حذر عدد من علماء الإسلام من أن المفاهيم الخاطئة التي ينشرها دعاة اليأس والإحباط تهدد بقتل روح الأمل والطموح في حياة المسلمين، وخاصة الأجيال الجديدة المنوط بها الانتقال بالأمة من حالة الركود الحضاري إلى آفاق التقدم والنهضة . . وأكدوا أن الإسلام دين حياة ونهضة وتقدم حضاري وعمل وإنتاج دائم ويغرس في المسلم بذرة الكفاح والطموح والمنافسة الشريفة للارتقاء بواقعه وواقع المجتمع الذي يعيش فيه، ومن هنا فإن الزهد في الدنيا والابتعاد عن مطالب الحياة الدائمة والمتجددة ليس مطلباً دينياً، بل هو سلبية وركود واستسلام يدينه الإسلام .
ورفض العلماء مظاهر التدين الشكلي التي يحاول بعض المتطرفين غرسها في نفوس شبابنا، مشيرين إلى أن الإسلام يرفض أن يعيش المسلم في عزلة عن المجتمع ولا يهتم كثيراً بالمظاهر الشكلية ويفرض على الإنسان أن يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته، ويحاسبه على حرمان نفسه من الطيبات ورفض مباهج الحياة .
ورفض العلماء "اختزال الإسلام" في لحية كثيفة وجلباب قصير وسواك، كما يفعل أفراد بعض التيارات الدينية المتشددة، مؤكدين أن الإسلام دين حياة وحركة دائمة للإنسان ويفرض على المسلم أن يندمج مع المجتمع وأن يتجاوب مع العلوم والمعارف والخبرات الجديدة، وأن يستفيد من كل ما هو جديد ويوظفه لمصلحة مجتمعه .
في البداية يؤكد المفكر الإسلامي، الدكتور محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن الالتزام الديني لا يفرض على المسلم حياة جافة وكئيبة كما نرى في سلوك بعض المتدينين من رجال ونساء، ويقول: للأسف بعض المتدينين- أو كثير منهم- فهموا التدين فهماً خاطئاً، فالإسلام لا يعادي الحياة، ولا يحرم المسلم من متعة نافعة ومفيدة من متع الدنيا، فالإسلام يحث المسلم على النظافة والتجمل والاستمتاع بكل ما في الكون من أدوات ومظاهر للجمال، ويحث الإسلام المسلم على أن يكون بشوشاً مرحاً يبتسم في وجه من يتعامل معهم، فالبشاشة والابتسامة التي ترتسم على الوجه من شأنها أن تفتح الباب إلى التعارف المأمول والتجاوب المنشود وكسب حب الآخرين وقضاء المصالح لكل الأطراف .

إنهم مخطئون

ويضيف: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، وهذا أبلغ حث على الابتسام والبشاشة في وجوه الآخرين، فالبشاشة في وجوه الآخرين كما تفيد الإنسان في حياته وتعاملاته هي أيضاً تجلب لصاحبها الأجر والثواب من الله . . أما الوجوه العابسة والمتجهمة فالإسلام بريء منها، فالجدية التي ينبغي أن تحكم سلوك المسلم لا تعني العبوس والتصنع والتجهم في وجوه الآخرين، والذين يتصنعون الجدية ظناً منهم أنها من قبيل تقوى الله مخطئون، ولا يفهمون التدين على حقيقته، والإنسان العابس يسيء بتجهمه وعبوسه إلى نفسه لأنه بذلك يتسبب في نفور الناس منه، ويسيء إلى الآخرين لأن مجرد رؤيتهم للوجه العابس المتجهم تصيبهم بشيء من الكآبة يعكر عليهم صفو يومهم ويصدهم عن العمل ويصرفهم عنه، وربما تسري عدوى هذا العبوس إليهم فيتعاملون مع الآخرين على هذا النحو السلبي الذي يقطع أوصال العلاقات بين الناس، ويؤثر سلباً في المجتمع كله .
ويمضي عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر قائلاً: على كل متدين أن يتخذ القدوة والمثل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسولنا الكريم- وهو المثل الأعلى في التدين والالتزام والجدية- لم يعرف عنه أنه كان عابساً متجهماً، بل على العكس من ذلك، فالأحاديث الصحيحة تؤكد أنه كان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم وكان لا يواجه أحداً بشيء يكرهه، وكان دائم البشر، سهل الخُلُق، لين الجانب، وكان عليه الصلاة والسلام من أضحك الناس وأطيبهم نفساً .

