نزلت سورة البقرة في المدينة بالاتفاق، وقيل هي أول ما نزل بالمدينة، وقيل نزلت سورة المطففين قبلها، بناء على أن سورة المطففين مدنية، ولا شك في أن سورة البقرة فيها فرض الصيام، والصيام فرض في السنة الأولى من الهجرة، فرض فيها صوم عاشوراء، ثم فرض صيام رمضان في السنة الثانية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام سبعة رمضانات أولها رمضان من العام الثاني من الهجرة، فتكون سورة البقرة نزلت في أواخر السنة الأولى من الهجرة أو في أول الثانية .
محتويات السورة
اشتملت هذه السورة الكريمة على معظم الأحكام التشريعية: في العقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، وفي أمور الزواج، والطلاق، والعدة، وغيرها من الأحكام الشرعية .
وقد تناولت الآيات في البدء الحديث عن صفات المؤمنين، والكافرين، والمنافقين، فوضّحت حقيقة الإيمان، وحقيقة الكفر والنفاق، للمقارنة بين أهل السعادة وأهل الشقاء .
ثم تحدثت عن بدء الخليقة فذكرت قصة أبي البشر آدم، وما جرى عند تكوينه من الأحداث والمفاجآت العجيبة التي تدل على تكريم الله جل وعلا للنوع البشري .
ثم تناولت السورة الحديث بالإسهاب عن أهل الكتاب، وبوجه خاص بني إِسرائيل اليهود لأنهم كانوا مجاورين للمسلمين في المدينة المنورة، فنبهت المؤمنين إِلى خبثهم ومكرهم، وما تنطوي عليه نفوسهم الشريرة من اللؤم والغدر والخيانة، ونقض العهود والمواثيق، إِلى غير ما هنالك من القبائح والجرائم التي ارتكبها هؤلاء المفسدون، مما يوضح عظيم خطرهم، وكبير ضررهم، وقد تناول الحديث عنهم ما يزيد على الثلث من السورة الكريمة، بدءاً من قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ إلى قوله تعالى: وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمهُن .
وأما بقية السورة الكريمة فقد تناولت جانب التشريع، لأن المسلمين كانوا -وقت نزول هذه السورة - في بداية تكوين الدولة الإِسلامية وهم في أمسّ الحاجة إِلى المنهاج الرباني، والتشريع السماوي، الذي يسيرون عليه في حياتهم سواء في العبادات أو المعاملات .
وتنقسم أغراض سورة البقرة إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم .
ارتباط العلم بالخلافة
وَإِذْ قَالَ رَبكَ لِلْمَلائِكَةِ إِني جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدسُ لَكَ قَالَ إِني أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، (سورة البقرة: 30)، وفي الآية التالية مباشرة قال عز وجل: وَعَلمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلهَا ثُم عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، (آية 31) .
وهو ربط مباشر بين الخلافة في الأرض وبين العلم ما يعني أنه إذا أردت أن تكون مسؤولا عن الأرض فيجب أن يكون عندك علم، ولذا علّم الله تعالى آدم الأسماء كلها، وعلّمه أدوات الاستخلاف في الأرض: الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمَرَاتِ رِزْقاً لكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ، (آية 22)، وهذا إرشاد للمسلمين بأنهم إذا أرادوا أن يكونوا مسؤولين عن الأرض فلا بد لهم من العلم مع العبادة فكأن تجربة سيدنا آدم هي تجربة تعليمية للبشرية، ثم جاءت الآية: فَأَزَلهُمَا الشيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِما كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُو وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَر وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (آية: 36) ترشدنا إلى أن النعمة تزول بمعصية الله تعالى، وتختم قصة آدم بآية مهمة جداً: قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِما يَأْتِيَنكُم مني هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (آية: 38) وهي تؤكد ما ورد في أول سورة البقرة (هدى للمتقين) ومرتبطة بسورة الفاتحة (إهدنا الصراط المستقيم) .
فساد بني إسرائيل
ثم تقدم السورة أنموذجاً فاشلاً من الاستخلاف في الأرض فتقدم قصة بني إسرائيل الذين استخلفوا في الأرض فأفسدوا: يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيايَ فَارْهَبُونِ (سورة البقرة: 40)، وأول كلمة في قصة بني إسرائيل وأني فضلتكم على العالمين أي أنهم مسؤولون عن الأرض، وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم في (الآيات من 49 إلى 52)، وهي نعم كبيرة وعظيمة منها نعمة النجاة من فرعون: وَإِذْ نَجيْنَاكُم منْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء من ربكُمْ عَظِيمٌ (آية 49)، ثم نجاتهم من الغرق وهي آية أعظم: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَييْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، (آية 50)، ثم نعمة الغفران لما ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُم اتخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ، (آية 51)، ثُم عَفَوْنَا عَنكُمِ من بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلكُمْ تَشْكُرُونَ، (آية 52) .
وبعد ذلك استعرضت الآيات من 55 إلى 61 أخطاء بني إسرائيل (بهدف إصلاح الأمة الإسلامية)، وفي عرض أخطاء بني إسرائيل التي وقعوا فيها توجيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وإصلاحها .
ابتلاء إبراهيم
وتقدم السورة بعد ذلك نموذجاً ناجحاً للاستخلاف في الأرض فتحكي (قصة سيدنا إبراهيم) وهي آخر تجربة ورد ذكرها في السورة، فالسورة تبدأ بأن الله سبحانه ابتلى آدم في أول الخلق (تجربة تمهيدية) ثم بني إسرائيل فكانت تجربة فاشلة ثم ابتلى إبراهيم فنجح: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمهُن قَالَ إِني جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُريتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظالِمِينَ، (سورة البقرة: 124)، وفي هذه الآية إثبات أن الاستخلاف في الأرض ليس فيه محاباة؛ فالذي يسير على منهج الله وطاعته يبقى مسؤولاً عن الأرض والذي يتخلى عن هذا المنهج: لا يَنَالُ عَهْدِي الظالِمِينَ (سورة البقرة: 124)، وامتحن الله تعالى سيدنا إبراهيم بكلمات فلما أتمهن قال تعالى: إِني جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَاماً، ثم دعا إبراهيم ربه أن يبعث في هذه الأمة رسولاً منهم .