حوار: جمال سالم

أكد المفكر المغربي الدكتور محمد بن شريفة، العميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة وجدة، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والحائز على جائزة الملك فيصل في الأدب، أن أمتنا الإسلامية لا تزال تعاني من الغزو الثقافي الذي يهدد هويتها، ويمسخ ولاء وانتماء أبنائها إليها. وأشار في حواره مع «الخليج» إلى أن الشعوب الإسلامية في حاجة إلى إدراك قيمة تراثها، فمن ليس له ماض ليس له حاضر أو مستقبل.. وقال إنه يحلم باليوم الذي تتحرر فيه أمتنا من آثار الهيمنة الحضارية الغربية ومن الاحتلال الثقافي الغربي لعقول أبنائها.

وفيما يلي نص حوارنا معه في القاهرة خلال مشاركته في اجتماعات مجمع الخالدين:

باعتباركم عضواً في العديد من مجامع اللغة العربية أشهرها «مجمع الخالدين» بالقاهرة.. ما هو تفسيركم لانحسار لغتنا العربية في ديارنا؟

- لا تنحسر أي لغة إلا نتيجة الهزيمة الثقافية لأهلها، ما يؤدي بشكل طبيعي إلى تمدد لغات الأقوياء لملء الفراغ الحاصل نتيجة طبيعية لتقاعس أهل اللغة عن نصرتها في ديارها، وهذا لا يعني قوة اللغة الغازية في ذاتها، ولكنه نتيجة فراغ لغوي أمام اللغات الغازية فامتدت لتملأه بعد أن رفع أهل اللغة الأصلية «الراية البيضاء» ما يعني الاستسلام وفتح عقول وقلوب أبنائها لجيوش الغزو اللغوي، ظنا منهم أن هذا يعلي من شأنهم ويجعلهم في مصاف المتقدمين من أصحاب اللغة الغازية، وقد شخص ابن خلدون القضية في كلمات موجزة في الفصل الثالث والعشرين من كتابه «مقدمة ابن خلدون»، حيث أكد أن المغلوب مولع دائماً بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، لأن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه.

هرم مقلوب

لكن الكارثة ليست في الانقياد اللغوي فقط بل إننا نعاني انقياداً شبه كامل في كل أمور حياتنا.. فما تفسيركم؟

- السبب تراجع همتنا في حماية ديارنا الثقافية، وفي عصر الفضائيات والإنترنت أصبح لدى الغازي وسائل جديدة عابرة للحدود وقادرة على الدخول إلى غرف نومنا وتقوم بتشكيل عقول أبنائنا من جديد، وتقلب هرم الأولويات، وكما هو معروف فإن اللغة هي وعاء الفكر، وبالتالي فإن الغزو اللغوي يتبعه تلقائياً تغير في منظومة الأفكار والعادات والتقاليد، ومنظومة القيم والأخلاق، والأولويات في عصر أصبح فيه العالم قرية كونية صغيرة.

يقول البعض: لقد ذهب المستعمر بجيوشه منذ عشرات السنين.. فلماذا استمرت أمراض الغزو الثقافي حتى الآن؟

- من المتفق عليه أن الأمراض الثقافية هي من النوع المزمن الذي لا تشفى منه الشعوب بسهولة بل إن رحلة الشفاء التام قد تستغرق عقوداً إن لم تكن قروناً حسب الأدوية والأمصال والتحصينات الوقائية التي يتناولها أهل البلاد التي تعرضت للغزو الثقافي، مع العلم أن الغازي لا يزال يمارس غزوه بوسائل وأدوات جديدة، ولهذا علينا أن نسأل أنفسنا ونجيب بصدق: هل قمنا بتناول الأدوية والتحصينات الوقائية والأمصال من تراثنا بوجه عام وديننا ولغتنا بوجه خاص؟ هل نحن حقا نعتز بديننا وثقافتنا ولغتنا في حياتنا اليومية وليس بالكلام فقط؟ هل نحن بحق نكره ثقافة الغازي ولغته أم نتفاخر بإجادتها على حساب ثقافتنا ولغتنا؟ كم منا من يحرص على تعزيز الثقافة العربية والإسلامية لدى أبنائه منذ الصغر ويؤخر تعليم اللغة الأجنبية حتى يتقن أبناؤه لغتهم كما تفعل الدول التي تحترم لغتها وثقافتها؟ أعتقد أن الإجابة الصادقة تفسر لنا ما نحن فيه من أمراض ثقافية تزداد أعراضها الجانبية كل يوم.

