أكد تقرير اقتصادي تصاعد الظاهرة الاحتكارية في العالم العربي وهو ما أدى إلى تصاعد حمى الغلاء والدليل تراجع معدل الادخار إلى مستويات منخفضة للغاية، ففي حين يبلغ المتوسط العالمي للادخار 21%، ويرتفع إلى 39% في بلدان شرق آسيا ويصل إلى ذروته في الصين مسجلا 47%، فإن المستوى لا يتعدى في الدول العربية الغنية بالنفط أكثر من 18% على الرغم من تمتعها بمستوى دخل جيد، وكل هذا بسبب عدم تمكن العرب من التوفير لأن الغلاء يستولي أولا بأول على كل ما يوفره المواطن، وكل هذا يعود إلى تفشي ظاهرة الاحتكار. وتواجه الدول العربية صباح كل يوم صداعاً مؤلماً من دون علاج محدد له فالسوق العربية كلها بشكل عام في قبضة مافيا الاحتكار فمن يتحمل المسؤولية، الحكومات أم جمعيات حماية المستهلك أم الشعوب؟ لكن مما يزيد الأمور تعقيدا أن أيدي الجميع صارت مغلولة أمام مافيا يتزايد نفوذها
كل يوم وهو ما يطرح السؤال عن كيفية مواجهة مشكلة.
الخليج طرحت القضية للنقاش في محاولة لإيجاد حلول لها والإجابة في التحقيق التالي:
حول تداعيات ظاهرة الاحتكار على المجتمع تقول الدكتورة نجوى خليل مدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة: المتابع للواقع الاقتصادي العالمي سيجد فعلاً أن الاحتكار انتشر في مختلف السلع والأنشطة التجارية وهو أمر يعود بسبب أساسي إلى تراجع دور الدولة في دعم محدودي الدخل ومراقبة الأسواق، وهو ما أتاح لطبقة جديدة من التجار الجشعين الظهور والتحكم في السوق تحت مسمى الاقتصاد الحر وهو أمر يهدد أمن وسلامة المجتمع إلى حد كبير فالاحتكار له تأثيرات سلبية على النشاط الاقتصادي وكذلك على المسألة الاجتماعية برمتها ونحن نشهد في الآونة الأخيرة اضطرابات في السوق الاقتصادية وفي القضايا الاجتماعية ونلاحظ أن كل الاحتجاجات التي شهدتها بعض العواصم العربية ارتبطت بغلاء المعيشة نتيجة لاحتكار السلع ورفع أسعارها من قبل الجشعين اقتصادياً واجتماعياً، لأن النشاط الاقتصادي في بلادنا لا يتم وفق القانون، فالعلاقات هي التي تحدد موقع الأفراد من العملية الاقتصادية وبقربهم من دوائر صنع القرار يستطيعون احتكار السلع وخاصة الأساسية سواء الغذائية أو الخاصة بالبناء وغيره.
وتضيف د. نجوى: ومن دون أدنى شك فإن عجز المجتمع عن مواجهة ظاهرة الاحتكار أمر يشكل خطورة كبيرة على الأمن الاجتماعي في هذا المجتمع، فلا يعقل أن يكون هناك أمن اجتماعي بمعنى الكلمة ودخل الفرد الذي يحصل عليه لا يتماشى مع الأسعار السائدة بسبب الاحتكار وحينذاك سيصبح الأسلوب الوحيد لسد حاجات الفرد وأسرته أو بمعنى آخر لسد العجز في ميزانية أسرته هو تلقي الرشوة أو السرقة أو غيرهما من الأمور غير المشروعة، وإذا تمسك الإنسان بشرفه ورفض الانحراف فسيكون عليه أن يعمل طوال اليوم وفي العديد من الأعمال، ولنا أن نتخيل نتيجة ذلك الأمر من ضعف في الإنتاج نتيجة عدم التوفيق بين العمل الأصلي والعمل الإضافي وانهيار أخلاقيات العمل وروح الانضباط والإجادة، إضافة إلى أن ندرة السلع وغلاءها المفروض سيؤديان إلى البطالة، حيث إن أفراد المجتمع سيتنافسون على عدد محدود من الوظائف الإضافية مما يترتب على ذلك التحاق طائفة منهم بالعمل وبطالة الآخرين.
