إسفاف بمعنى الكلمة، هذا هو حال العديد من الإعلانات التجارية، سواء على شاشات الفضائيات أو على صفحات المجلات والجرائد وحتى المواقع الإلكترونية، فهذا إعلان عن صابون تظهر فيه المرأة شبه عارية في الحمام وإعلان آخر عن عصير تبدو فيه أنثى تثير غرائز الشباب . . وإعلان ثالث عن فوط صحية يستخدم فتيات في سن البراءة، وهذا آخر عن فيلم سينمائي لا يركز إلا على الألفاظ الخارجة والإيحاءات الجنسية وكأنه ليس به سوى هذه اللقطات . . الأمثلة كثيرة وهي بكل المقاييس تجسد تدهوراً أخلاقياً لا ينبغي السكوت عليه .

في رسالة جامعية حللت مضمون 356 إعلاناً تلفزيونياً، بلغ إجمالي تكرارها 3409 مرات خلال 90 يوماً فقط تبين أن 42% من الإعلانات التي ظهرت فيها المرأة لا تخص المرأة . . و76% من الإعلانات اعتمدت على مواصفات خاصة في المرأة كالجمال والجاذبية . . و51% على حركة جسد المرأة . . و5 .12% من هذه الإعلانات استخدمت فيها ألفاظ جنسية .

وفي دراسة أخرى رصدت مئة إعلان تلفزيوني بثت على مختلف القنوات التلفزيونية تبين أن الكثير منها يظهر فيها الجنس مستخدمة المرأة كوسيلة جذب، وفي دراسة ميدانية أخرى للدكتور فتحي الشرقاوي مدير مركز الرأي العام بجامعة عين شمس حول إعلانات المنشطات الجنسية حذرت من أن الإعلانات التي تعتمد على الدلالات الجنسية ستكون باباً خلفياً للترويج والتمهيد لانفتاحٍ جنسي أكثر على الفضائيات على الطريقة الغربية .

السؤال هنا كيف يمكن التصدي لظاهرة الإعلانات الهابطة وما الحلول من وجهة نظر علماء الإسلام والمتخصصين؟

تحذر الدكتورة آمنة نصير العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر مما يحاك ضد المجتمع المسلم في الإعلام من مؤامرات . . مؤكدة أن التصدي والدفاع عن المجتمع الإسلامي لا يكون إلا بالتكاتف بين أفراد المجتمع حيث إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع في التصدي لمثل هذا الانحلال، فقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة، وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته .

وتؤكد أن هذه الإعلانات تتسبب في فساد العقيدة بالتشكيك في كثير من الثوابت، وأيضاً الفساد الأخلاقي بتزيين الرذيلة وقتل الحياء والعفة، كما أنها تعمل على إلهاء الأمة عن قضاياها الكبرى واستبدال هذه القضايا بالمشاهد الخليعة، وهي سبب مباشر في التحريض على الفحشاء والمنكر، وخدش حياء الناس، وتعويدهم على رؤية المنكر وكأنه شيء عادي، وبالتالي يتعودون على إطلاق البصر، مخالفين أمر الله، حيث قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .

مشروعية الإعلان

من جانبه يرى الدكتور سعيد عامر أمين لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أن الحل يكمن في تطوير الخطاب في وسائل الإعلام الملتزمة لتعمل على فهم واقع الناس وتسهم في تقوية الوازع الديني في قلوب الأبناء منذ الصغر عبر تنبيههم إلى مراقبة الله تعالى لأعمالهم، وزرع القيم الأخلاقية في النفوس .

وينصح أمين الفتوى بالأزهر أصحاب المنتجات التجارية التي تستخدم هذا الأسلوب بالابتعاد عن معصية الله والتفقه في الدين، وأن يعلموا الحلال والحرام، ويدركوا أن الذنب الواحد يحرم الرزق، وأن البركة تمحق بالمعصية وقد قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر التجار . . أنتم الفجار، إلا من بر وصدق .

وحول مشروعية الإعلانات والعمل بها قال: يتفرع حكم الإعلان عن المشروعات التجارية عن حكم هذه المشروعات التجارية ذاتها، فإن كانت مشروعة كان الإعلان عنها مشروعاً، وإن كانت محرمة كان الإعلان عنها محرماً، وإن كانت في موضع الشبهة كان حكم الإعلان عنها في موضع الشبهة كذلك، والأصل العام الجامع لهذا كله قول الله عز وجل: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان .

