تحقيق: محمد الدويري

تعتبر العلاقة بين المعلم والطالب من أبرز دعائم العملية التعليمية ومن أسمى العلاقات الاجتماعية، ورغم ما يعتري هذه العلاقة من «هزات» في بعض الأحيان، فإن الجميع مهتم بالحفاظ عليها، لما لها من أثر بالغ في بناء مجتمع سليم ومتماسك، بينما شهدت العلاقة القائمة في أيامنا هذه بين الطالب ومعلمه شرخاً في بعض حالاتها، وهي تنقسم إلى جزأين، الأول العلاقة المحددة، التي تعمل على فرض الهيبة وحفظ الحدود بينهما، والثاني العلاقة المفتوحة، التي تشهد خليطاً غير محدد الجوانب، وتسود معظم مدارسنا.

«حالات فردية» أخذت حيزاً كبيراً في الرأي العام، بعد نشر «فيديوهات» لها على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية، تسجيلات تداولها الطلاب تبين حالة انعدام الاحترام والثقة بين الطالب والمعلم، من خلال ضرب الأستاذ للطالب من جهة، ورفع الطالب صوته في وجه معلمه مع ضحك وشغب في أجواء الفصل الدراسي من جهة أخرى، وهنا السؤال، الذي يطرح نفسه: ما هي أسباب تزايد حالات العنف بين المعلم والطالب، رغم أن القوانين والأعراف تنبذها؟ وكيف يمكننا الخلاص منها، وعلى عاتق من تقع مسببات ذلك؟.
«الخليج» بادرت إلى وضع النقاط على الحروف، لإظهار الثغرة الحاصلة بين الطالب والمعلم، من خلال آراء فئات ذات علاقة من المجتمع، بينهم الطلبة وأخصائيون تربويون واجتماعيون في التحقيق الآتي:

الطالب سيف سالم قال: إن الأجواء العامة، التي يديرها المعلم هي التي تحدد كيفية سير الحصة الدراسية، وهو الذي يهيئ الأجواء المناسبة، التي تعزز نجاح عملية التدريس، أو الكئيبة، التي من الممكن لها أن تشكل حالة من الضغط النفسي على الطلبة ما يجبرهم على الخروج عن القيم الأدبية السليمة.

وأضاف: لا أنكر أن هنالك طلبة يمتهنون تعكير صفو الحصة الدراسية متعمدين ذلك، ولكن هنالك أساليب تفي بالغرض في فرض عقاب رادع لهؤلاء الطلبة والحد من تصرفاتهم دون اللجوء للضرب.
وأشار إلى أن البيئة المدرسية والمرافق السليمة والمتكاملة لها دور كبير في التنفيس من الضغوط التي يتعرض لها الطلبة جراء كم المعلومات والواجبات التي تفرض على الطلبة.
واعتبر الطالب علي ثامر أن التعنيف من قبل المعلم لطلبته يزيد في تفاقم المشكلة والحقد فيما بينهم، فالضرب ليس حلاً، وإنما يجب على المعلم أن يعتمد على استراتيجية حكيمة لاحتواء الطلبة وخلق بيئة ود واحترام بينهم. وأكد أن هنالك طلبة يسيئون للمعلم لأن الأخير هو الذي فتح المجال لهم، لذلك يترتب على المعلم أن يعالج الإساءة قانونياً دون اللجوء للضرب.

الضرب مرفوض

وقال عبد الله الشحي «ولي أمر»: مهما كان الطالب مشاغباً، أو أساء للمعلم، لا يجوز ضرب الطالب في ظل وجود قنوات قانونية يمكن له اتخاذها كوسيلة لمعاقبة الطالب، فالضرب هو وسيلة منتقدة تفاقم المشكلة، ولا يحد منها لأن فيه إهانة ومساس بكرامة الطالب.

وأضاف أنه ما من شك أن مستقبل الطالب العلمي يتأثر كثيراً بالعلاقة ما بين الطالب والمعلم، فكلما أحب الطالب معلمه كلما أبدى اهتماماً أكبر بالمادة والمواظبة والانضباط.

