهما العاطفية، فبالصراحة والتفاهم في العلاقات الحميمة يذوب معظم الخلافات الزوجية ويكون لدى الطرفين الاستعداد لتقديم تنازلات إلى الطرف الآخر، وبذلك لا تتصاعد الخلافات ولا تكبر التجاوزات الصغيرة، وتتعقد الأمور بين طرفين المفروض أن يسود بينهما الود والتفاهم طوال الوقت، لأن ذلك ينعكس على حياتهما الزوجية وينعكس على أولادهما إذا كان بينهما أولاد .
فتور مدمر
أستاذة الطب النفسي في جامعة عين شمس، الدكتورة هبة العيسوي تضم صوتها إلى صوت الدكتور المهدي لتؤكد خطورة الفتور العاطفي بين الزوجين على مسيرة الحياة الزوجية وتقول: بعض الرجال يهملون حقوق زوجاتهم العاطفية ويعتقدون أن المرأة مجرد متاع للرجل يطلبها وقت أن يريد هو وحينما تتحرك شهوته، ولا يدرك هؤلاء أن المرأة قد تكون في حاجة إلى حضن زوجها أكثر من حاجته هو لها، فهي بشر مثله وحاجتها إلى هذا الجانب قد تعلو حاجته، خاصة إذا كانت غير عاملة وليس في حياتها ما يرهقها بدنيا ويشغلها ذهنياً، ولذلك فإن المرأة غير العاملة تحتاج إلى هذا الجانب أكثر من المرأة العاملة المشغولة معظم الوقت في توزيع وقتها بين واجبات العمل وواجبات البيت .
وتؤكد أستاذة الطب النفسي أن الزوج مطالب شرعاً وعرفاً وإنسانياً بأن يكون كريماً مع زوجته في هذا الجانب حتى لا يدع الشيطان يختلي بها، مشيرة إلى أن معظم حالات الخيانة الزوجية ناتج عن تقصير الزوج وإهماله حقوق زوجته، كما أن معظم حالات انحراف الأزواج وبحثهم عن علاقات محرمة خارج نطاق الزوجية سببه في الأغلب تقصير واضح أو عناد وقهر من زوجات أصبن بالبرود أو العصيان والتمرد على حقوق الزوج .
وتؤكد الدكتورة هبة عيسوي أن إشباع الجانب المعنوي والحسي في العلاقة الزوجية له آثار ايجابية في غرس المودة والرحمة اللتين جعلهما الله من ثمار الزواج الذي هو آية من آياته حين قال سبحانه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .
وتنبه أستاذة الطب النفسي إلى أن أنوثة المرأة سلاحها الذي تهزم به إهمال زوجها لها، لذلك تحذر من إهمال الزوجة نفسها داخل المنزل وظهورها طوال اليوم أمام زوجها بملابس تفوح منها روائح البصل والثوم وزيوت المطبخ، فمثل هذا الإهمال هو الذي يؤدي إلى الفتور وقتل الرغبة الحميمة في نفوس الأزواج، وهذا السلوك الخاطئ من جانب الزوجة يضعف علاقتها بزوجها وكثيراً ما يفسد عليها أجمل شيء في حياة كل أنثى وهو الشعور دائماً بأنها مطلوبة ومرغوبة لدى زوجها .
وترى أستاذة الطب النفسي أنه من عدم النباهة أن تهتم المرأة بجمالها وزينتها عند خروجها من المنزل بينما تجلس طوال اليوم في البيت أمام زوجها بملابس رثة ومظهر منفر، وترى أن هذا السلوك الخاطئ وراء كثير من المشكلات الزوجية، فالرجل الشرقي يثيره ويغضبه أن تتجمل زوجته لرجل آخر، ويثيره ويغضبه أن يرى زوجته خارج المنزل فقط في شكل جذاب .
إهمال يذهب بالود
تشير أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الدكتورة نسرين البغدادي، إلى أن الإهمال العاطفي يدمر نفسية أية زوجة، خاصة عندما يكون ذلك من دون سبب قوي، وتقول: إن هجر الزوجة وإن كان وسيلة تأديبية فعالة يؤثر فيها نفسياً وجسدياً ويؤذي مشاعرها إيذاء شديداً إذا كانت مخطئة، فما بالنا إن لم تكن مخطئة، ورأت في سلوك الزوج تعسفاً وجوراً على حقها؟
وترى الدكتورة نسرين أن أكثر ما يفسد العلاقة الزوجية ويقودها إلى الانهيار هو استغلال الزوج أو الزوجة حاجة الطرف الآخر للإشباع العاطفي، وتقول: عناد أحد الزوجين للآخر في هذا الأمر ومضايقته والانتقام منه وعقابه على تجاوزات أو أشياء معتادة في الحياة الزوجية لا يجوز، وإذا كان الإسلام قد جعل الهجر إحدى وسائل تقويم سلوك الزوجة الناشز فإن ذلك يكون في ظل ضوابط وشروط تحد من تحويل وسيلة العلاج إلى وسيلة انتقام وقهر وإذلال، وقد شجع الإسلام على كل الوسائل الشريفة والنظيفة للإشباع العاطفي بالحلال، أي بين الزوجين ومن خلال القنوات الشرعية التي تحمي الإنسان رجلاً كان أم امرأة من الأمراض الخطرة والفتاكة .
