تمكنت الإماراتية حمدة الحريزي من أن تعتلي عرش الكافيار عالمياً، وتحجز مقعداً للمرأة الإماراتية في السوق العالمي، لتلقب بملكة الكافيار. ورغم صعوبة الاستثمار في هذا القطاع، والمحاربة الشرسة التي واجهتها في بدايتها من منافسيها العالميين، إلا أنها تمكنت من النجاح والتميز في قطاع لم تقتحمه المرأة من قبل، لتثبت بنت الإمارات من جديد قدرتها على التفوق.
تمكنت حمدة من تأسيس شركة «جورمنت هاوس» وامتلاك 3 مزارع لإنتاج الكافيار خارج الدولة، برأس مال لا يتعدى 7500 درهم، وبثروة عظيمة تملكها وهي عقليتها التجارية وحبها الكبير للعمل وللإنتاج، وتمكنت اليوم من إنتاج أنواع نادرة من الكافيار، فمصنعها الوحيد الذي ينتج كافيار بلوكا ويتم توزيعه على جميع أنحاء العالم.
حول تجربتها ورحلتها المملوءة بالنجاحات كان هذا الحوار:
بدايتك العملية مشوقة، وفيها كثير من التحدي والإصرار على النجاح، حدثينا عنها؟
منذ الطفولة وأنا أعشق العمل، ففي عمر ٧ سنوات كنت أغافل أهلي فترة الظهيرة وأخرج مع ابن الجيران لنجمع الخبز اليابس ونبيعه لأصحاب المواشي، وكنا نجمع في الأسبوع خمسة دراهم.
وأذكر ذات مرة، أننا جلسنا تحت شجرة وحلمنا بالمستقبل، وكنت أحلم أن أكون سيدة أعمال ويكون لدي مكتب خاص وموظفون، وفي عمر ١٢ سنة شعر والدي بطاقتي الكبيرة وحبي الشديد للعمل والتعلم، فقد كنت أساعد والدتي في المنزل، ومن يطلب المساعدة من الجيران كنت ألبيه فوراً، وكان لدي رغبة شديدة في العمل، فقررت أن أكون معه في مصنع كافيار يملكه صديقه، وكنت أعد الشاي والقهوة وأنظف علب الكافيار براتب شهري ٥٠٠ درهم، وكان صديق والدي يعطيني الكافيار لأتناوله، لكني كنت أبيعه وأجمع النقود، وبعد تخرجي في الثانوية ادخرت ٧٥٠٠ درهم، وصديق والدي نصحه بأن يدعمني لأبدأ مشروعي كوني عقلية تجارية ولدي طاقة كبيرة للعمل.
بداية الرحلة المهنية
وهل بدأت التجارة في الكافيار بعد التخرج في المدرسة مباشرة؟
بدأت رغبتي تنمو تجاه معرفة أنواع الكافيار «البالوغا، أوسيترا، البرغا» خلال فترة عملي في مصنع صديق والدي، وكنت أنظف علب الكافيار كما ذكرت، وأشارك في التعليب أيضاً، لأبدأ بعدها تجارتي الخاصة بحاسة تذوق ورأسمال قدره 7500 درهم، حيث قمت باستئجار مكتب صغير في سوق مرشد واشتريت طاولة وكرسياً مستعملاً، وجهاز فاكس وهاتفاً، وبدأت رحلتي المهنية.
ومن أين كنت تحصلين على الكافيار في بدايتك؟
سوق مرشد في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات كان يستقبل عدداً كبيراً من السياح، وكنت أذهب مشياً على الأقدام للمطار، ولم أكن أركب التاكسي لأوفر النقود، باحثة عن السياح الذين يبيعون الكافيار وكنت أشتريه وأبيعه لصديق والدي في مصنعه، وفي الوقت ذاته كنت أدل السياح إلى محال تبيع بضاعتها بالجملة وأعمل كمرشدة سياحية، وأحصل على عمولة من المحال كوني جلبت لها الزبائن، وفي ٢٠٠١-٢٠٠٣ كانت الانطلاقة الكبرى، بعد أن حصلت على عقود كبيرة مع شركات كبرى.
