وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . (سورة الاعراف: (200-201) . من المفاهيم الأصيلة في الثقافة الإسلامية الاستعاذة من الشيطان، وفيما يلي اتطرق إلى ثلاثة محاور في هذا الموضوع:
الاستعاذة، والمستعاذ منه، والمعاذ .
الاستعاذة: عندما يواجه الإنسان خطراً لا يقوى على دفعه عن نفسه يلجأ إلى نقطة آمنة تقوى على حمايته ودفع الضرر عنه ويفر من منطقة الخطر التي يتعقبه فيها العدو إلى منطقة آمنة، وهذا اللجوء والفرار هي الاستعاذة وهي طلب اللجوء والحماية والأمن، والاستعاذة مفهوم شائع قديماً وحديثاً فقد كان من عادة العرب أن يحموا من يحتمي بهم ويدخل في حمايتهم ويدافعوا عنه، وهو اليوم مفهوم شائع في العلاقات الدولية في حالات اللجوء السياسي والإنساني، وهو مشتق من المفهوم والمعنى نفسه بتطبيقات معاصرة وحديثة وكما يلجأ الإنسان إلى ملجأ أمين يعوذ به ويحميه من العدو الذي يتعقبه ليفتك به، جعل الله تعالى للإنسان ملاذاً وملجأ يحتمي به من سائر الشرور والأخطار المحدقة والتي تهدد حياته وسلامته، فالأمراض والأوبئة من الشرور التي تهدد حياة الإنسان .
وقد جعل الله تعالى في الطب والتعليمات الصحية ملجأ للإنسان يحتمي به من فتك الأمراض والأوبئة والشرور والأخطار التي تهدد أمنه وسلامته على نحوين: شرور كونية خارج النفس كالأمراض والأوبئة والصواعق والزلازل والفقر والجدب والأزمات الاقتصادية والهزائم العسكرية، وشرور تعمل داخل النفس وهي الأهواء والشياطين التي توسوس داخل النفس وقد ورد ذكر الاستعاذة في القرآن الكريم في آخر سورتين من القرآن الكريم وهما سورة الفلق وسورة الناس وفيهما يأمرنا الله تعالى بالاستعاذه من هذين النوعين من الشرور وهما الشرور الكونية خارج دائرة النفس والشرور التي تعمل داخل النفس وهي الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس - سورة الفلق تختص الاستعاذة من القسم الأول من الشرور قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد وسورة الناس تخص النوع الثاني من الشرور وهي الشرور العاملة داخل النفس الشريرة قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس .
أما عن المستعاذ منه: فهو يعوذ الإنسان بالله في حياته من ثلاث: الفتنة، الهوى، والشيطان . مثلث الابتلاء وهذا هو مثلث الابتلاء في القرآن فالفتن هي كل المغريات الموجودة في واقع حياة الإنسان خارج النفس كالمال والموقع والازواج والبنين والبنات والمراكب وقد جمع الله تعالى طائفة من الفتن في آية في سورة آل عمران . يقول تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب وهذا هو الضلع الأول من مثلث الابتلاء، والضلع الثاني الأهواء وهي مجموعة الغرائز والشهوات والرغبات الكامنة في نفس الإنسان كالميل نحو الجنس الآخر وحب المال وحب الدنيا وحب الموقع وحب الازواج والبنين وما أشبه ذلك . والضلع الثالث من هذا المثلث هو الشيطان ودور الشيطان الأساسي هو الوساطة بين الفتنة والهوى فيزين الفتن للأهواء ويهيج الأهواء ويثيرها تجاه الفتن وهذه مهمة الشيطان الرئيسية في تضليل الإنسان يقول تعالى: يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً (سورة النساء/120) وسلطان هذا المثلث رهيب على الإنسان إذا وقع الإنسان في حصاره ويعلمنا الله تعالى في كتابه أن نعوذ به تعالى من كل واحد من العوامل الثلاثة التي تحدق بحياة الإنسان .
المعاذ: وهو الملجأ الأمين الذي يلجأ إليه الإنسان عندما يطارده ويهدده الشيطان والمعاذ - في القرآن - على أنحاء وأقسام، فالمعاذ الأول في حياة الإنسان هو الله تعالى، يعوذ به الإنسان، ويلوذ به فإن الله تعالى سلام يعطي الأمان والسلام لمن يهرب إليه من الشيطان ولا يستطيع الشيطان أن يمس الإنسان بسوء أو شر إذا عاذ الإنسان بالله تعالى وقد أمرنا الله تعالى أن نعوذ به من الشيطان الرجيم يقول تعالى: وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (سورة المؤمنون/97) والمعاذ الثاني في حياة الإنسان هو التقوى يقول تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (سورة الأعراف: 201)، والتقوى منطقة آمنة في حياة الإنسان لا يدخلها الشيطان وهي أن يعيش الإنسان ويتحرك ويعمل في مساحة الحلال، داخل حدود الله تعالى لا يتجاوزها ولا يتعداها، وليس بإمكان الشيطان أن يتبع الإنسان في هذه المساحة، فإذا احتمى الإنسان بالتقوى حمته من الشيطان، والمعاذ الثالث والرابع هو الإيمان والتوكل على الله يقول تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (سورة النحل/98-100) .