الحب والمودة والرحمة والعشرة الطيبة بين الزوجين من الأمور المهمة التي لا بد من توافرها لتستقيم العلاقة بين الزوجين، لكن الواقع الذي نعيشه يؤكد أن الحياة الزوجية لا تستقر بين طرفين ضاع بينهما الاحترام المتبادل، فهو المفتاح السحري للسعادة الزوجية . فعندما تحدث مشكلة بين الزوج وزوجته يجب أن يراعي كل منهما التسامح والتعاطف والصبر على إيذاء الطرف الآخر، ولكن يظل كل هذا مرهوناً بمقدار الاحترام الموجود بينهما، سواء على مستوى تعاملاتهما الشخصية أمام الأبناء أو المقربين منهما .

الإسلام حل هذه المشكلات حيث نظم العلاقة بين الزوجين في شكل حقوق وواجبات، ووضع لها أسساً ثابتة تحميها من المشكلات العاصفة والخلافات التي قد تنتهي أحياناً بالطلاق، وتكون النتيجة خراب العديد من البيوت وتشريد الأبناء .

ورغم أن حسن المعاملة حق للزوجة منحته لها الشريعة الإسلامية، وعدم توافره يبيح لها طلب الطلاق للضرر، فإن بعض الرجال نسوا هذا الحق واعتبروا أن الضرب والإهانة حق لهم بحجة تأديبها وتهذيب سلوكها . وإحسان المعاملة والاحترام ليسا حقاً للزوج على زوجته فقط، وإنما هو حق متبادل ومشترك لكلا الزوجين، فالإسلام أرسى قواعد الاحترام المتبادل بين الزوجين حتى تقوم بينهما حياة مستقرة قوامها الحب والود والتفاهم والرحمة .

طرحنا قضية الاحترام المتبادل بين الزوجين الغائب عن كثير من بيوتنا للمناقشة على عدد من أساتذة الاجتماع وعلم النفس والإسلام في محاولة للاتفاق على أسس ومفاهيم احترام مشتركة تحقق السعادة الزوجية وتحمي بيوتنا من الانهيار وهذا ما قالوه:

في البداية يتطرق الخبير النفسي الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي في دراسته إلى العلاقة الناجحة بين الزوجين، وكيفية إدارة الأزمات بينهما، فيقول: العنف ليس وسيلة لحسم الخلافات الزوجية بل لا بد من الحوار والتفاهم لعلاج كل ما يحدث بين الزوجين من خلافات، وينبغي على الزوجين تجنب الإهانات اللفظية أو الحركية، لأن هذه الإهانات تصيب الطرف المهان في كرامته، وتحدث فيها شروخاً يصعب إصلاحها . كذلك يجب السيطرة على الانفعالات، خاصة في وقت الغضب، وتأجيل المناقشة في الأمور التي يجب ألا يسمعها الأطفال لوقت لاحق مع إفهام الطفل أن الخلاف مسألة عرضية وطبيعية وتذوب سريعاً .

مفاهيم خاطئة

ويرفض الدكتور الرخاوي تحميل الزوج وحده مسؤولية غياب الاحترام بين الزوجين بسبب إهاناته المتكررة للزوجة فتبادله هي الإهانة بمثلها ويقول: لا بد من دراسة الأسباب الحقيقية التي تدفع الزوج إلى إهانة زوجته . فقد حملت دراسات اجتماعية كثيرة الزوجات جزءاً كبيراً من المسؤولية، فالزوجة النكدية التي تختلق المشكلات مع زوجها، والزوجة المتسلطة التي تحاول السيطرة على زوجها وتجريده من مسؤولياته كزوج، والزوجة التي تهمل واجباتها الزوجية ومسؤولياتها الأسرية وترفض الاستجابة للنصائح والتوجيهات، هؤلاء الزوجات وسلوكهن الشاذ مع أزواجهن يتحملن جزءاً كبيراً من المسؤولية، خاصة أننا نعيش في عصر كله ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية، وينبغي على الزوجة أن تعين زوجها على مواجهة هذه الضغوط وليس مضاعفتها .

