يعد المال عصب الحياة، إذ لا تستقيم الحياة بدونه، فهو وسيلة الإنسان لتحقيق الكثير من المنافع للأفراد والجماعات، ولكنه ليس هدفا في حد ذاته، ولا ينبغي أن يكون كذلك، والمال، كما هو معروف، له جاذبية خاصة لدى الإنسان، ولذلك يستحوذ على قلوب الناس، ويحظى باهتماماتهم، ويصف القرآن الكريم حال المنهمكين في جمع المال بقوله: وتحبون المال حباً جماً، أي: حبا كثيرا مع الحرص عليه والشره في جمعه.

وحب الإنسان للمال ليس بالأمر الغريب، فالإنسان بطبعه شغوف بحب الدنيا، والمال يعد زينة الحياة الدنيا، كما يقول القرآن الكريم: المال والبنون زينة الحياة الدنيا.

فالارتباط وثيق بين حب المال وحب الدنيا، ونظرا لتمكن حب المال في النفس الإنسانية فإن حديث القرآن عن الجهاد يتقدم فيه الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس: وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله.

وقد تكرر ذلك كثيرا في العديد من الآيات التي تحض على الجهاد، مما يدل على حب الإنسان للمال، الأمر الذي يجعله على استعداد للقتال من اجله والتضحية في سبيله، ولذلك يرجع السبب في معظم الجرائم إلى المال.

ولكن القرآن الكريم ينبهنا إلى حقيقة مهمة تتمثل في أن ملكية الإنسان للمال ليست ملكية مطلقة، ومن اجل ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف فيه تصرفا لا تحكمه قيم أو قواعد أخلاقية أو دينية، فالمال في الحقيقة مال الله الذي وكل الإنسان في إنفاقه وفي ذلك يقول القرآن الكريم: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، كما يقول في آية أخرى: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.

وإذ يؤكد الإسلام على هذه الحقيقة التي لا مراء فيها فإنه من ناحية أخرى يحمي ملكية الأشخاص للمال التي هي ملكية مجازية ويعتبر الذي يقتل دفاعا عن ماله من الشهداء، كما ورد في الحديث الشريف: من قتل دون ماله فهو شهيد.

وإذا كان الإسلام لا يشجع على رفض الدنيا والتخلي عنها فإنه أيضا لا يشجع على رفض المال والتخلي عنه لأنه ضروري لاستمرار الحياة. ومن أجل ذلك يحث الإسلام على السعي لكسب المال حتى لا يكون المرء عالة على غيره، وحتى لا يعرض الإنسان نفسه لذل السؤال فاليد العليا خير من اليد السفلى وحتى يضمن لأسرته حدا معقولا من الحياة الكريمة، وألا يتركهم من بعده عالة يتكففون الناس، كما في الحديث الشريف: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.

إن الأمر الذي يؤكد عليه الإسلام في إنفاق المال يدور حول الطريقة التي يتصرف بها الإنسان في المال، فإذا كنزه وحبسه عن الإنفاق بخلا وشحا فالقرآن ينذره بعذاب شديد يوم القيامة، وإذا أنفقه بطريقة لا يحكمها عقل ولا منطق فهو من السفهاء الذين يجب الحجر عليهم، أما إذا أنفقه في وجوه الخير فإن ثوابه عند الله عظيم: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

والإنسان من حقه أن يتمتع بما حباه الله من نعمة المال، فإذا كان المال يعد زينة الحياة الدنيا فإن القرآن يبيح للإنسان أن يتمتع بما أسبغ الله عليه من نعم في الحدود المعقولة.

ولهذا يستنكر القرآن الكريم تحريم ما أحل الله بقوله: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق.

ولكن الأمر الذي لا يجوز أن يتجاهله الإنسان انه لا يعيش وحده وإنما هو عضو في مجتمع، وانه لكي يعيش سعيدا في هذا المجتمع فإن عليه حقوقا للفقراء والمحتاجين في هذا المجتمع، وعليه أن يشعرهم أيضا بقدر من السعادة حتى يمحو ما في نفوسهم من حسد أو حقد.

وهذا يعني أن ما ينفقه الإنسان للفقراء والمحتاجين ليس تفضلا، وإنما هي حقوق قررها الإسلام لتحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس، ويعبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله: وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم.

ويأمر الله نبيه أن يأخذ الصدقات من الأغنياء تطهيرا لنفوسهم من عوامل الشح والبخل وتزكية لأموالهم: خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها.

ومن ذلك يتضح أن الإنسان يتحمل المسؤولية عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، كما ورد في الحديث الشريف: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه.

* وزير الأوقاف المصري