حرص ديننا الإسلامي العظيم على تثبيت الإيمان وتقويته في قلوب أتباعه، ومن آثار الإيمان فعل الخير ومساعدة الآخرين، وتنقية النفس من الأنانية والتمنّن .
وما يتوجب على المسلم حتى يكون إيمانه صادقاً كاملاً، أن يحب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه، وأن يطرد الأنانية من قلبه للحديث النبوي الشريف "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (رواه البخاري ومسلم عن الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنه) .
فلا يكون المسلم كامل الإيمان إلا إذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه، سواء أكان ذلك في الأمور المعنوية كالعلم والسمعة الحسنة والسلوك الطيب أم كان ذلك في الامور المادية كالربح والغنى وكسب القوت .
ولم يكتف ديننا الاسلامي العظيم بأن يحب المسلم الخير لغيره فحسب، بل يطلب منه أن يسمو بروحه وأخلاقه ليصل إلى مرتبة "الإيثار" بأن يفضل أخاه على نفسه وأن يجود بماله رغم حاجته اليه لقوله سبحانهُ وتعالى: "وَالذِينَ تَبَوءُوا الدارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِما أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُح نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" . (سورة الحشر الآية 9) . وقد وردت روايات عدة حول سبب نزول هذه الآية الكريمة، وهذه الروايات يعاضد بعضها بعضاً في المعنى والمضمون، ومن أشهر هذه الروايات:
أولاً: قدم ضيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فلم يجد عند أهله شيئاً فاستضافه رجل من الأنصار يكنى بأبي طلحة الذي قال لامرأته: ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ندخر به شيئاً . فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية . قال لها: اطفئي السراج ونومي الصبية . وقدم أبو طلحة كل ما عنده إلى ضيفه، وأوهم الضيف بأنه يأكل معه وهو لا يأكل . فلما ذهب أبو طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي قال له - عليه الصلاة والسلام: "قد عجب الله عز وجل من صنيعكما الليلة" . ونزلت هذه الآية .
ثانياً: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاه، وكان فقير الحال . ولكنه أحس أن جاره أشد منه حاجة فأرسله اليه . واذا بجاره يحس بالشعور نفسه تجاه جار آخر فيرسل رأس الشاه إليه، وهكذا فكل جار يرسله إلى أقرب جار له . فتداولت رأس الشاه سبعة أبيات - أي سبعة جيران - حتى رجع إلى الأول، فنزلت هذه الآية .
حفلت كتب التفسير والسيرة وتاريخ الحضارة بمئات الأمثلة على الإيثار، وأكتفي بإيراد نموذجين اثنين حول إيثار المسلم حياة غيره على حياته:
أولاً: الإيثار الإيماني الذي اتصف به الصحابي الجليل الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه- حين نام في فراش الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليلة الهجرة النبوية، فضرب بذلك أروع نموذج للتضحية والفداء، حيث كان مستعداً لأن يجود بنفسه فداء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وعرف علي بأنه أول فدائي في الإسلام .
ثانياً: في معركة اليرموك (15ه/ 636م) "اتى ساقي الماء عددا من الجرحى فكان أول من أتى الصحابي عكرمة بن أبي جهل ليسقيه فأشار إلى الساقي بأن يتوجه إلى الصحابي سهيل بن عمرو الذي أشار إلى الساقي بأن يتوجه إلى جريح ثالث هو الصحابي الحارث بن هشام . فلما وصل الساقي إليه إذا هو قد فارق الحياة وأسلم روحه لبارئها شهيداً . فعاد إلى الثاني فوجده كذلك شهيداً . ووصل إلى الأول فوجده أيضاً شهيداً . وهكذا آثر كل منهم الآخر على نفسه بشربة الماء . فارتقت أرواحهم إلى السماء عند بارئها قبل أن يشربوا الماء - رضي الله عنهم أجمعين- . فمر بهم الصحابي القائد خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقال: بنفسي أنتم .
وينبغي أن نشير إلى أن حب الخير يجب أن يكون خالصاً لله رب العالمين خالياً من التمنن والمباهاة والرياء لقوله سبحانه وتعالى: "الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُم لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (سورة البقرة الآية 262) .
وقول رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم . قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: "المسبل، والمنان، والمنفق سلعة بالحلف الكاذب" (رواه مسلم عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه) . (المسبل): الذي يرخي إزاره ويرسله إلى الأرض خيلاء وتكبراً . (المنان): مَن يعطي ويكثر المنّ بما يعطي .

د . عكرمة صبري
* رئيس الهيئة الإسلامية العليا القدس