لا يُفتى ومالك في المدينة، مثل يُستخدم للدلالة على صاحب الرأي والمشورة في أي أمر من أمور الفتوى، وهو قول يرشد إلى صاحب الرأي الفصل فيما يمكن أن يسأل فيه سائل.

ومالك الذي ضرب به المثل هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي وهو صاحب كتاب الموطأ الذي قال عنه الإمام الشافعي: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك.

ولد مالك بن أنس في المدينة المنورة حيث التقدير والمهابة يعمان كل الأرجاء، ونشأ في أسرة تشتغل بالعلم، وكان جده مالك بن أبي عامر من كبار التابعين، فشجعه ذلك على حفظ القرآن الكريم فأتم حفظه وأتقن تلاوته لكنه لم يكتف بذلك بل أراد حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجهته أمه للتعلم على ربيعة الرأي فقيه المدينة الكبير، وقالت له: تعلم من أدبه قبل علمه.

كان مالك يجلس إلى شيخه الكبير، فيتعلم منه ثم ينفرد بنفسه تحت ظلال الأشجار لحفظ ما سمعه، ثم انتقل للتعلم على أبي بكر عبدالله بن يزيد المعروف بابن هرمز الذي كان له أثر كبير في تكوين عقلية مالك العلمية فأخذ يتلقى العلم عليه لمدة سبع سنوات.

ويروى أن ابن هرمز قال لجاريته يوماً: انظري من بالباب، فلم تر إلا مالكاً فرجعت إلى الشيخ وقالت له: لا أرى إلا ذلك الغلام الأشقر (تعني مالكاً) فقال لها: دعيه يدخل فذلك عالم الناس. وتعلم منه مالك كيف يرد على أصحاب البدع والضلالات، ولم يتوقف مالك عند ابن هرمز بل أراد المزيد فذهب إلى نافع مولى عبدالله بن عمر أحد رواة الحديث العظام وكان يتبعه إلى المسجد فينتظره حتى يتم صلاته ثم يسأله في الحديث والفقه وينهل من علمه، ثم لازم ابن شهاب الزهري ليتعلم على يديه وعلى يد غيره من العلماء الذين كانت تزخر بهم المدينة المنورة.

كما تذكر بعض المراجع أن الإمام مالكاً أخذ أيضاً عن الإمام جعفر الصادق، وهكذا نشأ مالك بن أنس بين العلماء ينهل منهم ويتعلم ويحفظ حتى قيل إنه لم يكن بالمدينة المنورة عالم من بعد التابعين يشبه مالكاً في العلم والفقه.

تهيّب الفتوى

تقول بعض المراجع إن مالكاً جلس للفتوى وعمره سبعة عشر عاماً، إلا أنه لم يفعل ذلك إلا بعد استئذان أستاذه ومعلمه ربيعة الرأي.

يقول الإمام مالك: ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد فأمراني بذلك فقال له رجل: فلو أنهم نهوك؟ قال مالك: كنت سأنتهي، لا ينبغي للرجل أن يبذل نفسه حتى يسأل من هو أعلم منه.

وقيل أيضاً إنه لم يجلس للفتوى حتى شهد له سبعون من جلة العلماء.

وإذا كان الإمام مالك تتلمذ على أيدي أشهر علماء المدينة المنورة، إلا أنه التقى بالكثيرين من العلماء الذين كانوا يفدون للحج، وروى عنهم، غير أنه لم يرد في سيرته أنه رحل من المدينة طلبا للعلم، مثلما فعل غيره من العلماء، والأئمة مثل ابن حنبل والشافعي وربما كان السبب في ذلك اعتقاده مثل غيره من العلماء أن العلم هو علم المدينة.

وقد شهد الإمام مالك بن أنس العصر نفسه الذي شهده الإمام أبو حنيفة عندما انتشرت الفرق المختلفة وزادت النزاعات السياسية وهو عصر انتهاء الخلافة الأموية واستقرار الأمر للخلافة العباسية.. كان عصراً حفل بالفرق في مجال السياسة ومجال الاعتقاد، وقد عاش الإمام مالك هذا العصر، ووقف على الأحداث بتنوعها، وعرف الفرق كما رأى بعض آثار هذه الأحداث وشهد وقوع المدينة تحت سلطان الخوارج مرة وتحت سلطان محمد بن عبدالله بن حسن النفس الزكية مرة أخرى.

كراهية الجدل

ولكن مالكاً الذي كان قد انتهج لنفسه منهجا في الفقه والعقيدة والحديث مبنياً على كراهية الجدل واللجاجة لم يشارك في أي من هذه الأحداث ولم يكن له فيها مناظرات إلا لمحات قليلة ولكنه مع هذا كان له رأي في أفكار كل هذه الفرق التي يراها مخالفة لأهل السنة.

سأله رجل يوماً: من أهل السنة يا أبا عبدالله؟ قال: الذين ليس لهم لقب يعرفون به لا جهمي ولا رافضي ولا قدري.

وكان الإمام مالك سلفي المنهج في العقائد، وكان يكره بشكل قاطع إبداء الرأي فيما يتعلق بالعقيدة، وهو الرأي الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي ذكره مالك وفيه يقول: تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمهم فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله.

