في زمن مثل زمننا ولد وعاش الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، وذلك بين أواخر القرن الأول الهجري ومنتصف القرن الثاني. كان عصر اضطرابات وفتن دينية وسياسية وكان القابض على دينه كالقابض على الجمر، وهو عين ما نراه في زمننا وفي مثل هذه الأزمنة تصعب الحياة، والنجاة إلا على رجال من ذوي الشخصيات الصلبة القوية.. ومن هؤلاء كان الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان.

هو النعمان بن ثابت بن زروطي الفارسي، ولد في الكوفة في العراق سنة ثمانين من الهجرة النبوية ويقال إن جده الفارسي زروطي كان من أهل كابول (عاصمة أفغانستان اليوم) وإنه وقع في الأسر إبان الفتح الإسلامي وأصبح رقيقا لبعض بني تيم ثم تم عتقه.

كانت الكوفة وهي من أهم مدن العراق تستقطب أهل العلم وقادة الفتح ويقيم فيها رؤوس بعض القبائل التي تركت الجزيرة العربية ولقد عمل ثابت والد النعمان في التجارة وهي المهنة التي كان يمارسها أبوه من قبل وكان رجلا موسرا وفر لبيته سبل الرخاء واليسر.

فتح أبو حنيفة عينيه على الحياة في الكوفة.. وكان أبوه متشبعا بآداب الإسلام وأصوله، ومن ثم سرت هذه العوامل في نفس أبي حنيفة مع استعداد فطري عالٍ في الذكاء وحسن التلقي والقبول.

ويقول بعض المؤرخين إن ثابتا التقى بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعايشه في الكوفة وإن عليا دعا لثابت بالبركة فيه وفي ذريته.

نشأ أبو حنيفة ولم يعرف مهنة غير التجارة للكسب حيث كان يذهب مع أبيه لمتجره ويلازمه ليكتسب الخبرة والتجربة، وكانت تجارته في الأقمشة.

مع أستاذه حماد

ويتحدث أبو حنيفة عن بدء اهتمامه بالعلم فيقول: مررت يوما على الشعبي (رأس علماء زمانه) فدعاني فقال لي: إلى أين تختلف؟ قلت: اختلف إلى السوق، فقال: لم أعن الاختلاف إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء، فقلت: أنا قليل الاختلاف إليهم، فقال لي: لا تغفل، وعليك بالنظر إلى العلم ومجالسة العلماء، فإني أرى فيك يقظة، فوقع في قلبي من قوله فتركت الاختلاف إلى السوق وأخذت في العلم فنفعني الله بقوله.

أقبل أبو حنيفة على العلم بكل ما لديه من طاقة وإمكانات من غير تفريط بمهنته التي يكسب منها الكثير، وصار يختلف إلى العلماء وحدهم، ولا يأتي السوق إلا قليلا، وكان له شريك في متجره يسانده ويساعده فكان يأتي إليه بين الحين والآخر للاطلاع على الأحوال وسير الأمور.

في الثانية والعشرين من عمره اتجه أبو حنيفة لدراسة الفقه وتعلمه بعد أن حفظ القرآن الكريم وارتحل ما بين العلوم الدينية المختلفة فتتلمذ على يد حماد بن سليمان عالم عصره ولازمه لمدة ثماني عشرة سنة من غير انقطاع ولا نزاع.

وخلال هذه الفترة مرت لحظة بأبي حنيفة قدر له فيها أن يكون تلميذا نجيبا متفوقا قادرا على الاستيعاب والتحليل وإعطاء الفتوى والحكم مما جعله يفكر في الاستقلال عن أستاذه حماد والجلوس للتدريس واتخاذ موقع الأستاذ.

يقول: صحبته عشر سنين ثم نازعتني نفسي أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي، فلما دخلت المسجد عليه ورأيته، لم تطب نفسي أن أعتزله فجلست معه، فجاءه في تلك الليلة نعي قريب له مات بالبصرة وترك مالا وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه.

فما إن خرج حتى وردت عليّ مسائل، لم أسمعها منه فكنت أجيب وأكتب جوابي، ثم عاد فعرضت عليه المسائل، وكانت نحوا من ستين مسألة فوافقني في أربعين وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي ألا أفارقه حتى يموت.