وحول كيفية مواجهة قضية الاحتكار تقول الدكتورة نجوى خليل: أولا على الدولة أن تعمل على مراقبة الأسواق وتفعيل القوانين التي تمنع الاحتكار وتنفيذها على الجميع دون استثناء ولا مانع من تشديد العقوبات وأن تقوم الدولة بإقامة معارض كبيرة لبيع السلع التي تشعر بأن هناك تجارا يحاولون احتكارها وفي النهاية يجب على المستهلك العربي أن يتراجع عن حمى الاستهلاك ويعمل على إيجاد توازن بين دخله وإنفاقه وكذلك على جمعيات حماية المستهلك تفعيل دورها والتوعية بالسلع البديلة.
صور بشعة
وعن المعنى الاقتصادي للاحتكار يقول الدكتور حمدي عبدالعظيم الخبير الاقتصادي: إن الاحتكار نوع من التلاعب الصريح بالأسعار واستغلال حاجة المجتمع لسلعة ما فيتم حبس السلعة حتى تقل بين الناس ويعانون من ندرتها مما يؤدي بهم إلى دفع أي سعر فيها للحصول عليها، ويحقق الاحتكار أرباحاً غير عادية إن لم تكن خيالية حتى وإن كان المنتج الذي يحتكر بيعه أو إنتاجه ليس على مستوى الجودة المطلوبة وهو ما يعني أن المجتمع يخسر كثيراً حيث يضطر الناس إلى الشراء بأسعار عالية وقبول السلعة أيا كان مستوى جودتها.
ويضيف: الاحتكار كظاهرة إنسانية موجود منذ القدم وقد حاربه الإسلام، والثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة. والاحتكار في عصرنا الحالي يأخذ صورا أكثر بشاعة والدليل على ذلك الارتفاع المطرد في أسعار العديد من السلع على مستوى العالم كله في ظل السياسة الرأسمالية التي تركت العنان للمحتكرين دون أن تضع الضوابط القانونية أو الأخلاقية التي تحد من نشاطهم فأصبحنا نشهد اليوم كبار رجال الأعمال يستغلون المشكلات الإقليمية أو الدولية حيث يقومون باحتكار السلع حتى يزيد ثمنها بل إن بعض الدول الكبرى أصبحت تستخدم أسلوب الاحتكار من أجل محاصرة الدول الضعيفة وإجبارها على السير في ركابها.
ويؤدي الاحتكار إلى ظهور ما يسمى السوق السوداء التي ظهرت في العصر الحديث حيث يقوم البعض بتجميع الموارد المالية في أيديهم ويحصلون بها على أكبر قدر من السلع الاستهلاكية أو غيرها من المنتجات الضرورية ويقومون باحتكار بيع وتوزيع هذه السلعة في السوق بهدف الحصول على أكبر قدر من الربح دون الوضع في الاعتبار التداعيات التي يتسبب هذا الأسلوب في شيوعها بالمجتمع ومن أبرزها البطالة والتضخم والفساد والفقر والغش، ولنا أن ندرك حجم الخطر على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في حال انتشار هذه التداعيات للاحتكار، وبالطبع فإن الاحتكار يؤدي إلى العديد من السلبيات لعل أهمها قتل روح المنافسة الشريفة بين الأفراد والدول والتي هي السبيل إلى إتقان العمل وتحسين مستوى الإنتاج كما يدفع الاحتكار القائم به إلى تبديد جزء من الموارد والتخلص منها إما حرقاً أو رمياً في البحر أو غير ذلك خوفاً من انخفاض الأسعار في السوق العالمية، كما أن الاحتكار يكون سبباً في انتشار الحقد والكراهية بين الأفراد مما يساعد على تفكك المجتمع وانهيار العلاقات بين أفراده.
