لا تقتصر الاختلافات بين الجنسين على الصفات الجسدية فقط، وإنما تمتد لتشمل الكثير من الخصائص الفكرية والسلوكية أيضاً، فيلاحظ أثناء اللعب أن الأولاد يميلون إلى العنف والجري والسباق وكرة القدم وغيرها من الرياضات العنيفة، بينما تميل البنات إلى الهدوء والسكينة وممارسة الرياضات الخفيفة.

هل هذه الاختلافات ترجع إلى الجينات والهرمونات أم إلى التربية والبيئة؟ إذا كان هؤلاء الأطفال يربون في الظروف الاجتماعية والبيئية نفسها، وقد ينتمون إلى أسرة واحدة، أو تجمعهم مدرسة واحدة وفصول مشتركة، فكيف ينشأون بهذا التفاوت والاختلاف؟

تباينت وجهات النظر حول الاختلاف بين المرأة والرجل منذ خلق الله آدم وحواء إلى اليوم، فيرى البعض أن مصدر الاختلاف بيولوجي، بينما يعتقد البعض الآخر أنه بيئي مجتمعي. وثبت علمياً أن مركز الدماغ عند المرأة يملك مجموعة من الاختلافات في الناحيتين التشريحية والهرمونية بالمقارنة مع مثيله عند الرجل، فما هي طبيعة هذا الاختلاف؟

يقول المختصون إن الاختلافات بين سلوكيات الرجل والمرأة ليست موروثة، ولكنها نتاج تأثيرات مجتمعية لما يتوقعه المجتمع من كل منهما، وهي اختلافات يمكن اكتشافها بتتبع تركيبة الشبكة العصبية في مخ كل منهما لحظة الميلاد.

والرجل بفطرته يحب اللون الأزرق، بينما تقل لديه المقدرة على تحمل الألم، وللمرأة ميل فطري لإظهار العطف تجاه الآخرين، بينما تفتقد القدرة على إلقاء النكات.

إذن هناك اختلافات جوهرية عدة بين عقلي الرجل والمرأة، ويظن البعض أن السبب في هذه الاختلافات الجينات التي تشكل وتقولب عقولنا.

ولقي هذا الاعتقاد رواجاً بعد نشر مجموعة من الكتب التي تناولت الموضوع مثل كتاب الرجال من المريخ والنساء من الزهرة للكاتب الأمريكي جون جراي، الذي تناول فيه الفروق الفطرية بين مخي الرجل والمرأة.

ويقول الباحثون إنه إذا سلمنا بما يقوله الآباء عن ضآلة الفرص أمام الأولاد لاكتساب لباقة الحديث وضآلة فرص البنات لاكتساب مهارات التعامل مع المسائل الرياضية، فقد يضع ذلك عراقيل خطيرة وغير مبررة أمام تعليم الأطفال.

وتقول كورديليا فاين في كتاب لها بعنوان أوهام النوع الجنسي إنه ليس هناك اختلافات عصبية بين الجنسين، وربما تكون هناك بعض الفروق الطفيفة في التركيبة الدماغية لكل منهما.

ويقول أحد الباحثين في جامعة ملبورن في أستراليا إنها فروق مرنة وقابلة للتغيير.

وباختصار، فإن عقولنا ليست رهن النوع، ذكراً كان أم أنثى، ولا رهن الجينات، وهؤلاء الذين يدعون غير ذلك ليسوا سوى أشخاص ذوي أنماط عقلية قديمة تفتقر إلى المصداقية العلمية.

وتقول ليز اليوت، أستاذ مشارك في كلية شيكاغو الطبية، تشير كل الأدلة العلمية إلى عدم وجود أي نوع من الاختلافات النوعية بين مخي الذكر والأنثى.

وبالرغم من وجود اختلافات سلوكية أساسية بين الجنسين، فإن علينا ملاحظة أن تلك الاختلافات تزداد بتقدم العمر، وذلك بسبب المبالغة في التحيز للطريقة التي يفكر بها الأطفال الذكور التي عززتها ثقافة النوع الاجتماعي لدينا.

والأطفال لا يرثون الاختلافات الفكرية ولكنهم يتعلمونها، فهي إذن نتاج ما نتوقعه من الطفل ولداً كان أم بنتاً، فالصبية من الأطفال تتنامى لديهم مهارات مكانية، ليس بسبب تميزهم الفطري ولكن لأننا نتوقع منهم ذلك بل ونشجعهم على أن يكونوا أقوياء في مجالات مثل الرياضة التي تتطلب مهارة في الإمساك والرمي والجري مثلاً.

وعلى الجانب الآخر، يتوقع دائماً من البنت أن تكون أكثر عاطفية وأن تكون لديها مهارات أكبر في الحديث، وعلى هذا الأساس يشجعها على تطوير هذه المهارة من قبل الآباء والمعلمون.

وهذه القضية مثار للجدل بين العلماء، إذ إن البنت تبدأ في التحدث قبل الولد ربما بشهر تقريباً.