وتضيف: كثير من الأزواج والزوجات لا يدركون أهمية العلاقة الحميمة وتأثيرها في شكل العلاقة الاجتماعية بين الزوجين خاصة وسط الأهل والمعارف والأصدقاء وإهمال هذه العلاقة من قبل الزوج أو الزوجة سبب رئيس لانهيار العلاقة الزوجية إما بالانفصال وإما بالخيانة أو الإهمال العاطفي .
وتطالب الدكتورة نسيرن كل زوجة أن تتحاور مع زوجها، وتقول: صمت المرأة يفقدها حقوقها في التعبير عن مشاعرها، كما أن المرأة التي تتضرر من عنف زوجها ينبغي عليها أن تصارحه بذلك وتطلب منه ألا يكون بدائياً وأنانياً، علاوة على أنها تستطيع أن تغير من طباعه بقليل من الصراحة، ورويداً رويداً سيتحول إلى إنسان آخر رقيق ورومانسي .
وتنصح الخبيرة الاجتماعية الأزواج والزوجات باستعادة لحظات السعادة التي جمعت الطرفين والتركيز على كل ما هو إيجابي في العلاقة وفي الطرف الأخر والتركيز على التصرفات الصحيحة التي تصدر منه، ولا يجب التركيز على الأخطاء أو السلبيات التي تؤدي في النهاية إلى طيّ الصفحة القديمة وتدفع بعض الأزواج إلى البحث عن تجربة جديدة .
جهل وقسوة
أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، الدكتور صبري عبد الرؤوف يؤكد أن الجهل بحقوق المرأة هو السبب الرئيسي في ما يحدث بين الزوجين من قسوة ونفور يؤدي في الأغلب إلى الطلاق . ويقول: في الواقع تمثل العلاقة الخاصة بين الزوجين جوهر كل المشكلات الزوجية المطروحة على سطح الحياة الزوجية .
فاستقرار العلاقة العاطفية بين الزوجين يؤدي في النهاية إلى استقرار في كل جوانب حياتهما، وأي خلل في العلاقة الخاصة بين الزوجين يدفع إلى مشكلات بينهما .
ويضيف: التساؤلات الخاصة بالعلاقة الحميمة تمثل نسبة كبيرة من المشكلات التي تعرض علينا كعلماء ورجال فتوى، وهي تكشف عن حجم المشكلات الموجودة في هذا الجانب، ونحن نتعامل معها بوعي وحكمة، ونذكر الأزواج والزوجات بالواجبات قبل الحقوق، والأمر هنا لا يتوقف عند الحكم الشرعي، بل لا بد من مراعاة الظروف والعوامل النفسية والاجتماعية إلى جانب الأحكام والتوجيهات الشرعية .
ويؤكد الدكتور عبد الرؤوف أن الشريعة الإسلامية نظّمت الحقوق ولا يجوز للرجل أن يهدر حق زوجته في ذلك، حتى لو كانا على خلاف في بعض الأمور الحياتية، فالعناد والقسوة في هذا الأمر يؤدي إلى جفوة وجحود وكراهية لا ينبغي أن يكون لها مكان داخل الحياة الزوجية، وقد شرع الإسلام الهجر في المضاجع كوسيلة علاجية لمواجهة حالة تمرد وعصيان شديدة من الزوجة، ولو جرب الزوج هذه الوسيلة مع زوجته وفشلت فلا بد أن يكف عنها فوراً ولا يكررها، لأن هدف الهجر هو الإصلاح والتقويم، وإذا لم يتحقق ذلك فلا مجال لاستخدام هذا السلاح الفاشل .
علاقة دافئة
الداعية الإسلامية المعروفة، الدكتورة آمنة نصير أستاذة الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر تؤكد أن الإشباع العاطفي أحد عوامل استقرار الحياة الزوجية، لذلك يجب ألا يستغل أحد الزوجين هذا الحق كوسيلة ضغط إلا في إطار الحدود الشرعية . فلكل من الزوجين الحق إلا إذا كانت هناك أعذار شرعية تمنع ذلك كالحيض أو النفاس أو الإحرام في الحج أو المرض الشديد .
وتضيف: للأسف بعض الأزواج والزوجات يتجاهلون هذا الحق المشترك بينهما ويتعسفون في استخدام الهجر دون مبررات شرعية، وذلك أمر لا يجوز شرعا ولا يرضي الله ورسوله، فقد أجاز الحق سبحانه وتعالى لكل من الزوجين أن يستمتع بجسد الآخر لقوله: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، وقوله: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم . وقول النبي صلى الله عليه وسلم فهلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك .
وهذا الحق كما تقول الدكتورة آمنة لا يقتصر على الزوج بل الزوجة أيضا من حقها الإعفاف، وإن كان حياؤها يمنعها عن المطالبة به بطريق مباشر في أغلب الأحيان، فهي كالرجل مخلوق بشري لديها غريزة تحتاج إلى إشباعها عن طريق الزواج . لذلك جعله الرسول صلى الله عليه وسلم من الأعمال التي يثيب الله عليها .