وحول كيفية المواجهة الفعالة لهذه الظاهرة يقول د.عبدالعظيم: أولا يجب أن ندرك أن معظم المحتكرين اليوم هم من الطبقة الرأسمالية الجديدة التي ترتبط بعلاقات وثيقة الصلة بالحكومات العربية والدولية أيضا، فإذا كنا نرغب في التصدي لتلك الظاهرة فعلينا أن نفعّل القيم والحدود والقوانين الإسلامية التي لا تفرق بين الأفراد أيا كانت مواقفهم وكلنا نذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حاول أصحابه التوسط لمنع قطع يد امرأة مخزومية سرقت حيث قال صلى الله عليه وسلم: أتشفعون في حد من حدود الله والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها إنما ضيع الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الفقير أقاموا عليه الحد، وهكذا فإن اقتصادنا ساءت حاله والغلاء انتشر لأننا تركنا الأغنياء والأثرياء الجدد يعبثون باقتصادنا وتفرغنا لإقامة الحد على الفقراء والمعدمين.
المحتسب والسوق
أما الدكتور رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر فيقول: إذا أردنا أن نواجه الاحتكاريين فيجب أن ننشر بين الجماهير والتجار في آن واحد ثقافة الاقتصاد الإسلامي بحيث يدرك المحتكر أنه نفسه يتعرض لأضرار الاحتكار فهو قد يحتكر سوق الحديد ولكنه على الجانب الآخر يضطر إلى الخضوع للمحتكر في مجال السلع الأخرى من غذاء ودواء إلى آخره ليس هذا فحسب بل يضطر أيضا إلى استهلاك مواد غذائية ذات جودة أقل وسعر مرتفع، بالإضافة إلى أنه باحتكاره أي سلعة سيتعرض لعقاب من الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهذا يعني أن شيوع الاحتكار سيعود أثره بالسلب على المحتكر نفسه وهكذا فإننا إذا نشرنا تعاليم الاقتصاد كما شرعها الإسلام فسوف نواجه مختلف الظواهر السلبية الأخرى التي تمخض عنها الاقتصاد الوضعي الذي نتبعه منذ فترات طويلة ولم يؤد لشيء، فالإسلام وضع الأسس السليمة لاقتلاع المشكلة من جذورها وواجه الاحتكار بمنتهى الصرامة حيث تتميز التجربة الإسلامية في هذا المجال بتميز مطلق فالإسلام أقام أول حضارة بها وزير لشؤون السوق وهو المحتسب الذي كان يقوم بمنع الاحتكار ويمنع الغش في السلع ويحمي البيئة، وكان المحتسب يقوم بذلك من خلال وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما المعروف فإنه كل ما يتحقق به مصلحة الناس والمجتمع مما أمر الله به، وأما المنكر فإنه كل ما يلحق ضررا بالمجتمع أو الفرد أو كان معصية نهى الله عنها، ومن وظائف المحتسب في مجال التعامل مراقبة الغش في أصناف السلع والأسعار، والغش في الكيل والميزان والاحتكار والوفاء بالعهود، وتوصيل الحقوق لأصحابها، وبذا يمكن ضمان حقوق أطراف التعامل وعدم وجود تعارض بين المصالح الفردية ومصلحة المجتمع، وضمان سيادة القواعد الإسلامية للنشاط الاقتصادي. ويتعين على المجتمع أن يحسن اختيار المراقبين والمفتشين، وأن يعطيهم السلطة التنفيذية لتطبيق الأحكام مباشرة، وبالطبع فإن الاختصاصات والأساليب التي يتبعها المراقب تختلف باختلاف الأماكن والأزمنة وظروف المجتمع، إلا أنها تتفق في أحكامها العامة ووجوب التزامها بأحكام الشريعة تحقيقا لمصالح الناس.