3 مزارع حول العالم
كم عدد المزارع التي تملكينها؟ وهل تنوين افتتاح مزرعة في الإمارات؟
لدي ٣ مزارع، إحداها في بولندا، وأخرى في الصين، ومزرعة في بحر كاسبينسي، ولا أملك مزرعة في الإمارات، فإيجاد البيئة المناسبة مكلف جداً، فالمزارع تحتاج لظروف بيئية خاصة، ولمياه وفيرة وتستهلك كميات هائلة من الكهرباء، لذلك فوجودها في الإمارات أمر مكلف جداً، وفكرة غير واردة في الوقت الحالي.
هل هناك منافسون لك في هذا القطاع؟
في بداية الألفية كان إنتاج مزارع العالم من الكافيار من ١٥ إلى ٢٠ طناً، والآن إنتاج العالم من الكافيار أكثر من ١٢٠ طناً في السنة، وزيادة الإنتاج تؤثر في الأسعار والسوق، لكن الجودة ونوعية إنتاجنا تميزاننا عن الآخرين، وفعلياً أعتبر المرأة الوحيدة في سوق الكافيار، وهذا يميزني أكثر، فليس هناك امرأة تنافسني في هذا القطاع، ولكن منافسي الرجال كثر في الدول الأخرى، والشركة الإماراتية «جورمنت هاوس» اليوم من ضمن الشركات الأولى على مستوى العالم، ووصلنا للسوق العالمية، رغم أن الأزمة المالية أثرت في السوق، وفي ٢٠٠٢ خسرت، لأنه تم تغيير قوانين وضوابط بيع الكافيار في الدولة، وبالتالي لجأت إلى الاستدانة حتى أتفوق في عملي من جديد.
كم نسبة استيراد الإمارات من الكافيار؟
نسبة استيراد الإمارات ٢٥٪، والإقبال كبير على ما أنتجه في مصنعي، وهناك دعم كبير كوني عضواً في مؤسسة محمد بن راشد لمشاريع الشباب، ومازال الدعم مستمراً رغم وصولي للعالمية.
ما الدول التي تعتمد على شركتك بالدرجة الأولى؟
أمريكا وأستراليا ولندن وهونغ كونغ وإسبانيا وفرنسا.
تحديات كثيرة
ما ردة فعل تجار الكافيار في تلك الدول عندما يجدون أن صاحبة المشروع الضخم امرأة إماراتية؟
واجهت الكثير من التحديات عندما دخلت السوق العالمي، فلم يتقبلوا فكرة أن امرأة شابة تجلس معهم في المنافسة ذاتها، وهم رجال كبار في السن أصحاب تجارب وخبرة، وكانوا يحاربونني في الأسواق والأسعار، وكثيراً ما كنت أقرر التوقف عن العمل والتراجع، ولكن سرعان ما أستعيد قوتي وأقبل التحدي، والآن أصبحنا أصدقاء نتقابل في أوروبا على طاولة واحدة، وبمجرد أن نفترق تبدأ المنافسة القوية.
أغلى الأنواع
هل تمتلكين أغلى أنواع الكافيار في العالم؟
في ٢٠٠٤ حصلت على مناقصات خاصة بأغلى أنواع الكافيار في العالم، «كافيار الألماس»، واليوم أنتج في مزرعتي هذا النوع من الكافيار، وإنتاجه ليس بكميات كبيرة كونه غالياً جداً، وحالياً يعد مصنعي الوحيد الذي ينتج كافيار «بلوكا» الذي نوزعه على جميع أنحاء العالم.
ما أبرز استخدامات الكافيار؟ وما فوائده؟
الكافيار «برستيج» و«بروتوكول»، وكل شخص يستطيع أن يضع على مائدته كافيار، ويأكله، وفي السابق كان الملوك والسلاطين فقط يأكلون الكافيار، فقد وضعنا خطة تتيح للشخص البسيط أن يأكل الكافيار، من خلال توافره في «السوبرماركت»، وبأسعار معقولة، وهناك أكثر من ٤٨ فائدة للكافيار.
بالاقتراب أكثر من الأسرة، حدثينا عن العلاقة القوية التي تربطك بعائلتك؟
حياتي متعلقة كثيراً بالأسرة، ورغم سفري الكثير وعملي المستمر، إلا أن علاقتي بوالدي قوية، مسؤولة عنه كونه مريضاً، وفي أحيان كثيرة أنام في غرفته لأنه يشكو من ربو حاد، ولا أثق بالممرضات، ولذا أحرص على الإشراف عليه بنفسي، وأسافر معه فترة علاجه في الخارج، فارتباطي بأهلي كبير، وأعد الطعام لهم بنفسي كلما تسنى لي الوقت، رغم وجود الشيف في المنزل، حيث إني أهوى الطبخ كثيراً، وفي جميع أسفاري أشتري معدات الطبخ، ولا أرتبط بأي موعد يومي الخميس والجمعة، إذ أخصصهما للاهتمام بوالدي.