الضحية تحب جزارها

هناك قول مأثور يؤكد أن «العنزة البلهاء تحب جزارها وتهرب إليه» هل ترى هذا ينطبق علينا الآن؟

- يؤسفني بكل مرارة القول إن هذا صحيح بشكل كبير في العديد من دولنا من المغرب إلى المشرق، سواء بين العرب أو المسلمين، وإلا فما تفسيرنا لإقامة بعض الدول احتفالات بذكرى الاستعمار الذي احتلها عشرات السنين؟ وما تفسيرنا لسعي كثير من دولنا العربية والإسلامية للانضمام إلى رابطة الدول الفرنكوفونية وتمني البعض الآخر الانضمام إلى التاج البريطاني وروابط الكومنولث؟ ولهذا علينا أن نعمل على أن تستعيد شعوبنا ذاتيتها وهويتها المسلوبة، وأن تتعلم بلغتها كما تتكلم بها، كما أن الجهل بتاريخ الأمة أو تآمر البعض عليها جعلها تحتفل بذكريات لا قيمة لها في حياتنا مثل اكتشاف كولومبوس القارة الأمريكية الجديدة، وتناسى هؤلاء ذكرى مريرة مرت بنا مثل سقوط غرناطة آخر مدينة للمسلمين في إسبانيا عندما استولى ملك قشتالة الكاثوليكي على المدينة التي حكمها المسلمون لما يقارب ثمانية قرون، والتاريخ خير معلم لمن أراد أن يتعلم حتى لا يكرر الأخطاء، ولكن للأسف نحن نكرر الأخطاء عشرات المرات، لأننا لا نحسن قراءة التاريخ والتعرف إلى ما بين السطور من دروس.

من وجهة نظركم.. ما خطورة استسلام الأمة للغزو الثقافي الشامل من أعدائها؟

- هذا الاستسلام يؤدي إلى مسخ هويتها وجعلها تابعة له، ومن المعروف أن الغزو الثقافي أخطر من الغزو العسكري، لأنه يضمن بقاء انتماء الأجيال لدولة الاستعمار، ولا شك أن استمرار آثار الغزو الثقافي حتى الآن ليس عيباً في الاستعمار ذاته، ولكن العيب فينا، لأن لدى شعوبنا الضعيفة القابلية للاستعمار، وقد لخص الشاعر القضية في بيت يكتب بماء الذهب ويتم شرحه في مجلدات:

أنا لا ألوم المستبد إذا تحكم واستبد
من شأنه أن يستبد وشأننا أن نستعد
وأنا أحلم بيوم يتحرر فيه المسلمون من آثار الهيمنة الحضارية الغربية ومن الاحتلال الثقافي الغربي لعقول أبنائها.

باعتباركم عميداً سابقاً لكلية الآداب.. ماذا تقول في عصرنا الذي غلبت فيه الماديات على كل شيء في حياتنا حيث لم تعد للأديب وظيفة مهمة في حياتنا المعاصرة كما كان الأمر في السابق؟

- يمثل الأديب الحق في كل زمان ومكان وجدان البشرية والتعبير الصادق عن روحها، لأنه مهما طغت الماديات على حياة الإنسان الطبيعي منا فلا يمكن أن يعيش بلا روح، وقد يتراجع الاهتمام بالأدب في عصر ما ولكن سيظل موجوداً وله أهله، الذين يهتمون به وينتمون إليه، لأنه المعبر عن آمال أمته وآلامها بصدق وموضوعية، وبالتالي لا يمكن أن نتصور شعباً بلا أدب إلا إذا كان شعباً همجياً يعيش في عصر الغابة وليس له ماض أو حاضر أو مستقبل.