المرجع الأهم

قال باسم عثمان منسق الأنشطة الطلابية في مدارس الإمارات الوطنية، في تعليقه على ما تداوله طلبة مدارس من تسجيلات مصورة داخل الغرفة الصفية لمعلم يعنف طالباً بالضرب، إن هذا السلوك منتقد ومرفوض من قبل المعلم مهما كانت الأسباب، فالمعلم يمتلك لائحة من القوانين التي يمكن له أن يعاقب بها الطالب المخطئ.
وأشار إلى أن المعلم يجب أن يمتلك القدرة على قيادة المجاميع «أكثر من مجموعة» وأن يكون لديه خبرة في معرفة احتياجاتها والتعاطي معها ضمن القوانين التعليمية والإنسانية، إضافة إلى الأدبية، مضيفاً أنه لا يمكن إدانة المعلم بمفرده وإنما ندين تصرفات الطلبة المسيئين أيضاً، موضحاً أن الأجيال أصبحت ذات وعي كاف لتستخدم أساليب الاستفزاز والتعدي بالتلفظ، أو تجاهل المعلم أثناء الشرح وإصدار أصوات مزعجة تعرقل سير عملية التدريس.
واعتبر أن الأسرة هي المرجع الأهم والأبرز لعلاج أي إشكال يصدر من قبل الطلبة بحق أساتذتهم، فهي المسؤولة الأولى والأخيرة عن تصرفات أبنائها السيئة في حال وجودها، وعن كيفية فرض العقاب للحد منها.

عملية تكاملية

أكد أحمد النعيمي «معلم» أن العلاقة بين المعلم والطالب هي عملية تكاملية أساسها الأسرة، من ثم المدرسة في تكوين نسيج موحد ومترابط للعمل على إيجاد حياة تعليمية واضحة المعالم وناجحة، حيث إن الأسرة مسؤولة في بادئ الأمر عن غرس قيم المحبة والاحترام في أبنائها اتجاه المعلم والمدرسة.
وأشار إلى أن المدرسة لها دور كبير ومكمل لدور الأسرة، لكن لا تحل محلها، وذلك من خلال بناء جسور للتواصل بين الطرفين مبنية على الثقة والوضوح والصراحة، لتقييم سلوكياتهم ووضع خطط موحدة ومشتركة للحد من السلبيات، والخلل الذي يؤثر في الطلبة، لبناء علاقة متينة بين الطالب والمعلم.
وأضاف: دخل إلى حياة الطلبة عالم التقنيات والإلكترونيات التي من الصعب السيطرة عليها، ولكن يمكن غرس القيم الحسنة في كيفية التعامل مع هذه التقنيات بالشكل السليم، ومن الواضح أنها أصبحت تستخدم في غايات غير محمودة داخل الغرف الصفية، وهذا ما يجب علينا إيقافه قبل أن نندم وقت لا ينفع الندم.

نفسيات متعددة

لفت طلال السلومي باحث وموجه اجتماعي في مستهل حديثه إلى أن المعلم بشر وأعصاب، ويتعامل مع نفسيات طلابية متعددة في نفس الوقت، ضمن إطار يوم دراسي وحصص متتالية، لذلك إذا لم يكن يتوافر للمعلم الاتزان والقدرة في السيطرة على انفعالاته مع عطائه التعليمي التربوي يكون عرضة لانفعالات خارجة عن إرادته.

وأشار إلى أن بعض نوعيات الطلاب صعبة، وقدراتهم التعليمية ضعيفة، وتحتاج لوقت أكبر وتعاون مع الأسرة، وعندما يفقد الطالب قدراته في المتابعة يكون أقرب لافتعال المشكلات داخل الفصل الدراسي، مما يحمّل المعلم أعباء إضافية في الشرح والمتابعة السلوكية وهذا على حساب الحصة والطلبة.
وبين أن قدرة المعلم على احتواء مشكلات الطلاب داخل الفصل وخارجه ، والتواصل معهم لا يتم إلا من خلال الحصة، وهنا يجب التنويع في التواصل اللاصفي، والتنويع في أساليب التدريس التي يضبطها المعلم في البداية، ثم يسير على نهجه طوال العام.