لم يكتف أبو حنيفة بملازمة حماد والتعلم منه، بل كان بالإضافة إلى ذلك يسعى للتعلم من شيوخ آخرين في الكوفة أو غيرها، وكان أكبر همه أن يجتمع إلى طبقة التابعين ممن لقوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تلقيت فقه عمر، وفقه علي، وفقه عبد الله بن مسعود، وفقه ابن عباس عن أصحابهم.

الفقيه التاجر

وكان أبو حنيفة أبرز تلاميذ حماد وكان مهيأ لخلافة أستاذه فلما توفي حماد جلس أبو حنيفة مكانه في مسجد الكوفة وأخذ يدارس تلاميذه فيما يعرض له من فتاوى ومسائل وقضايا.

وقد ميزه في البحث والدرس عقل قوي قويم ومنطق سوي مستقيم حتى تسنى له أن يضع الطريقة الفقهية التي اشتق منها المذهب الحنفي أي المنهج في استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة وإعمال العقل فيما لا دليل عليه. وكان هذا موقف وموضع أبي حنيفة وهو تلميذ في مجالس الفقهاء يلازم أستاذه حتى وفاته ويدرك أنه من ظن أنه علم فقد جهل.

ولأنه كان فقيها تاجرا، لم يفصل أبدا بين علمه وفقهه وبين تجارته، بمعنى آخر: كان فقيها في مجلس التجارة.

جاءته يوما امرأة بثوب من الحرير تبيعه له فقال: كم ثمنه؟ فقالت: مائة درهم، فقال: هو خير من مائة، بكم تقولين؟ فقالت: مائتين، حتى بلغت أربعمائة، فقال: هو خير من ذلك، فقالت: أتهزأ بي؟ فقال: هاتِ رجلا يقوّمه، فجاءت برجل فاشتراه بخمسمائة درهم.

وجاءته امرأة فقالت: إني ضعيفة، وإنها لأمانة فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك، فقال: خذيه بأربعة دراهم، فقالت: لا تسخر بي وأنا عجوز، فقال: إني اشتريت ثوبين، فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فبقي هذا الثوب علي بأربعة، ويروى أنه رحمه الله بعث شريكه حفص بن عبد الرحمن بمتاع وأعلمه أن به عيبا وأوصاه أن يبين العيب عند بيعه، فباع حفص المتاع ونسي أن يبين العيب ولم يعلم من اشتراه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله.

في سجن ابن هبيرة

امتدت حياة الإمام أبي حنيفة سبعين عاما، عاصر فيها شطرا من الدولة الأموية وشطرا آخر من الدولة العباسية، والمتتبع لهذه الفترة يرى بوضوح معايشة الإمام أبي حنيفة لأحداث هذه الفترة المهمة والدقيقة بكل ما أوتي من علم ورؤية وفهم وصدق يقين وسلامة دين، كانت مواقفه نابعة من حكمة حرص فيها على أن تكون معلنة صريحة بعيدة عن المواقف الثورية وبالرغم من ذلك ناله من العذاب والآلام الشيء الكثير.

كان أبو حنيفة من مؤيدي زيد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما الذي ثار على هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي ولكنه لم يحمل سيفا ولم يقاتل وعندما سئل أبو حنيفة: لم تخلفت عن زيد بن علي؟ قال: لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا آباءه لجاهدت معه لأنه إمام حق، ولكن أعينه بمالي.. وقد ترك هذا الموقف انطباعا سيئا لدى الأمويين وأعوانهم ولكنهم انتظروا حتى انتهت ثورة زيد بن علي وأبنائه من بعده، وبدأت محنة أبي حنيفة على يد يزيد بن عمر بن هبيرة والي الكوفة من قبل الأمويين وكان فظا غليظا قاسيا، فقد أراد ابن هبيرة حمل أبي حنيفة على الولاء لبني أمية قسرا وقهرا أو إغراء بتحميله مسؤوليات ومهام فأرسل إلى أبي حنيفة وعينه حاملا للخاتم بحيث لا ينفذ كتاب من عنده إلا من تحت يد أبي حنيفة ولا يخرج من بيت المال شيء إلا من تحت يده أيضا.

