خشي الخليفة عمر بن عبدالعزيز من ضياع حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فكتب إلى الأمصار يأمر العلماء بجمع الحديث وتدوينه، وكان فيما كتبه لأهل المدينة: «انظروا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله»، ومنذ ذلك الوقت بدأ العلماء يجمعون أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدونونها في كتب.
في القرن الثالث الهجري نشطت حركة الجمع والنقد وتمييز الصحيح من الضعيف، ومعرفة الرجال ودرجاتهم من الضبط والإتقان وحالهم من الصلاح والتقوى أو الهوى والميل.
وكان أول من صنف في الحديث الصحيح الإمام البخاري ثم تبعه مسلم في كتابه «صحيح مسلم».
هو مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري، وتكنى بأبي الحسين، وهو من قُشَير وهي قبيلة من العرب معروفة، ولد سنةَ 206ه/ 821م على أرجح المؤرخين، وكانت ولادته في نيسابور تلك المدينة العريقة التي اشتهرت بازدهار علم الحديث والرواية، وكان والده حجاج بن مسلم القشيري أحد محبي العلم، وأحد من يعشقون حلقات العلماء، فنشأ الفتى وتربى في هذا الجوِّ الإيماني الرائع وبدا من صغره شغوفًا بالعلم مجدًا في طلبه محبا للحديث النبوي، فسمع وهو في الثامنة من عمره من مشايخ نيسابور.
تفرغ للعلم
وتذكر كتب التراجم والسير أن الإمام مسلم كان يعمل بالتجارة، وكانت له أموال مكنته من التفرغ للعلم، والقيام بالرحلات الواسعة إلى الأئمة الأعلام الذين ينتشرون في بقاع كثيرة، وابتدأ رحلاته في طلب العلم إلى الحجاز، وفيه التقى أئمة الحديث والشيوخ الكبار، ثم تعددت رحلاته إلى البصرة والكوفة وبغداد والري، ومصر، والشام وغيرها ولقي خلال هذه الرحلات عدداً كبيراً من كبار الحفاظ والمحدثين، تجاوز المئة، وكان من بينهم الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث وصاحب صحيح البخاري، وقد لازمه واتصل به وبلغ من حبه له وإجلاله لمنزلته أن قال له: «دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله».
بارك الله في جهود الإمام مسلم في طلب العلم وأتت ثمارها، وبارك الله له في وقته فحصل من العلم ما لا يجتمع للنابغين، حيث رزقه الله ذاكرة لاقطة، وعقلاً راجحاً، وفهماً راسخاً، وقد لفت ذلك أنظار شيوخه، فأثنوا عليه وهو لا يزال صغيراً غض الإهاب، فتنبأ له شيخه إسحق بن راهويه في نيسابور حين رأى دأبه وحرصه فقال: «أي رجل يكون هذا؟» وعده شيخه محمد بشار من حفاظ الدنيا فيقول: «حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة الرازي بالري، ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى».
وأثنى عليه أئمة الحديث ونعتوه بأوصاف الإجلال والإكبار، ومن أجمع الأوصاف ما ذكره القاضي عياض بقوله: «هو أحد أئمة المسلمين وحفاظ المحدثين، ومتقني المصنفين، أثنى عليه غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، وأجمعوا على إمامته وتقدمه وصحة حديثه، وتمييزه وثقته وقبول حديثه».
من مؤلفات مسلم الكنى والأسماء، وطبقات التابعين ورجال عروة بن الزبير، والمنفردات والوجدان، وله كتب مفقودة، منها أولاد الصحابة، والإخوة والأخوات، والأقران، وأوهام المحدثين، وذكر أولاد الحسين، ومشايخ مالك، ومشايخ الثوري ومشايخ شعبة.
صحيح مسلم
حذا مسلم في مسنده «الصحيح» حذو الإمام البخاري في نقل المجمع عليه من الأحاديث وحذف المتكرر منها، وجمع الطرق والأسانيد، وبوبه على أبواب الفقه وتراجمه، ومع ذلك فلم يستوعب الصحيح كله، وقد استدرك الناس عليه وعلى البخاري في ذلك.