ويحذر الدكتور الرخاوي من تسخيف الزوج آراء زوجته أمام الآخرين واتهامها بالتقصير وإجبارها على الاعتذار المتكرر له عن أخطاء لم ترتكبها، لأن ذلك يخلق نوعاً من الضغينة فتبدأ بالإحساس بعدم الرضا عن حياتها، لأنها تجعل من نفسها كائناً بلا قيمة، بما يجعلها تمارس العنف مع أولادها، ويقول: هناك بعض الرجال لديهم مفاهيم خاطئة عن الزواج بصفة عامة، فالبعض يرى أنه يعني الاستحواذ على زوجة لتقوم بإعداد الطعام وتلبية الرغبة الجنسية، وتربية الأبناء، وهي نظرة خاطئة للزواج الذي يعني في مفهومه الصحيح: المودة والرحمة والمشاركة بين اثنين متساويين في الحقوق والواجبات وفي الأدوار التي يؤديانها في الحياة .

قدوة للأبناء

أما أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتورة منال عمران، فترى أن غياب الاحترام في العلاقة الزوجية سيدفع ثمنه الأولاد، لأنهم سينشأون في بيئة غير صحية نفسياً وسلوكياً، وقد يأخذ بعضهم جانب الأم، والآخرون جانب الأب، أو يتحيزون جميعاً لأحد الطرفين، هذا بخلاف أنهم سيتعلمون إهانة الآخرين وقت الخلاف معهم .

وتقول: يجب على الزوجين أن يكونا قدوة لأبنائهما حتى تستقيم حياة الأسرة ككل، وينشأ الأطفال في بيئة صالحة صحياً ونفسياً واجتماعياً، فالبيت الذي يفتقد الاحترام المتبادل بين طرفي العلاقة الزوجية لا يمكن أن يكون أفراده أسوياء .

وتدعو الدكتورة منال عمران كل زوج إلى أن يحاسب نفسه على ما يقترفه في حق زوجته من أخطاء ويعتذر لها عما بدر منه دون تردد، لأن هذا لن ينتقص من كرامته مطلقاً، كما تدعو كل زوجة إلى أن تتقي الله في زوجها وتبتعد عن كل التصرفات التي يضيق بها صدره ولا تستفزه حتى وإن رأت منه ما تكره .

صبر الرجل

أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة الدكتور أحمد يوسف سليمان يحذر الأزواج من احتقار الزوجة وإهانتها، والحط من شأنها وتعنيفها بألفاظ نابية أمام الأقارب والأولاد، وللرجل الذي يبغض زوجته ويشعر من حوله بأنه يتحملها على مضض، ولا يعطي لها الفرصة لأن تبدي رأيها في أي موضوع فهذا حرام، ويقول: الإسلام كرَّم المرأة ورفع قدرها وأعلى شأنها ونهى عن إيذائها أو إلحاق أي ضرر جسدي أو معنوي بها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم .

ويضيف: اعتبر الإسلام المرأة شقيقة الرجل ونصف المجتمع، وهناك الكثير من التوجيهات القرآنية والنبوية لأن يحترم كل زوج شريكة حياته، وأن يعيش معها على الحب والتآلف والتسامح والتعاون، وكذلك نهى الإسلام عما يمارسه الأزواج من شتم وإهانة لفظية للزوجة، بل اعتبر حسن معاشرة الزوجة واحترامها دليلاً على اكتمال الإيمان، ففي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم .

يؤكد الدكتور أحمد يوسف أن حسن معاشرة الرجل لزوجته من الحقوق المؤكدة للزوجة، ويرى أن هذا لا يعني حسن الخلق في معاملتها فقط، بل إن حسن المعاشرة يكون أيضاً بالتسامح معها، والصبر على عيوبها، خاصة إذا كان ذلك في العيوب الشائعة في النساء مثل مطالبتها بنفقات زائدة أو عصبيتها واندفاعها، لأن عدم الصبر سيؤدي إلى زيادة حدة الخلاف بينهما .

وينصح أستاذ الشريعة الأزواج بأن يتخذوا من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الصبر وتعليم المرأة بالصبر وحسن الخلق كي تتقي الله في زوجها .