ولأن الاحتكار أصبح يأخذ الطابع الدولي فإن الشركات والمصانع الإسلامية مطالبة بالعمل على إدخال أحدث أساليب الإدارة والتدريب والتسويق للسوق مما يساهم في خلق كوادر بشرية متميزة والعمل على نقل التكنولوجيا الحديثة في مجال الإنتاج ونظم تحليل البيانات بالإضافة إلى الطرق الفعالة لخفض التكلفة وتطوير المنتجات. وتحفيز المنتج المحلي للعمل على تطوير منتجاته وإجراء تعديلات جوهرية في الهياكل التنظيمية وتحديث وسائل الإنتاج والتسويق والبيع لضمان البقاء فكل هذا كفيل بمنع الاحتكار والتصدي له وبقوة.
الأمن المجتمعي
وعن كيفية مواجهة الشرع الإسلامي ظاهرة الاحتكار يقول الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر: الفقهاء المسلمون.. يعرفون الاحتكار بأنه شراء القوت والمواد الغذائية في وقت الغلاء ثم تخزينها لبيعها بثمن أكبر من الثمن الحقيقي لها في وقت الشدة، والإسلام حرّم الاحتكار لإدراك الشارع الحكيم أنه أهم عنصر تقوم عليه الرأسمالية الجشعة المتسلطة، ويقصد به حبس البضائع عن التداول في السوق حتى تغلو أثمانها ويزداد الإثم إذا كان احتكارا جماعيا، تواطأ عليه تجار نوع معين من البضائع، ومثله أن يحتكر تاجر واحد نوعا من التجارة لحسابه فيتحكم في السوق كما شاء. وهؤلاء تبرأ الله منهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في ذلك: من احتكر طعاما أربعين يوما برئ من الله وبرئ الله منه.
وقد احتوى الإسلام على نظام اقتصادي فريد من نوعه حيث يقدم تجربة قادرة على التغلب على الاحتكار بعكس الأنماط الاقتصادية الأخرى فالنظام الاشتراكي على سبيل المثال مارست فيه الدولة الاحتكار مما قلل من جودة السلع والمنتجات أما في النظام الرأسمالي فلا يوجد ما يواجهون به ممارسة الأفراد والشركات للاحتكار وهكذا فقد فشل كلا النظامين في الوقت الذي وضع فيه الإسلام العديد من الأطر والآليات التي تتيح للدولة وللمجتمع مواجهة المحتكر وإجباره على إعادة النظر في ممارساته حيث أباح الإسلام لولي الأمر إنذار المحتكر ببيع السلعة التي يحبسها عن الناس فإذا رفض يجوز للدولة أن تتدخل وتصادر السلعة لرفع الظلم الذي يتعرض له المجتمع بسبب الاحتكار. ويقول الفقهاء في ذلك إن من احتكر سلعة يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى فقد ارتكب وزراً كبيراً ومن أجل ذلك نجد الإسلام يرفض التجارة في المحرمات وتكوين الثروات من خلال الاحتكار والتلاعب بالأسعار فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون. والرسول نهى عن التدخل المفتعل في السوق من أجل الكسب السريع. كما يؤكد الإسلام مبدأ: لا ضرر ولا ضرار، وقد كلف ولي الأمر بأن يمنع الاحتكار بكافة الوسائل التشريعية والقرارات التي يرى فيها قدرة على منع الاحتكار.
وهكذا فإن الدولة الإسلامية يجب أن تلعب دورها في التصدي للمحتكرين ويجب أن تفعّل قوانين الاحتكار وتنفذ عقوباتها بصرامة شديدة حتى لا تمنح المحتكر فرصة ممارسة أعماله غير المشروعة كما يجب على المؤسسات الدعوية أن تلعب دوراً موازياً لتبصير الناس بأحكام الممارسات التي يقومون بها، فقد يمارس المسلم الاحتكار من دون أن يدري أنه يمارس أمراً مرفوضاً ولكنه عندما تردد على مسامعه مراراً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: من احتكر للمسلمين طعاماً ضربه الله بفقر وإفلاس فإنه من دون شك سيكون لهذا الحديث أثر في حياة المحتكر الجاهل الذي لا يدري أن ما يفعله إثم يضعه تحت طائلة العقوبات الإلهية.
