الإمام مالك بن أنس (39 - 971ه الموافق 117 - 597م) هو ثاني أئمة المسلمين السنة الأربعة الذين يجمع على إمامتهم أهل السنة بجميع توجهاتهم، وهؤلاء الأئمة متفقون على كل الأصول الفقهية، والمسائل الفرعية التي اختلفوا فيها هي التي كوّنت نشأة المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي)، وأبو حنيفة النعمان هو أول الأئمة الأربعة والتابعي الوحيد بينهم، وقد لقي عدداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمرجح أنه لم يلتق أياً من الأئمة الثلاثة الذين تلوه، لكن الإمام الشافعي التقى مع الإمامين مالك بن أنس وأحمد بن حنبل؛ حيث كان الشافعي تلميذ الإمام مالك، وكان شيخ الإمام أحمد بن حنبل.
جمع الإمام مالك بين علم الحديث وعلم الفقه، وبرع في هذين العلمين حتى عدَّه أهل الحديث محدثاً، وعده أهل الفقه فقيهاً، وهو بلا ريب محدث جليل يدل على ذلك كتابه «الموطأ»، وهو فقيه بارع يدل على ذلك مذهبه في الفقه الإسلامي، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: «مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في الحديث والفقه، ومن مثل مالك؟ متبع لآثار من مضى، مع عقل وأدب».
إمام دار الهجرة
اشتُهر الإمام مالك بعلمه الغزير، وقوة حفظه للحديث النبوي، وتثبُّته فيه، وهو إمام دار الهجرة، وكان معروفاً بالصبر والذكاء والهيبة والوقار والأخلاق الحسنة، وقد أثنى عليه كثيرٌ من العلماء منهم الإمام الشافعي، بقوله: «إذا ذُكر العلماء فمالك النجم، ومالك حجة الله على خلقه بعد التابعين».
اعتمد الإمام مالك في فتواه على عدة مصادر تشريعية؛ هي: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، وعمل أهل المدينة، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف، والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب.
هو أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر أنس بن الحارث بن غيمان الأصبحي المدني وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان، جده مالك بن أنس من كبار التابعين، وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ليلاً إلى قبره، وقد ذكر ذلك القشيري، ووالد جده هو الصحابي أبو مالك الذي شهد المغازي كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا بدراً، وأما والدة الإمام مالك فهي عالية بنت شريك بن عبد الرحمن الأسدية، وأبناؤه هم: يحيى ومحمد وحماد.
وُلِد بالمدينة المنورة سنةَ 93ه موافق 117 م، وعاش في بلدة شمال المدينة تسمى «ذو المروة»، ويسرت نشأته بالمدينة المنورة تلقيه العلم في أهم مركز للتّعلّم الإسلاميّ؛ حيث عاش أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم والتّابعون. ويقول الإمام مالك، إنّه عاصر أكثر من ثلاثمئة من التّابعين، وتعلّم الحديث منهم.
امتثل لنصيحة أمه التي أثنته عن رغبته في التلقي عن المغنين، ونصحته بالتوجه لدراسة العلم، يقول الإمام مالك: «نشأت وأنا غلام، فأعجبني الأخذ عن المغنين، فقالت أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يُلتَفَت إلى غنائه؛ فدع الغناء واطلب الفقه. فتركت المغنين وتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي ما ترى».
900 شيخ
بدأ الإمام مالك بحفظ القرآن الكريم ثم الحديث النبوي الشريف، وكان يتميز بقوة الذاكرة، وراح يجلس إلى الشيوخ والفقهاء، وكان مشغوفاً بالتعلم، حتى إنه أخذ العلم عن 900شيخ منهم عبد الله بن هرمز الأعرج، ودرس على يده 7 سنوات، وجعفر بن محمد الباقر وغيرهما من فقهاء عصره، فكان طبيعياً أن يصل إلى منصة التدريس، ويأخذ دور المعلم وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، بعد أن شهد سبعون شيخاً من العلماء أنه أهل لذلك؛ بل إن أستاذيه يحيى الأنصاري ومحمد بن مسلم الزهري كانا يجلسان في مجلسه الذي اختاره في المكان نفسه الذي كان يجلس فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يسمعان له، وينقلان عنه.
وكان تلامذته من أقطار شتى؛ حيث كانوا يأتون حجاجاً لبيت الله وزواراً لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجلسون إلى الإمام مالك، ويأخذون العلم عنه، ومنهم سفيان الثوري والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وأسد بن الفرات.
كتاب «الموطأ»
الإمام مالك هو صاحب الكتاب الشهير «الموطأ» وله مؤلفات غير الموطأ، قال ابن فرحون في كتابه «الديباج المذهب»: «من أشهرها رسالته في القدر، والرد على القدرية، ومنها: كتابه في النجوم، وحساب مدار الزمان ومنازل القمر، وهو كتاب جيد جداً، وقد اعتمد عليه الناس في هذا الباب، وجعلوه أصلاً». ومن كتبه أيضاً: رسالته في الأقضية، وكتبها إلى بعض القضاة في عشرة أجزاء، ورسالته المشهورة في الفتوى وقد أرسلها إلى أبي غسان محمد بن مطرف، ومن ذلك: كتابه في تفسير غريب القرآن الذي يرويه عنه خالد بن عبد الرحمن المخزومي.
يُعد كتاب «الموطأ» من أوائل كتب الحديث وأشهرها في ترتيبه وتركيبه، وفي اجتهاده ونقله، وفي حديثه وفقهه، وقد كان أعظمَ مرجع في عصره وأقدمَه، وقد أكب الإمام مالك على تأليف «الموطأ» حين سأله الخليفة أبو جعفر المنصور أن يجمع كتاباً للناس يتجنَّب فيه شدائد عبد الله بن عمر، ورُخَص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، ويضع ما اجتمعت عليه الأمة والصحابة، ويقصد أوسط الأمور؛ حتى يكون مرجعاً للناس في أمور دينهم.
كثير من أهل العلم إما من جهة فضل المصنف، أو التزام الصحة، أو استيعاب المقاصد المهمة، أو القبول من عامة المسلمين؛ حيث جمع كل هذه الأمور، قال الإمام الشافعي: «ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله عز وجل أنفع من موطأ مالك، وإذا جاء الأثر من كتاب مالك فهو الثُّريَّا»، وقال أيضاً: «ما بعد كتاب الله تعالى كتابٌ أكثر صواباً من موطأ مالك»، وقال ابن مهدي: «لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك»، وسُئل الإمام أحمد بن حنبل عن كتاب مالك بن أنس فقال: «ما أحسنه لمن تَديَّن به»، وقد قام كثير من العلماء بشرح كتاب الموطأ وله أكثر من عشرة شروح.
جرأة في الحق
كان الإمام مالك صاحب رأي جريء، وكان يعظ الخلفاء والولاة ويوصيهم بتقوى الله وتعرض في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور للتعذيب والإهانة؛ بسبب ترديده لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس على مستكرهٍ طلاق»، وكان المنصور يطالبه بإنكار الحديث حتى لا يقيس الناس عليه، وينعكس ذلك على بيعة المنصور التي كانوا مكرهين عليها.
توفي الإمام عام 179هجرية ودفن بالبقيع تاركاً ثلاثة أولاد وبنتاً كانت تحفظ كتابه «الموطأ» وتصحح لتلامذته، وتاركاً إرثاً عظيماً من العلم.