ويشترط ليكون الإعلان مباحاً وليس فيه مخالفة شرعية والكلام لا يزال للدكتور سعيد عامر أن يكون الشيء المعلن عنه مباحاً، فلا يجوز تصميم أو نشر إعلان يروج للخمور أو الفاحشة وغير ذلك من المنكرات، فكل إعانة على الباطل بوجه من الوجوه محرمة، كما يجب أن يكون مضمون الإعلان مطابقاً للواقع من غير كذب أو مبالغة، حتى لا يغرر بالمستهلك ويصور له الأمر على غير حقيقته، إضافة إلى أن تكون الصورة التي يقدم بها الإعلان خالية من المخالفات الشرعية، فيجب البعد عن كل ما يثير الغرائز والشهوات، ويحرم استخدام جسد المرأة بصورة مبتذلة لترويج السلع والخدمات .

أسلوب رخيص

ويقول د . زكي عثمان أستاذ ورئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر إذا لم يستحِ الإنسان يصنع ما يشاء . . فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انغمس في الفواحش والمنكرات . . منتقداً الأسلوب الرخيص لكثير من الإعلانات التي تضيع من قيمة الإنسان عامة والمرأة خاصة .

ويوضح أن الإسلام أعطى للآداب والأخلاق منزلة عظمى ومكانة كبرى، فحين يتمسّك المرءُ بمحاسن الأخلاق ومجامع الآداب الإسلامية فإنه بهذا يدلل على متانة دينه، ورصانة عقله، وأدبه الرفيع، فالحياء من الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: الحياء شعبة من الإيمان .

إن الحياء خلق جميل يدعو إلى ترك القبائح، ويمنع إهمال الواجبات والتقصير في أداء الحقوق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت .

خروج عن المألوف

ويشير الدكتور شعبان شمس عميد كلية الإعلام في جامعة السادس من أكتوبر المصرية إلى أن الكثير من الإعلانات خرجت عن المألوف . . فبدلاً من الترويج لمنتج بعينه بشرح مميزاته وخصائصه وإمكاناته وجدنا المعلن ينهال سخرية وتسفيهاً وتحقيراً لكل منافسيه من دون ذكر ما يميز منتجه مستخدماً في ذلك أسلوباً فجاً ورخيصاً وبه الكثير من العدائية . . منتقداً الصورة المهينة والخارجة التي تظهر بها أحياناً بعض الموديلات في الإعلانات المصورة بطريقة لا يحتاجها على الإطلاق تسويق المنتج، وهو ما يتناقض مع تقاليدنا واحترامنا لقيمة المرأة، وقبل ذلك كله أوامر ديننا الحنيف، والتي تنهى بشده عن هذا الابتذال الذي نشاهده ليلاً ونهاراً، وهذا كله بخلاف ركاكة الأسلوب والأخطاء الإملائية واللفظية المثيرة للسخرية والتي لا تليق بأمة تزخر بالحضارات الإنسانية والعلمية .

ويضيف: إن وسائل الإعلام لم تعد قادرة على مقاومة إغراءات المال والعائدات الضخمة التي تنهال عليها من مافيا الإعلان، ولم يعد الإعلان يقتصر على الترويج للسلع والمنتجات فحسب، ولكنه أصبح يقوم بالترويج لمبادئ وأفكار وأشخاص، ويبالغ في تجميل شخصيات غير جديرة بما يقال عنها سواء كانت شخصيات سياسية أو رجال أعمال أو أصحاب نفوذ وسلطان، ويتم التستر على هذه الشخصيات إذا قامت بارتكاب أفعال مشينة أو مارست فنون الكذب والخداع، وتبرز هذه الإعلانات بصورة فاضحة أثناء الحملات الانتخابية والمناسبات القومية، فيقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً .

تضليل الأطفال

من جانبه يحذر الدكتور محمد منير حجاب أستاذ ورئيس قسم الإعلام في جامعة سوهاج من خطورة هذه الإعلانات على المتلقي عامة والأطفال خاصة . . مشيراً إلى أن هؤلاء الصغار غير قادرين على التمييز والتفرقة بين الواقع والخيال، والإعلان بالنسبة إليهم شيء موثوق به، فهم لا يرون المبالغة والخداع الذي ينطوي عليه، ولا يفطنون إلى نوايا المعلنين ولا يستطيعون تفسير القصد البيعي من وراء الإعلان وذلك في ظل كثافة المشاهدة والاستماع حيث تتسلل الإعلانات إلى هؤلاء الأطفال بطرق خفية كالألعاب والمسابقات التي تسهم في تضليل الطفل، وتشل قدراته العقلية وتحرمه من التذوق الجمالي، وقد تعلمه ازدراء الطبيعة والاستهانة بالقيم البيئية وعدم الاكتراث بالقواعد الصحية داخل المنزل وخارجه وتكرس الاستهلاك كقيمة عليا وتجسد المعاني السلبية وتحدث اضطرابات نفسية وعصبية لمدارك الأطفال . ويؤكد أن المعلن يتبع أساليب لا تتفق مع الأخلاق والمثل العليا كالكذب والتمويه والمبالغة للتأثير وجذب الجماهير وإغرائهم بالشراء معتمداً في ذلك على التعبيرات البراقة والكلمات الجوفاء، كما يعتمد على الإيحاء والتقليد، ولا يدع للمتلقي فرصة للتفكير الهادئ المتعمق ولكنه يعمد إلى تضييق منطقة التردد لدى الأفراد والجماعات مستغلاً في ذلك جهل الجمهور بالحقائق، ولا يهمه إلا تحقيق الغاية التي يستهدفها . . وكثيراً ما يعمل على تخدير الجماهير وشل قوة التفكير فيهم وإيقاظ غرائزهم والعبث بها عن طريق القصص الخرافية والصور العارية والأكاذيب المكررة .