بصمات استعمارية

رغم مرور عقود على تحرر دول المغرب الغربي من الاستعمار الفرنسي إلا أن بصماته ما زالت باقية حتى الآن في الثقافة بوجه عام واللغة بوجه خاص.. فكيف يمكن تأكيد الهوية العربية والتخلص من تبعات الغزو الثقافي؟

- حرص المستعمر الفرنسي على مصاحبة الغزو الثقافي لجيوشه في البلدان التي احتلها في مختلف قارات العالم، ولهذا فإن آثاره السلبية لا تزال موجودة على أرض الواقع رغم انسحاب عساكره، وقد ساعد القرب الجغرافي لدول المغرب العربي من جغرافية المستعمر - حيث لا يفضل بينهما سوى البحر المتوسط - على تركيزه الأكبر عليها وتشجيع أبنائها على السفر إلى فرنسا والعكس، ما جعل الاستعمار الثقافي الفرنسي أكثر قوة من الدول البعيدة جغرافيا عن فرنسا، ولهذا فإن التعافي من آثار سرطان الغزو الثقافي لن ينتهي بين يوم وليلة وإنما يستمر عقوداً، لأن غزو العقول مرض مزمن، وقد يؤدي إلى الشلل الفكري إن لم تكن لدى المصاب رغبة حقيقية في الشفاء وتناول الأدوية الدينية والوطنية والثقافية اللازمة للشفاء، وقد تطول أو تقصر مدة التعافي حسب ما يتلقاه المريض من أدوية قوية وما لديه من مناعة ذاتية تجعله يرغب حقيقة في استرداد هويته والاعتزاز بثقافته بوجه عام ودينه ولغته بوجه خاص.

رسالة الأدباء

باعتباركم من كبار المهتمين برموز الحضارة الإسلامية خاصة في منطقة المغرب والأندلس.. كيف تفاعل الأديب العربي والإسلامي مع قضايا أمته وعبر عن آمالها وآلامها؟

- لا بد للأديب من الاهتمام بالجانب الثقافي بكل تفاصيله، وأن يشارك في مشاريع حضارية عربية وإسلامية تبدأ من الماضي وتعبر إلى المستقبل من خلال تنشيط ذاكرة الحاضر فمثلاً يقال: «الشعر هو ديوان العرب» في مختلف العصور وفي القلب منها عصور ازدهار الحضارة الإسلامية حيث عبر الشعر- بوجه عام - عن أمجادها وانتصاراتها وتفوقها، ولهذا فإن كل أمة تحترم تاريخها نجدها تفخر بأدبائها بوجه عام، وهم ليسوا مجرد مسجلين للوقائع التاريخية - كما قد يظن البعض - وإنما هم أصحاب وظائف أخلاقية سامية بل إن بعضهم قد يمثل أداة من أدوات الدعوة إلى مكارم الأخلاق بشكل قد يفوق الداعية الروتيني الذي لا يؤمن بأنه صاحب رسالة.

ما خطورة قيام بعض أدعياء الأدب بالخروج عن اللغة الأدبية الرصينة والمؤثرة إلى ارتجال أي كلام بلا معنى أو تأثير وعندما يتم نقده يقول إنه يؤمن بمقولة: «الأدب للأدب»؟

- أدعياء الأدب هم أحد مظاهر الأمراض الثقافية التي تعيشها أمتنا ولست مبالغاً إذا قلت إن بعضهم عملاء لأعداء الحضارة العربية والإسلامية، ولهذا نجدهم يمقتون التراث ويهاجمونه بأشد الألفاظ، وفي الوقت نفسه يمجدون ويشجعون كل وسيلة تبعد الأمة عن ماضيها، ويحاربون الفضائل ومكارم الأخلاق حتى إنهم يحولون الأدب إلى «قلة أدب» باسم حرية الإبداع والتعبير، ولهذا فنحن أنصار الحرية المنضبطة بالدين والأخلاق، لأن الحرية المطلقة ما هي إلا فوضى في حركة الحياة.
فرية تاريخية

باعتباركم من عشاق الأدب والتاريخ الأندلسي وعضوا بالأكاديمية الملكية للتاريخ في إسبانيا.. ما قولكم بأن «محاكم التفتيش» ضد المسلمين كانت بسبب تعسف الحكام المسلمين ضد الإسبان وإجبارهم على الدخول في الإسلام؟