رفض أبو حنيفة تولي هذه المسؤولية فحلف ابن هبيرة: إن لم يقبل سأضربه. وتوسط العديد من الفقهاء يناشدون أبا حنيفة القبول، ويحاولون إقناعه رأفة بنفسه، حتى لا ينفذ ابن هبيرة وعيده فقال أبو حنيفة: لو أرادنى أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك، فكيف وهو يريد مني أن يكتب دم رجل يضرب عنقه وأختم أنا على ذلك الكتاب؟ فوالله لا أدخل في ذلك أبداً.

عند ذلك أمر ابن هبيرة بالقبض على أبي حنيفة وسجنه وضربه حتى يذعن ويستجيب، فضرب ضربا مؤلما شديدا لأيام متتالية حتى خشي صاحب الشرطة من موته فذهب إلى ابن هبيرة الذي لم يجد بدا من إخلاء سبيل أبي حنيفة الذي علم بعد ذلك أنه لا أمان له في الكوفة فشد الرحال إلى مكة وأقام فيها مجاورا الحرم المكي.

مواجهة مع المنصور

وحدث التحول الجديد، فقد انتهت الخلافة الأموية وبدأت الخلافة العباسية التي أيدها أبو حنيفة وظل على ولائه لها حتى قامت الخصومة بين العباسيين وبين أبناء عمومتهم الطالبيين.

وهنا بدأ أبو حنيفة يأخذ طريق المعارضة، دون ان يحمل سيفا أو يخرج مع جيش، وكانت فتاواه وأحكامه وردوده على الأسئلة المتعلقة بالحكم العباسي أشد من وقوع السيوف عليهم وأكثر تأثيرا.

أقلق ذلك الخليفة أبو جعفر المنصور وأراد أن يسجل على أبو حنيفة موقفا يأخذه به ولكن أبو حنيفة بشدة ذكائه وفرط علمه وحضور بديهته كان دائما يفوّت عليه الفرصة.

وذات يوم جمع المنصور العلماء والفقهاء والقضاة وفيهم أبو حنيفة وقال: أليس صح عن رسول الله قوله: المؤمنون عند شروطهم يلتزمون بها وأهل الموصل قد اشترطوا على أنفسهم ألا يخرجوا عليّ وها هم قد خرجوا وانتقضوا، ولقد حلت دماؤهم.. فماذا ترون؟.

قال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين يدك مبسوطة عليهم، وقولك مقبول فيهم، فإن عفوت، فأنت أهل العفو، وإن عاقبت فبما يستحقون.

فالتفت المنصور إلى أبي حنيفة يستنطقه ليوقع به: ما تقول أنت يا شيخ؟ فقال أبو حنيفة العالم الذي لا يخشى في الحق لومة لائم: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه، وشرطت عليهم ما ليس لك، لأن دم المسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، زنى بعد إحصان، قتل نفس بغير حق، فإن أخذتهم أخذت بما لا يحل وشرط الله أحق أن يوفى به.

عندئذ أمر المنصور جميع من حضر بالخروج باستثناء أبي حنيفة وقال له: يا شيخ، إن العدل ما قلت، انصرف إلى بلادك ولا تُفْت الناس بما هو شينٌ على إمامك فتُبْسط أيدي الخوارج.

ولم تتوقف محاولات المنصور للإيقاع بأبي حنيفة فعرض عليه منصب القضاء فأبى أبو حنيفة ورفض بشدة فحبسه المنصور وجرى بينهما هذا الحوار:

قال أبو حنيفة: اتق الله ولا ترع أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا بمأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن آلي الحكم لاخترت الغرق، لك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، فلا أصلح لذلك.

فرد عليه المنصور غاضبا: كذبت، أنت تصلح، فتبسم أبو حنيفة وقال: قد حكمت على نفسك، كيف يحل لك أن تولي من هو كذاب؟

رغم ذلك لم يتراجع المنصور، وأمر بضرب أبي حنيفة مائة وعشرة أسواط فلما أدركه الوهن دعا ربه: اللهم ابعد عني شرهم بقدرتك.

وهيأ الله تعالى لأبي حنيفة من كلم المنصور بشأنه فأخرجه من السجن ومنع من الفتوى والجلوس للناس.

وظل على هذا الحال حتى توفاه الله تعالى عام مائة وخمسين من الهجرة ويكفي الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان ما كان يردده المنصور نادما على ما فعله به بعد وفاته حيث كان يقول: من يعذرني من أبي حنيفة حيا وميتا؟