والرسول صلى الله عليه وسلم حرص على توعية الناس من خطر الاحتكار حيث يقول في حديثه الشريف: يحشر المحتكرون وقتلة النفس في درجة واحدة وهكذا عمل الإسلام على تبصير الفرد والجماعة بخطر الاحتكار كما طالب الحكومات الإسلامية بالعمل على توفير السلع الضرورية التي ندرت بسبب احتكارها من قبل الجشعين من التجار وعندما توفر الدولة السلعة فسينخفض السعر ويخسر المحتكر ولا يلجأ لهذه الوسيلة أبدا بعد ذلك. وقد أباح الإسلام للدولة اتباع أسلوب التسعير إذا وجدت أنه لا توجد وسيلة أخرى لمكافحة الاحتكار فيجوز لها حينذاك أن تحدد ثمنا معلوما للسلعة النادرة بشكل لا يظلم البائع ولا المشتري.
صحة المستهلكين
ومن جانبه يقول الدكتور منيع عبدالحليم محمود الأستاذ في جامعة الأزهر: الاحتكار يحدث بسبب الطمع من جانب التجار الذين يسهم جشعهم في غلاء الأسعار وقد أفتى العديد من الفقهاء بأن القواعد الشرعية توصي بضرورة اللجوء للقوة في مثل هذه الأمور لكسر طوق الاحتكار الذي فرضه كثير من التجار غصباً وظلماً، لما فيه من التضييق على المسلمين وأنا مع هذا الرأي خاصة في ظل إصرار المحتكرين على المضي قدما في هذا الأسلوب غير الإنساني في المتاجرة بأقوات الناس وغيرها من السلع التي تشكل جانبا مهما من الجوانب التي تقوم عليها حياة المسلمين.
فمن المؤكد أن السبب الرئيسي لما يعانيه المسلمون هذه الأيام من غلاء في الأسعار يعود بالدرجة الأولى للاحتكار الذي يمارسه بعض التجار محذرا من أن السكوت والتغافل عن هذا الأمر سيؤديان إلى أمور لا تحمد عقباها من تضخم ورداءة السلع وإهدار صحة المستهلكين وضرر مباشر على اقتصاد الناس وفيه حد من حرية تدفق المنتجات إلى الأسواق وعرقلة أصحاب القدرات الذين يريدون المنافسة في المجالات المختلفة. ومن المؤكد أن للاحتكار أضراراً كثيرة، فبخلاف الفساد الذين ينشرونه في البلاد من رشوة وغيرها فإن المحتكرين يبذلون أموالاً طائلة كي لا يدخل غيرهم في السوق، ويتواطؤون مع من يبقيهم ويمنع غيرهم، وهذا بالتأكيد يؤدي إلى زيادة التقسيم الطبقي للمجتمع وتولد الشحناء والبغضاء بين فئاته.
وأضاف: الاحتكار محرم شرعاً، من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب وبين غيره، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس. ومن الأمور التي أكدها العلماء أن من احتكر سلعة يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى ويخرج السلعة إلى السوق ويبيعها لأهل الحاجة إليها بالسعر الذي اشتراها به ولا يزيد عليه شيئا لأنه منع الناس منها بشرائها من غير وجه حق فيجب أن يمكنهم منها بالسعر الذي كانوا يشترونها به لو لم يتعد عليها، ليس هذا فحسب بل إن الفقهاء أكدوا أن الشريعة الإسلامية تبيح لولي الأمر التدخل في حال امتناع المحتكر عن ذلك بحيث يجبر على إخراج السلعة وبيعها للناس فإن رفض أخذت السلعة منه وتقوم الدولة ببيعها ولا يعطي إلا رأسماله الذي اشتراها بها حسب تقدير المتخصصين في الدولة، على اعتبار أن الاحتكار لا يمثل فقط جريمة مخلة بالشرف ولكنه يمثل في شرع الله جريمة محرمة وهي بإجماع العلماء من البغي والإفساد في الأرض.