ويدعو د . حجاب إلى إعداد ميثاق شرف إعلاني يلزم المعلنين بالقيم الأخلاقية الفاضلة والأمانة في العرض والصدق في القول وتجنب سوء الخلق وانحراف السلوك إضافة إلى احترام حقوق الإنسان وكرامة النساء ومشاعر الصغار، إلى جانب عدم المساس بالجوانب العقدية أو المتاجرة بالدين أو تحميل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ما لا تحتمل وتطويعها لتتفق مع المصالح الشخصية للمعلنين والتحقق من صحة المعلومات وتجنب كل أساليب الإثارة والخداع والمبالغة في الترويج للسلعة .

غياب الرقابة

وفي دراسة له يشير الدكتور حسن نيازي الصيفي المدرس المساعد بقسم الصحافة والإعلام في جامعة الأزهر إلى غياب الرقابة الحكومية وترك الحبل على الغارب للمعلنين والفضائيات لفعل أي شيء الأمر الذي أسهم بصورة مباشرة في انتشار مثل هذه الإعلانات، وذلك في الوقت الذي ظهرت فيه الفضائيات التجارية التي لا يعنيها إلا جذب المعلنين لتحقيق الأرباح، مع وجود حالة من الاستهواء لدى بعض فئات الجمهور وانسياقهم وراء أي شيء وعدم وعى المعلنين بأبعاد العملية الإعلانية ورغبتهم في جذب المشاهدين بأي شكل . ويضيف: إن غياب ضوابط أخلاقية للفضائيات تنظم العمل الإعلاني وترك الأمر برمته للمعلنين كي يفعلوا بالمشاهد ما يشاؤون من دون أدنى حماية . . وهناك عدد من الدول تتصدى لمشكلة الإعلانات الخليعة والمقلدة بأساليب مختلفة . . فبعض الحكومات تتجه إلى منع استخدام الإعلانات المستوردة مباشرة مثل أستراليا حيث تتم إعادة إنتاجها محلياً لكيلا تتغلب القيم الحضارية الأجنبية على المحلية، وتلجأ حكومات أخرى إلى الحد من الملكية الأجنبية لوكالات الإعلان، مثل دول أمريكا اللاتينية حتى تحد من نشاط وانتشار الإعلانات الأجنبية، وتلجأ حكومات ثالثة إلى المنع التام للإعلانات الأجنبية أو حظر بعض استخداماتها .

مضامين سطحية

ترى الدكتورة ابتسام عطية أستاذة علم الاجتماع في جامعة الأزهر أن المضامين السطحية الخاصة بمثل هذه الإعلانات تلقى رواجاً واضحاً واهتماماً متزايداً من المشاهدين خاصة الشباب والمراهقين، لما تعكسه اللقطات الخليعة والصور المبتذلة التي تقوم على الإثارة وتستهدف شباب المسلمين وتحاول طمس هويتهم، والعبث بقيم وعادات وثقافة المجتمعات الإسلامية . . مطالبة بسرعة التحرك لمواجهة هذا التغريب بواسطة المؤسسات الإعلامية الخاصة والعامة ومساندة مؤسسات المجتمع المدني .

وتضيف: إن الغاية من بث الإعلانات الخليعة جذب المستهلك وجني الربح السريع من جهة، والتركيز على تغريب المجتمعات الإسلامية من جهة أخرى بتمرير المفاهيم الغربية من خلال المرأة، وبث المفاهيم الغربية التي تدعو إلى الانحلال باسم الحرية الكاذبة التي تدعو إلى الإباحية المادية ضاربة عرض الحائط بما يسمى القيم والأخلاق .