مع قدوم الأول من ديسمبر/كانون الأول تحتفل منظمة الصحة العالمية باليوم العالمي لمكافحة الإيدز، وتظهر على سطح وسائل الإعلام الأرقام التي تكشف انتشاره والتجارب التي أجريت للتغلب عليه وقهر عدواه، وأحدث العلاجات المكتشفة، إلا أن الأرقام تفيد بازدياد أعداد المصابين في كل عام عما قبله، ولم يلح في الأفق حتى الآن علاج فاعل أو تطعيم يقي التقاط العدوى، وتبقى مفردات التحلي بالقيم والأخلاق علاوة على اتخاذ الحيطة من أهم خطوط الدفاع الوقائية للنجاة من الإصابة بالمرض.
ذكرت منظمة الصحة العالمية أن ما يقارب 78 مليون شخص أصيبوا بالعدوى منذ بداية التشخيص في أواخر سبعينات القرن الماضي، وبلغ عدد الوفيات 39 مليوناً، وأسفرت الإحصاءات حتى نهاية العام 2013 عن 35 مليون مريض حول العالم يتعايشون مع الإصابة، 80.% منهم تتراوح أعمارهم بين 15 ــ 49 عاماً، وبالرغم من انتشار المرض في جميع أنحاء العالم الا أن دول جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا تعتبر أكثر الدول التي ينتشر بها المرض، حيث بلغت نسبة الإصابة بين البالغين مريضاً واحداً من بين كل 20 شخصاً.
ينتج المرض عن إصابة فيروسية يرمز لها بالحروف الانجليزية HIV وهي اختصار لمسمى يعني «فيروس نقص المناعة البشرية»، وفي حال تمكن الفيروس من الشخص فإنه يصيبه بمرض الإيدز AIDS والذي يعني «مرض فقدان المناعة المكتسبة» كآخر جزء من مراحل الإصابة الفيروسية، وهو فيروس لا يستطيع الجسم التخلص منه ويستمر معه مدى الحياة ولا يتوفر له حتى الآن علاج شاف ومازال العلماء في حالة بحث عن مضادات مفيدة له.
يهاجم الفيروس خلايا بعينها بالجهاز المناعي بجسم الانسان تسمى اختصاراً «CD4» أو خلايا T «الخلايا التائية الشكل»، وبمرور الوقت وعند عدم السيطرة على الفيروس يقوم بتحطيم العديد من تلك الخلايا حتى يقل عددها عن 200 خلية في المليمتر المكعب من الدم، بينما الطبيعي من 500 إلى 1,600 خلية، وحينها يصبح المصاب بالعدوى مريضا بـ«فقدان المناعة المكتسبة» أو الإيدز ولا يستطيع بعدها الجسم مقاومة الأمراض والإصابات بـ«العدوى الانتهازية» وهي العدوى التي لا تكون قادرة على إحداث مرض في حالة جهاز المناعة السليم؛ وفي بعض الحالات تشخص الإصابة بالإيدز إذا تعرض الشخص إلى الإصابة بنوع واحد أو أكثر من العدوى الانتهازية بغض النظر عن عدد الخلايا التائية بالدم، ويمكن السيطرة على فيروس HIV بواسطة «العلاج المضاد للفيروسات» وهو مزيج من علاجات الفيروس تؤخذ يومياً، وفي حالة استخدام هذا العلاج في مرحلة مبكرة من التشخيص وقبل استفحال الفيروس، لا يتسبب المرض في وفاة الشخص، أما في حالة استفحال المرض وعدم المبادرة بالعلاج فإن الشخص يعيش في الغالب 3 سنوات فقط بعد التشخيص، وعند تعرضه للإصابة بأحد أمراض العدوى الانتهازية فإن حياته تقصر إلى سنة واحدة في الغالب بعد الإصابة.