- هذه فرية تاريخية يبرر بها المعتدون محاكمهم الوحشية ضد المسلمين الذين حكموا الأندلس قرونا، وتشهد المراجع التاريخية المحترمة أن المسلمين احترموا عقيدة أهل الأندلس الإسبانيين الذين لم يعتنقوا الإسلام، حيث سمحوا لهم بممارسة دينهم وأعرافهم، حيث كان المجتمع تعددياً سادت فيه الحرية والتسامح وانعدام التمييز، حتى إن المسلمين والمسيحيين واليهود كانوا يعيشون جنباً إلى جنب في سلام لما يقارب ثمانية قرون، وكانت قرطبة عاصمة الأندلس مركزاً حضارياً متقدماً وغنياً بالحضارة الإسلامية الإسبانية، وقبلة راغبي العلوم من أوروبا التي كانت تعيش في عصور الظلام، في الوقت الذي كانت فيه قرطبة في أوج ازدهارها ومكانتها العظيمة، وبالتالي فإن من دخل في الإسلام منهم فعل ذلك بكامل حريته وإرادته وقد أبدع المسلمون طوال تاريخهم في الأندلس تراثاً علمياً وأدبياً ومعمارياً لا يزال شاهداً على تسامحهم على عكس الأوضاع ابتداء من العام 1492، والذي انتهت فيه السيادة السياسية للمسلمين في إسبانيا، وتم تخيير المسلمين بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يعتنقوا الكاثوليكية أو النفي من إسبانيا، فاعتنق بعضهم الكاثوليكية واختار آخرون النفي في حين فضل آخرون ممارسة دينهم سراً.

الغرب الإسلامي

أنتم من كبار الباحثين المغاربة المهتمين بتراجم أعلام «الغرب الإسلامي».. فما هو دافعك لإفناء عمرك في إحياء تراجم الأعلام في الأندلس في مختلف العلوم؟

- قديما قالوا: «من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له»، لأنه يصبح كالشجرة بلا جذور فتكون في مهب الريح، ولهذا فكرت وقررت ونفذت الاهتمام بتراجم الأعلام كوسيلة لترسيخ هوية الغرب الإسلامي، ما يؤكد تواجد الحضارة الإسلامية بصورة فعالة في تلك المنطقة الحيوية من العالم، وبالتالي يكون ذلك أبلغ رد على من ينكرون أي فضل لحضارة العرب والمسلمين، رغم أن شواهدها موجودة في الأندلس، ولهذا اتخذت من هذا الإحياء لتراجم الأعلام وسيلة لضبط حركة التاريخ في هذا الجناح من الغرب الإسلامي، الذي قصر أبناؤه في التعريف بأعلامهم.

الأدب الأندلسي له سمات خاصة تميزه عن غيره من الآداب.. فهل أخذ الاهتمام الكافي؟

- للأسف الشديد ما يتم الاهتمام به يمثل القشور من هذا الأدب، وبالتالي فإن الأدب الأندلسي لا يزال يفتقر إلى العناية، كما أن الدراسات عن أعلام هذا الأدب ظلت مقصورة على الطائفة المشهورة منهم فقط، في حين بقيت شخصيات أدبية رائعة تعاني التجاهل الذي يصل إلى درجة الإهمال، رغم أنها جديرة بالدراسة، ولا شك أن اهتمامي بالأندلس سبب حصولي على جائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي عن دراساتي عن الأدب العربي في الأندلس.

قلت: «إن بلاد المغرب تحمل عبء إحياء التراث الأندلسي».. فلماذا قصرت هذه المهمة على المغاربة دون غيرهم؟

- ما دفعني لقول ذلك شعوري بهول التقصير عند المغاربة في التعريف بأعلامهم، سواء من استقر منهم في المغرب أو هاجر واستقر بالأندلس، والتنبيه إلى هذا التقصير ليس وليد اليوم بل سبقني في التحذير منه قبل قرون العلامة المغربي «ابن عبد الملك المراكشي»، الذي توفي سنة 703 هجرية، حيث عاب على المغاربة إهمالهم وتقصيرهم في التأريخ لأعلامهم، ولم يقل ذلك من فراغ، ولكن بعد أن وجد الحياة الأدبية بالمغرب على هامش الحياة الفكرية مما نتج عنه ضياع لأخبار أدبائه وآثارهم.

رغم أن التراث الأندلسي تراث عربي مشترك إلا أنكم تؤكدون أنه محسوب على المغرب وراجع إليه.. أليس هذا تعصبا؟

- ليس هذا تعصباً إطلاقاً، بل إنني أمقت كل أشكال التعصب بمفهومه السلبي ولكني أؤمن بأن أهل المغرب هم أقدر من غيرهم على تذوق أدب الغرب الإسلامي، كما أن كثيراً من أعلامه هم من أصول مغربية ويدرك ذلك من لديه علم.