نجاح لافت
في حياة كل إنسان أشخاص أثروا فيه وأسهموا بشكل ما في بلورة شخصيته فماذا عنك؟
تعلمت الكثير من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وأتابع كل مقولاته، فتمنحني تلك الكلمات دافعاً للإنجاز، وبفضل الله والدعم الذي وجدته في دولتي وصلت للعالمية، وتمكنت من الوصول للرقم واحد في مجال عملي.
هل أصبحنا اليوم قادرين على وضع تجربتنا الإماراتية الرائدة في تعظيم مشاركة المرأة في متناول جميع الأشقاء العرب، أم أن تجربتنا مازالت بحاجة إلى النضج؟
المرأة الإماراتية مثال حي للنجاح على المستوى العالمي، وليس فقط على المستوى العربي والخليجي، وهي تعيش عصرها الماسي اليوم بفضل ما تناله من اهتمام وتقدير، وحققت نجاحاً لافتاً في مختلف الصعد، وأثبتت مكانتها، وأنها جديرة بالثقة التي منحتها الدولة لها. والمتأمل في كل تلك الإنجازات التي حققتها يدرك حرصها الشديد على المشاركة في التنمية، والوقوف جنباً إلى جنب مع الرجل، في ظل رؤية القيادة الإماراتية الحكيمة، التي تعتبر المرأة ركناً أساسياً وشريكة حقيقية في بناء المجتمع والنهوض به.
ثقة القيادة بقدرات المرأة
حول واقع الحال، وأن ما تحقق للمرأة المواطنة في دولة الاتحاد حتى اليوم، لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتاجاً طبيعياً لرؤية الآباء المؤسسين، وفي مقدمهم المغفور لهما بإذن الله، الشيخان الجليلان، زايد وراشد، رحمهما الله رحمة واسعة، وصولاً إلى رؤية القادة الحاليين، أطال الله في أعمارهم جميعاً، وهل استثمرت الإماراتية دعم القيادة لها، تقول حمدة الحريزي: استثمرت تلك الفرص بطريقة إيجابية، فقد سجلت المرأة الإماراتية حضورها المتألق يوماً بعد يوم في مختلف مجالات الحياة، من الجامعات إلى مجالات الإبداع في الأدب والإعلام والقيادة، وصولاً إلى تميزها في الإدارة والاقتصاد، وحققت إنجازات كبيرة في مشوارها الزاخر بالعطاء المثمر بالنجاح.
وثقة القيادة بقدرات المرأة الإماراتية ودعمها ورعايتها في المجتمع الإماراتي، أدت إلى تميزها، ليس فقط في مجال التجارة بل في جميع المجالات.
فالمرأة اليوم تجاوزت تقلد المناصب الثانوية إلى المناصب القيادية، بكل ثقة واقتدار وكفاءة عالية، شهدت لها بها شعوب العالم.
فرحة العمل والإنجاز
تقول حمدة الحريزي: لا أفضل الإجازات، فحياتي مرتبطة بالعمل، والراحة لدي تكمن في العطاء والإيجابية، وليست في ترك العمل، ويفرحني العمل والإنجاز، ففي يومي الجمعة والسبت أتابع العمل من المنزل، فالمصنع يعمل على مدار الساعة، وكوني كثيرة القلق فإنني أتابع العمل بنفسي، رغم أن لدي موظفين كثر إلا أني أضع اللمسة الأخيرة من خلال الإشراف على العلبة قبل أن تصل للزبون، وإجازتي السنوية لا تتعدى ١٠ أيام أسافر فيها مع الأهل، ويباشر أخي العمل عند غيابي، فمجال عملي مملوء بالصعوبات، خصوصاً الجوانب المتعلقة بضرورة المتابعة القريبة لسير العمل في كل فروع الشركة، وهو بحاجة إلى طاقة كبيرة، تفكير، تركيز، ونفس طويل، وتحمل لكي تستطيع أن تبقى في الساحة بين منافسين كثيرين جلهم من أصحاب الخبرة.