لا يمكن تشخيص المرض الا عن طريق فحص الدم لاختبار الأجسام المضادة للفيروس، وهو أكثر أنواع الفحص المستخدمة، حيث يقوم الجسم في معظم الأحيان بعد 3 شهور من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، بإنتاج أجسام مضادة للفيروس، ويتطلب الأمر احياناً إعادة الفحص للتأكد؛ وهناك فحص آخر وهو البحث عن «مستضدات فيروس نقص المناعة البشرية» بالإضافة إلى فحص الاجسام المضادة، للكشف عن مستضدات الفيروس والأجسام المضادة معاً.
يعتقد العلماء أن المرض انتقل إلى الإنسان عن طريق أحد أنواع الشمبانزي التي تعيش في غرب إفريقيا، حيث إن تلك الحيوانات لديها نوع من الفيروس يسمى اختصاراً «SIV» والذي يعتقد أنه انتقل إلى الإنسان عن طريق تناول لحوم تلك القرود أوالتعرض لدمها الملوث، فتكونت نسخة HIV، وكشفت بعض الدراسات أن الفيروس انتقل من القرود إلى البشر منذ القرن 19، وعبر العقود انتشر الفيروس ببطء في إفريقيا ومنها إلى أنحاء العالم، ووجد بأمريكا منذ منتصف أو أواخر سبعينات القرن الماضي.
ينتقل المرض من شخص لآخر عن طريق الاتصال الجنسي، أونقل الدم الملوث، أو الحقن والأدوات الملوثة بدم مصاب؛ وعندما يتعرض الجسم للإصابة بالفيروس تحدث تغييرات كثيرة في خلايا الجهاز المناعي، حيث يلتحق الفيروس بخلايا معينة من خلايا جهاز المناعة تسمى بـ «الخلايا الجذعية» وتوجد في الأغشية المخاطية التي تبطن الفم، والمهبل، والمستقيم، وقضيب الرجل، والجهاز الهضمي العلوي؛ ويعتقد العلماء أن هذه الخلايا تقوم بنقل الفيروس من المنطقة المصابة بالعدوى إلى الغدد الليمفاوية حيث يقوم الفيروس بإصابة خلايا أخرى من جهاز المناعة، ومن الممكن أيضاً انتقاله إلى أجزاء أخرى من خلايا الجسم مثل خلايا الدماغ، ولكن يبقى هدفه الخلايا التائية الليمفاوية، وتنقسم العملية من خلال عدة خطوات:
- الارتباط والانصهار: يرتبط الفيروس بنوع معين من المستقبلات بسطح الخلايا التائية وهي عملية شبيهة بإدخال المفتاح داخل القفل، حيث يقوم الفيروس بدور المفتاح فيدخل الخلية المضيفة «الخلية التائية» ويفرز بها مادته الجينية.
- النسخ العكسي: يقوم إنزيم يسمى «الناسخ العكسي» بتغيير المادة الجينية للفيروس وبالتالي يندمج مع الحمض النووي للخلية المضيفة.
- الاندماج: تدخل المادة الجينية الجديدة إلى نواة الخلية التائية وتستخدم إنزيماً معيناً لتدمج نفسها مع المادة الجينية بخلايا الجسم حيث تكمن لعدة سنوات.
- النسخ: تبدأ الخلية التائية المضيفة للفيروس في ممارسة نشاطها، ويبدأ الفيروس في استخدام الإنزيمات الموجودة بالخلايا لإنتاج المزيد من مادته الجينية مع مادة جينية خاصة تسمح له بتكوين بروتين أطول.
- التجميع: يقوم إنزيم يسمى «بروتيز» بقطع البروتينات الفيروسية الأطول إلى وحدات بروتينية، وعندما تتجمع تلك الوحدات البروتينية مع المادة الجينية للفيروس يتكون فيروس جديد.
- التبرعم: يعد المرحلة الأخيرة من دورة حياة الفيروس، حيث يدفع بنفسه خارج الخلية المضيفة، ولكنه مايزال محاطاً بغشاء تلك الخلية، ويحتوي هذا الغطاء المحيط بالفيروس على جميع المكونات اللازمة لربط الفيروس بخلايا تائية ومستقبلات جديدة لتبدأ دورة جديدة، وتستخدم علاجات السيطرة على فيروس HIV لقطع الدورة التي يقوم بها.