يقول روبرت بلومين، أستاذ في معهد الأطفال في لندن هذا الاختلاف طفيف جداً بالمقارنة بمجموعة الاختلافات الكبيرة في القدرات اللغوية التي تميز بين الأشخاص. وتوصلت دراساته إلى أن 3 % من الفروق في القدرات اللغوية لدى الولد والبنت تعود إلى النوع، موضحاً أنه يعمد الناس إلى تجاهل التشابه الكبير بين الولد والبنت وبدلاً من ذلك يركزون على الاختلافات البسيطة بينهما.

وفي بحث لها نشرته أخيراً مجلة نيو ساينتيست الأمريكية، تؤيد اليوت وجود اختلافات بسيطة جداً بين الولد والبنت، والرجل والمرأة.

وليست هناك أدلة على وجود فروق بين مخي الذكر والأنثى في ما يتعلق بالقدرة على التحدث أو أداء العمليات الحسابية أو أي من المهارات المعرفية الأخرى. وتضيف اليوت كان دائماً يقال لنا إنه ليس هناك ما في وسعنا عمله لتحسين امكاناتنا لأنها فطرية، وهذا خاطئ، فالأولاد يستطيعون تطوير مهاراتهم اللغوية وتستطيع البنات اكتساب المهارات المكانية.

وباختصار، فإن المرأة تستطيع قراءة الخرائط، بالرغم من الادعاءات بافتقادها القدرات المكانية التي تمكنها من فعل ذلك، ويستطيع الرجل أن يتعلم كيف يظهر تعاطفه تجاه الآخرين.

وتقول كورديليا فاين عدد كبير من الدراسات التي أثبتت وجود اختلافات بين مخي الذكر والأنثى ينقصه المصداقية، لأنها اعتمدت على اختبارات أجريت على عدد قليل من الأشخاص، إضافة إلى أن نتائجها كانت فردية إذ لم يؤكدها علماء آخرون، ونشرت هذه النتائج وقبلها المعلمون وآخرون كدليل على وجود فروق جوهرية بين الولد والبنت. وبالفعل فإن الفرق بين الذكر والأنثى موجود، ولكنه متخف تحت عباءة التعصب النوعي وسوف يؤدي إلى تغييرات كبيرة في طرائق تعليم الأطفال.

هل يجب علينا إذن أن نوقف رحلة البحث عن فروق جوهرية بين النوعين؟ تقول اليوت نعم، يجب ألا نجهد أنفسنا في البحث عن هذه الاختلافات، فليس لدينا ما يمكننا القيام به لتغيير أدمغتنا، فكل مهارة وكل سمة من سماتنا الشخصية قولبتها الخبرة والتجارب التي مررنا بها.

ويقول سايمون بارون كوهين، عالم النفس وخبير التوحد في جامعة كمبريدج تتناسب تركيبة مخ الفتاة مع صفات شخصية مثل التعاطف، بينما تناسب تركيبة مخ الولد مع مهارات التفهم والأنظمة البنائية.

ويقول الخبراء إن للطبيعة التأثير الأكبر في تطور المهارات والسمات الشخصية لدى الإنسان بنوعيه، ولا تورث هذه الاختلافات ولكن يتعلمها الفرد من بيئته الاجتماعية، فلا يولد الصبية ولديهم مهارات مثل قراءة الخرائط، أو قيادة السيارة، أو المهارات الحسابية، أو ميلهم للون الأزرق. وكذلك الحال بالنسبة للبنات.

طريقتان والهدف واحد

ويقول جون جراي مؤلف كتاب الرجال من المريخ والنساء من الزهرة إنكار الذات لدى الرجل يتضح جلياً في مقدرته على الإنجاز وتحقيق النتائج الايجابية في جميع مجالات الحياة، بينما ينعكس إنكار المرأة لذاتها في تلك المشاعر الفياضة التي تميزها والعلاقات الاجتماعية الجيدة. وفي الوقت الذي يؤكد فيه علماء النفس والناشطون في مجال حقوق المرأة وجود تشابه بين المرأة والرجل، يقول جراي إن هناك اختلافات بين الرجل والمرأة كما لوكان كل منهما قدم من كوكب مختلف.

ويقول إن النساء دائمات الشكوى إذا تعرضن إلى مشكلة ما لرغبتهن في الاعتراف بها، بينما يشكو الرجال عند تعرضهم للمشكلات بهدف إيجاد حلول لها. ويوجد اختلاف في ردود أفعال الرجل والمرأة في حال تعرضهما لمشكلة ما. ويضيف: أن أغلبية الرجال يقدمون على الانسحاب حتى يجدوا حلاً للمشكلة، فالانسحاب بالنسبة لهم مهلة لإبعاد تفكيرهم عن المشكلة والانشغال بشيء آخر، ما يمنحهم الفرصة لإعادة التفكير فيها بمنظور جديد ومختلف، بينما تعمد النساء إلى الحديث عن المشكلة كرد فعل طبيعي، حتى ولو لم يثمر الحديث عنها إيجاد حلول لها، فالرجل ينأى بنفسه عن المشكلة، بينما تتقرب المرأة إليها وهدف كليهما واحد وهو محاولة إيجاد الحل.