وهذا الكتاب هو الذي طير اسم مسلم بن الحجاج وأذاع شهرته وعرف «بصحيح مسلم»، ولم يعرف العلماء قدر صاحبه ومعرفته الواسعة بفنون الحديث إلا بعد فراغه من تأليف كتابه هذا، وبه عرف واشتهر، يقول النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: «وأبقى له به ذكرا جميلا وثناء حسنا إلى يوم الدين».
وقد بدأ تأليف الكتاب في سن باكرة في بلده نيسابور بعد أن طاف بالبلاد وقابل العلماء وأخذ عنهم، وكان عمره حين بدأ عمله المبارك في هذا الكتاب تسعًا وعشرين سنة، واستغرق منه خمس عشرة سنة حتى أتمه سنة (250ه، 864م) على الصورة التي بين أيدينا اليوم.
وقد جمع الإمام مسلم أحاديث كتابه وانتقاها من ثلاثمئة ألف حديث سمعها من شيوخه في خلال رحلاته الطويلة، وهذا العدد الضخم خلص منه إلى 3033 حديثًا من غير تكرار، في حين يصل أحاديث الكتاب بالمكرر ومع الشواهد والمتابعات إلى 7395 بالإضافة إلى عشرة أحاديث ذكرها في مقدمة الكتاب.
ترتيب حسن
وهذه الأحاديث التي انتقاها رتبها ترتيبًا حسنًا، وجعلها سهلة التناول، فرتبها على الأبواب، وجعل كل كتاب يحوي أبوابًا تندرج تحته، وقد بلغت كتب الصحيح حسب ترقيم العالم الجليل محمد فؤاد عبد الباقي 54 كتابًا، تبدأ بكتاب «الإيمان» وتندرج تحته عدة أبواب، وتلا كتاب الإيمان كتاب «الطهارة»، ثم كتاب «الحيض»، ثم كتاب «الصلاة»، وينتهي صحيح مسلم بكتاب »التفسير» وهو الكتاب الرابع والخمسون.
تلقت الأمة بالقبول صحيح مسلم وقرنته بصحيح البخاري، وعدت ما فيهما من الحديث صحيحًا مقطوعًا بصحته، وقارن بعض العلماء بينهما، ومال بعضهم إلى تفضيل صحيح مسلم على نظيره البخاري، لكن الذي نص عليه المحققون من أهل العلم أن صحيح البخاري أفضل من حيث الصحة، وصحيح مسلم أفضل من حيث السهولة واليسر، حيث يسوق الأحاديث بتمامها في موضع واحد ولا يقطعها في الأبواب مثلما يفعل البخاري.
وقد اعتنى العلماء بصحيح مسلم وخدموه خدمة عظيمة، فوضعوا له عشرات الشروح، ومن أشهر هذه الشروح: «المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج» للإمام النووي، وقد طبع «صحيح مسلم» طبعات عديدة أفضلها التي حققها محمد فؤاد عبدالباقي.
ظل الإمام مسلم بن الحجاج بنيسابور يقوم بعقد حلقات العلم التي يؤمها طلابه والمحبون لسماع أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أشهر تلاميذه الذين رحلوا إليه أبو عيسى الترمذي، ويحيى بن صاعد، وابن خزيمة وأبو بكر محمد بن النضر الجارودي وغيرهم، كما شغل وقته بالتأليف والتصنيف حتى إن الليلة التي توفي فيها كان مشغولا بتحقيق مسألة علمية عرضت له في مجلس مذاكرة، فنهض لبحثها وقضى ليله في البحث، لكنه لقي ربه قبل أن ينبلج الصباح في 25 من رجب 261 ه الموافق 6 من مايو سنة 875 م، وهو في الخامسة والخمسين من عمره، ودفن في نيسابور.