أما الرأي بمعنى الفهم والتدقيق والنظر في الأدلة والاستنباط منها، فهو أمر لم يسع مالكاً الفقيه أن ينكره بل كان يقبله حتى ان بعض المؤرخين كانوا يعتبرون مالكا وفق هذا المفهوم من أصحاب الرأي.

أما كراهية مالك للجدل في الدين فكانت لأنه يرى أن الجدل في الدين يجر من فروض إلى فروض أخرى حتى يصبح الأمر بعيدا عما يجب أن يكرس العلماء له أوقاتهم وجهودهم وهو لون من الجدال رفضه الإمام مالك، إلا أنه قبل ما لا يمكن للعالم الفقيه أن يتجنبه وهو المناظرة وبيان الرأي لمن خالفه مع الأدلة في مسألة بعينها، وهو نوع من المناقشة التي تهدف إلى بيان الحكم في ضوء فهم الأدلة الشرعية.

كان الإمام مالك دائماً حريصاً على أن يرتقي فوق الصراعات الفكرية الموجودة بينما كان غيره يرتحلون من مكان إلى آخر من أجل المناظرة والمجادلة ليس لإعلاء كلمة الحق وإنما بهدف الصراع الفكري وانتصارا للذات والرأي.

أستاذ الشافعي

وقد حظي الإمام مالك بمكانة عالية بين علماء عصره ومن جاء بعده قال عنه سفيان بن عيينة ما نحن عند مالك؟ إنما كنا نتبع آثار مالك وقال: مالك إمام، مالك عالم أهل الحجاز.

وقال الإمام الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، ولم يبلغ أحد في العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته، ومن أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك، كما قال: مالك بن أنس معلمي أستاذي وما أحد أمن عليّ من مالك، وعنه أخذنا العلم وأنا غلام من غلمان مالك.

وإذا كان الإمام مالك صاحب رأي يدعو إلى عدم الخوض في المسائل الجدلية والابتعاد عن المناقشات والمناظرات التي لا جدوى منها إلا أنه كان صاحب موقف محدد وواضح يدعو فيه إلى عدم الخروج على الحاكم وهو موقف مشابه لموقف إمام عظيم سبقه وهو الإمام الحسن البصري الذي كان يرفض الخروج على الأمويين مهما كان يرى من ظلمهم ولكنه كان يرفع صوته منتقداً لهم وناصحا في أحوال كثيرة، وهو الموقف نفسه الذي أخذه الإمام مالك، وذلك لأنه كان يرى أن الخروج على الحاكم، قد يعطل الحدود، ويهدد عموم الإسلام ويرى أن الفساد المتوقع أكبر من الظلم الواقع، حيث كان يرى أن الخروج على الحاكم يضعف الدولة الإسلامية ويعطي فرصة لأعداء الإسلام بسبب تفرق المسلمين وأن الدماء ستراق في الخروج بحق وبغير حق ولا تدري مصائر الأمور.

ولم يكن موقفه هذا موقفاً سلبياً يترك فيه الحكام يفعلون ما يشاؤون لأنه كان يرى أن الطريق للإصلاح هو إصلاح حال الحكام والمحكومين وقام بدوره في هذا المجال.

الجهر بالحق

ومع موقف ومنهج الإمام مالك في عدم الخروج على الحاكم وابتعاده عن الخوض في الأمور السياسية والجدلية وعدم رضاه عن الفتن واهتمامه بتقديم النصح للحكام إلا أنه لم يسلم من الوقوع في المحنة كما حدث لغيره من الأئمة والعلماء الكبار.

فقد امتحن مالك، وهو يقدم العلم ويربي ضمير الأمة، وكان سبب المحنة فتوى قال بها، وحديثاً كان يحدث به وهو ليس على مستكره طلاق، وجاءت هذه الفتوى في وقت خروج محمد النفس الزكية على الخليفة أبي جعفر المنصور، ووجد الواشون الفرصة للإيقاع بالإمام مالك فأقنعوا المنصور بأن هذه الفتوى تبيح للناس الخروج عن بيعتهم له واتباع الخارجين عليه.

ويروى أن المنصور نهى مالكاً عن التحدث بهذا الحديث ولكن مالكاً ما كان ليكتم الحق فكان يتحدث عنه على رؤوس الأشهاد. فقام والي المدينة جعفر بن سليمان بضربه بالسياط، وحلق شعره وأمر بحمله على بعير، وقيل له: ناد على نفسك فقال: إلا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر، وأنا أقول: طلاق المكروه ليس بشيء، فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك، فقال: أدركوه وأنزلوه.

وهكذا لم يتوان الإمام مالك عن الجهر بالحق أياً كانت العواقب والنتائج ورغم اهتمام الإمام مالك طوال حياته باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يعلمه ويصدر عنه إلا أنه كان عارفا بقدر علمه ومسؤوليته.

ورفض مالك ما عرضه عليه الخليفة المأمون بأن يفرض كتابه الموطأ على جميع الأمصار في دولة الخلافة وأن يأمر بالعمل به وترك غيره من الكتب والمذاهب.

وتوفي الإمام مالك رحمه الله عام 179ه عن عمر يناهز السادسة والسبعين ودفن بالمدينة المنورة.