الله سبحانه خلق الخلق وكتب المقادير، بيده الملك، يدبر الأمر، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، أحاط بكل شيء علما، قال سبحانه: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَر وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مبِينٍ .
إن هذه العقيدة تبعد عن نفوس معتقديها كل احتمالات اليأس وتبعد عنهم القنوط والضجر وتجعلهم مستسلمين لأمر الله آخذين بالأسباب لدفع الأقدار بالأقدار، كما تفجر في نفوسهم الأمل في التغيير والتحول من الهزيمة إلى النصر ومن الضعف إلى القوة ومن الفقر إلى الغنى ومن الجهل إلى العلم، وهذا ما رسخته تلك العقيدة من قبل في نفوس الصحابة، فولدت عندهم آمالا، وسعوا إلى تحقيقها، وجدّوا في بلوغها، ولم يثنهم عائق، ولم يصدهم وهم، ولم يرهبهم تهديد، فغيروا الدنيا وسادوا الأمم، وكانوا لمن بعدهم مصدر إلهام يزرع الأمل، وينشر النور، ويبدد ركام اليأس، شعارهم قول الله تعالى : إِن اللّهَ لاَ يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتى يُغَيرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَد لَهُ وَمَا لَهُم من دُونِهِ مِن وَالٍ، فغيروا ما بأنفسهم فصاروا قادة للأمم بعد أن كانوا رعاة للغنم والإبل والبقر .
لا يخفي على العاقل أن الدنيا دار ابتلاء، والآخرة هي دار الجزاء إِنا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً .
لقد خلق الله الدنيا مرحلة بعدها مراحل، فليست هي نهاية المطاف، وليست الميدان الأخير إنما هي اختبار وعمل، وكل ما فيها يؤول يوم القيامة إلى حساب، فجنة أو نار .
ولا شك في أن حس المؤمن يختلف في نظرته للحياة وتقييمه لأحداثها عن غيره الذي لم يحسب للآخرة حسابا في أعماله، فالمؤمن يتسامى بنظرته وهو يرى هذا العالم يتخبط بجهله كالصبي الذي يفرح ويحزن من أجل حلوى يظفر بها .
وفي الإيمان بحتمية الابتلاء، وبأن الله تعالى قد كتبه على عباده، مؤمنهم وكافرهم، منبع للأمل، فلا يدهش ولا ييأس المؤمن حين ينزل به البلاء أو بغيره، ولا ينهار ولا يحبط حين يواجه الكروب، إن تقرير حتمية البلاء يجعل المؤمن مستعدا له مدركا لحكمته، قال سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنةَ وَلَما يَأْتِكُم مثَلُ الذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مستْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضراء وَزُلْزِلُواْ حَتى يَقُولَ الرسُولُ وَالذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِن نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون هذا الأمر إدراكا جيدا، فهم يبادرون إلى تحليل الموقف وفق هذا الاعتبار، قال الله عنهم: وَلَما رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، فكان قولهم في تلك اللحظة الأولى التي وقعت أعينهم فيها على مشهد الأحزاب معبرا عن نفسية تستوعب الحدث، من دون أن تصاب بصدمة تفقد التوازن، أو تصاب بالهلع والجزع أو يتسرب إليها اليأس .
والوعد بنزول البلاء في مواضع كثيرة من كتاب الله لا يعد مدخلا لليأس والخنوع وترقب الإخفاق، وتوالي المحن، بل على العكس من ذلك، ففي الابتلاء حكم عظيمة وثمرات كبيرة، ودروس مستفادة اقتضت حكمة الله ألا تحصل إلا به، وفي طياته منح لا يعلمها إلا الله .
كما أن المؤمن على يقين بأن الأرزاق بيد الله يبسطها لمن يشاء، كما قال ربنا جل وعلا: اللّهُ يَبْسُطُ الرزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ .
وحينما يشتد الكرب ويخير المؤمن بين دينه ودنياه، فإن الأمر عنده لا يقبل الجدل، فحياته رخيصة في سبيل الله، وهذا ما أعلنه السحرة يوم أن آمنوا بموسى فقابلوا تهديد فرعون بقوة الواثق وحسم الجازم، حيث قالوا: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدنْيَا .
ومن شأن هذه النظرة الإيمانية أن تصحح للمرء مسيرته على الأرض، وقلبه ممتلئ بالأمل مشحون باليقين في أن الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، وهذا الارتباط الوثيق بين الدنيا والآخرة من شأنه أن يدفع المؤمن إلى العمل المثمر، وتقديم الخير لكل الناس من دون كلل أو ملل .
وللمؤمنين مفهوم خاص للنصر، فانتصارهم مرتبط بدينهم لا بقدر ما حققوه من مآرب دنيوية فهم لا يقاتلون لأجل مكاسب دنيوية ولا يقاتلون حمية ولا عصبية، إنما يقاتلون لتكون كلمة الله العليا، ولذا فإن انتصار المؤمن انتصار لدينه، وتحقيق مبادئ الخير التي يسعد بها الناس .
* وكيل وزارة الأوقاف المصرية