تحدث تغيرات عديدة بالجسم إما كآثار جانبية لاستخدام الدواء، او كتبعات ناجمة عن الإصابة نفسها، ومن التغيرات التي تحدث نتيجة استخدام الدواء حالة «الحثل الشحمي» وهي تغيرات بالطريقة التي يتعامل بها الجسم مع الدهون من إنتاجها، واستهلاكها، وتخزينها؛ وتؤدي هذه الحالة إلى تخزين وفقدان الشحوم بمناطق محددة من الجسم، فالأماكن التي تكتسب المزيد من الدهون هي البطن، والعنق، والثديين (للرجال والنساء)، بالإضافة إلى بعض النتؤات الشحمية بمناطق أخرى من الجسم؛ كما يحدث فقدان للشحوم تحت الجلد بالوجه، والذراعين، والساقين، والأرداف.
ومن الآثار الناجمة عن اضطراب الجسم في التعامل مع الدهون، ارتفاع معدلات الدهون الثلاثية «الكولسترول»، وكذلك ارتفاع معدلات سكر الدم مع تراجع في الاستجابة للأنسولين، ما يؤدي إلى الإصابة بداء السكري.
لا يتم التشخيص مبكراً في جميع الحالات حيث يتم في بعضها تشخيص الإصابة بالفيروس مع الإيدز في الوقت نفسه، ويعني ذلك أن الشخص ربما يكون مصاباً بالفيروس منذ وقت طويل ولا يعلم بذلك حتى يتطور إلى مرض الإيدز، وتختلف سرعة تطور المرض من شخص لآخر اعتماداً على عدة عوامل منها التركيبة الجينية للشخص، وكيف كانت الصحة العامة لديه قبل إصابته بالفيروس، والتشخيص المبكر الذي يفيد في السيطرة على الحالة؛ كما أن هناك عوامل تساعد على سرعة الإصابة بالإيدز بعد تعرض الشخص للعدوى الفيروسية مثل تقدم العمر، وسلالة الفيروس، وتزامن الإصابة مع أمراض فيروسية أخرى مثل مرض السل والتهاب الكبد الفيروسي C، والتغذية غير الجيدة، والتوتر والضغط، والخلفية الوراثية؛ أما العوامل التي تؤخر تطور الفيروس قبل وصوله إلى مرحلة الايدز فهي استخدام المضادات الفيروسية، والمتابعة الطبية الجيدة، والتغذية الجيدة، والخلفية الجينية.
الجديد في العلاج
توصل العلماء إلى وسيلة جديدة لعلاج الإصابة الفيروسية، حيث إن المضادات الفيروسية الحالية لا تعتبر علاجاً جذرياً للحالة وإنما فقط لوقف تطور الفيروس حتى لا يتحول إلى إيــــدز ولا يتمكن من القضاء على النسخ المختبــــئة منه، أما الوسيــــلة الحديثــــة فهي جزيئات مهندسة بطريقة معينة لهـــا المقـــدرة على استهداف الفيروسات الكامنة بالجسم والقضاء عليها وبذلك يتـــم استئصال الفيروس، كما ظهر من نتائج فحص دم المصابين بالــــــفيروس تراجع معدلات الفــــيروس بعينات الدم لديهم، حيث تقوم تلـــك الجزئيــــات بالتـــــعامل مع الخـــــــلايا المـــــصابة بالفــــــــيروس مع الخلايا التائية مجتمعين، وتســـــمى هذه الاســــتراتيجية بـ«اضــــرب واقتل»، لأن ما يتم من خلالها هو كشف الخلايا المصابة بالفيروس لدى جــــهاز المـــناعــــة قبل أن تقوم الخلايا التائية بقتل الفيروس.