ولنا في صحابته رضوان الله عليهم قدوة حسنة، فقد جاء أعرابي يعاتب زوجته، فلما ارتفع صوتها عليه قرر أن يشكوها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما وقف بباب سيدنا عمر رضي الله عنه سمع امرأة سيدنا عمر تستطيل عليه وتقول: اتق الله يا عمر في ما ولاك، وهو ساكت لا يتكلم، فهمّ الرجل بالانصراف وقال في نفسه: إذا كان هذا هو حال أمير المؤمنين فكيف حالي؟ وبينما هو كذلك إذ خرج عليه عمر رضي الله عنه فلما رآه قال له ما حاجتك يا أخا العرب؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين جئت إليك أشكو خلق زوجتي واستطالتها عليّ، فرأيت عندك ما زهدني، إذ كان ما عندك أكثر مما عندي، فهممت بالرجوع وأنا أقول: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي؟ .

فتبسم عمر رضي الله عنه وقال: يا أخا الإسلام إنني احتملتها لحقوق لها عليّ، إنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، مرضعة لأولادي، غاسلة لثيابي، وبقدر صبري عليها يكون ثوابي فقال الرجل: وكذلك زوجتي يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: إذاً، تحملها فإنها مدة يسيرة .

الوعظ أولاً

يرى أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة الدكتور محمد المنسي أنه ينبغي على الزوجين أن يقضيا وقتاً في دراسة وضعهما ومعرفة الأسباب التي تزعج الزوج والأسباب التي تؤلم الزوجة، ويتفقان على تجنب كل واحد منهما ما يؤلم الطرف الآخر، ويقول: لكن إذا ما بدأت الخلافات الزوجية تدب بينهما وبدأت الزوجة تضيع حقوق زوجها فقد قال المولى عز وجل: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً .

ويضيف: والوسيلة الأولى هي أن يعظها فيخوفها مثلاً من عدم رضا الله عنها، مبيناً حقه عليها وما أوجبه الله عليها من طاعة لزوجها، وأن الضرر سيلحقها بسقوط نفقتها ولا يضربها في البدء .

ويشير الدكتور المنسي إلى أنه لا يجوز للزوج أن ينتقل من مرحلة إلى أخرى بعد لحظات من استخدامها، بل إن كل مرحلة يجب أن تأخذ وقتاً يمكن فيه للزوجة مراجعة نفسها فتعود إلى رشدها، لأنها في أغلب الأحوال تكون حريصة على استمرار حياتها الزوجية، وإن كانت تعتريها بعض حالات الاضطراب الفكري والسلوكي لأسباب طبيعية خارجة عن إرادتها، فإنها بزوال تلك الأسباب تعود إلى رشدها وتفكيرها السليم وسرعان ما تكتشف الخطأ وتعمل جاهدة على تخطي العقبات والمشكلات .

ويضيف: للأسف الكثير من الرجال لا يفهمون الهجر الشرعي الذي حثنا وأرشدنا إليه الإسلام في حالة نشوز الزوجة، فالهجر لا يكون في كل شيء لأنه لا يجوز للزوج أن يهجر زوجته في الكلام أكثر من ثلاثة أيام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين حرمة ذلك فقال: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ولقوله تعالى: واهجروهن في المضاجع، وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل صلى الله عليه وسلم حين أسرّ لحفصة أمراً فأفشته إلى عائشة وتظاهرا عليه .

ويضيف الدكتور محمد المنسي أنه في نشوز المرأة يأتي الضرب في المرتبة الثالثة للإصلاح، فإذا لم يفلح الوعظ والهجر فقد يصلحها الضرب في إطاره الشرعي، فضرب الزوجات ليس مباحاً على إطلاقه، وليس مرفوضاً على إطلاقه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن ليس أولئك بخياركم .

وينبه الدكتور المنسي إلى ضرورة وضع ضرب الزوجات في إطاره الشرعي، فالضرب ليس الوسيلة الأولى لعلاج نشوز الزوجة ولا يعني الإيذاء البدني .