وبين السلومي أن الطالب اليوم تحيط به كثير من السلوكيات غير المرغوب بها في محيطه الأسري والاجتماعي، الأمر الذي يقلل دافعيته للتعليم، كما أنه اكتسب أنماطاً سلوكية متنوعة، أصبح المعلم والمجتمع التربوي والمدرسي بحاجة لتطوير أدواتهم التربوية والتعليمية للتعامل معها، ليأتي التدريب المستمر الاجتماعي والنفسي لمواجهة ذلك.

الفكرة الذهبية

قالت شيخة الطنيجي أخصائية تربوية في جامعة الإمارات، إنه مهما تعاظم الشغب من الطلاب داخل الحصة الدراسية وتعالت أصواتهم بوجه أساتذتهم، يبقى الأستاذ عاقلاً راشداً وهو قائد الحصة الدراسية وحاكمها، فيجب عليه أن يتفهم الطلبة ويحتويهم ويدرس حالاتهم بشكل منفرد في حال التمادي عن الحد المسموح. وأضافت أنه لا بد أن يتبع المعلم استراتيجية تعليمية معينة يحاكي من خلالها وجدانيات وعواطف الطلبة من خلال تفهمه لهم واستخدام الأسلوب الذي يناسبهم.

وأكدت أنه في حال وجد شرخ في العلاقة بين الطالب والمعلم فالمسؤول هو الأخير، فالأستاذ هو الذي يفرض كيانه واحترامه على الطلبة، والطالب برأي شيخة الطنيجي هو قليل الحيلة في دائرة حكم المعلم. وأشارت إلى أن الأسرة لها دور كبير في ترسيخ الفكرة الذهبية بأذهان أبنائهم بقيمة المعلم وأهميته، وضرورة احترامه واتخاذه كأب وصديق، وغرس القيم السليمة في حب الأستاذ والمدرسة منذ الصغر، الأمر الذي يحتم على أولياء الأمور متابعة أولادهم من دون انقطاع ومراقبة سلوكياتهم داخل الفصل الدراسي وخارجه، والتخلص من السلبيات التي تؤثر فيهم وفي حياتهم في حال وجدت بالتعاون مع المدرسة.

عوامل تشويه علاقة المعلم والطالب

ذكرت عائشة السيار وكيلة وزارة التربية والتعليم سابقاً عدة عوامل لها دور كبير في تشويه العلاقة بين الطالب والمعلم، منها ما يقع على عاتق المعلم وأخرى على عاتق الأسرة، مبينة أن الطالب قليل الحيلة لما يحدث من انقباض في العلاقات التعليمية بحكم دور المعلم في مسؤوليته على إدارة العملية التربوية والتدريسية داخل الغرف الصفية. وأوضحت أن المعلم هو قائد الغرفة الصفية، وأي خلل فيها من الناحية التدريسية أو الأدبية، فالتقصير يكون على عاتق المعلم الذي لم يتمكن من ضبط الأجواء الدراسية.

وأضافت: أن الخبرة الواسعة في كيفية احتواء الطلبة وكيفية التعامل معهم لها دور مهم في إنجاح العملية التدريسية، وهنا يجب إخضاع المعلمين لدورات تدريبية في أصول التربية قبل التعليم. وأكدت أن المعلم مسؤول عن توطيد العلاقة بينه وبين الطلبة في أي أسلوب كان، من دون اللجوء إلى التعنيف، ففي حال سير المعلم بناء على لائحة القوانين فهو بريء من أي عواقب تواجهه يصعب عليه حلها، لتصبح المسؤولية على عاتق الأسرة والجهات المختصة، التي تتدارس الحالات كل منها منفردة لعلاج الخلل فيها. وأضافت: أن العامل الآخر والذي يعتبر أهم من الأول، وهو في دور الأسرة في متابعة أبنائهم ومراقبة سلوكياتهم داخل المنزل وخارجه وفي المدرسة، وفرض عقوبات أسرية لمن يتطاول على المؤسسة التعليمية.