الالتزام قبل المظهر

ويلتقط العالم الأزهري الدكتور أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر خيط الحديث من د . زقزوق، ويؤكد أن التدين الحقيقي ليس مجرد مظهر خارجي، ويقول: التدين في جوهره سر بين العبد وربه، هو التزام ديني وأخلاقي قبل أن يكون مظهراً شكلياً، فالتي ترتدي الحجاب ولا تصلي ولا تصوم ولا تلتزم بالآداب والأخلاقيات الإسلامية الفاضلة لا يمكن أن تكون متدينة، وهناك كثير من الناس رجالاً ونساء متدينون وملتزمون دينياً وأخلاقياً يحسبهم الجاهل المهتم بالمظاهر الشكلية بعيدين عن التدين لأنهم يعيشون حياتهم على نحو عادي في ملبسهم ومطعمهم ومسكنهم، ولكنهم لا يؤذون أحداً وملتزمون بواجباتهم الدينية من دون نفاق أو اهتمام بالشكل على حساب الجوهر .
ويطالب د . هاشم بتشجيع التدين الصحيح بين الشباب من الجنسين، وتقديم النصائح والتوجيهات الدينية الخالصة لهم، لكي يكون تدينهم تديناً حقيقياً خالياً من الرياء والاهتمام بالمظهر على حساب الجوهر، وأن نوضح لهم أن التدين الحقيقي ليس رسوماً ولا أشكالاً ولا طقوساً مظهرية، وإنما هو علاقة حميمة تربط بين الإنسان وربه، فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صورنا وأشكالنا ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا كما جاء في الحديث النبوي الشريف .

هدف العبادات

ويصحح د . هاشم بعض المفاهيم الخاطئة العالقة بأذهان وعقول بعض المتدينين الذين يعتقدون أنهم خلقوا للعبادة فقط ولا يهتمون بأعمالهم وواجباتهم الدنيوية انطلاقاً من الفهم الضيق للعبادة في قول الحق سبحانه: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، ويقول: العبادة المقصودة في الآية الكريمة ليست بالمفهوم الضيق للعبادة الذي يتصوره كثير من الناس، فمفهوم العبادة هنا أوسع وأشمل، وتندرج تحته كل الأعمال التي يقوم بها الناس في مختلف الحرف والمهن، طالما أن هدفها هو تقديم الخير للناس والإسهام في تقدم الحياة وازدهارها، والإخلاص في ذلك كله لله عز وجل . . فالمعنى الواسع للعبادة يشمل الالتزام بكل ما أمر الله به، واجتناب كل ما نهى الله عنه، ويدخل في ذلك كل ما يتعلق بصلة الإنسان بنفسه وبالله وبما يشتمل عليه هذا العالم من بشر وكائنات حية وغير حية، وهذا المعنى الواسع لمفهوم العبادة هو المقصود في الآية الكريمة التي أشرت إليها .
أما المعنى الضيق للعبادة فإنه ينحصر في أداء الشعائر الدينية المفروضة من صلاة وصوم وزكاة وحج وصدقات تطوعية وغير ذلك من السنن والمستحبات وهذا يعني أن الشعائر الدينية اليومية أو الموسمية ليست هدفاً في ذاتها، وإنما هي وسيلة تقرب الإنسان من الله وتحسن علاقته بالناس، فالصلاة المفروضة علينا خمس مرات في اليوم والليلة يقول القرآن عنها: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" أي أنها وسيلة لجعل الإنسان ينتهي عما ينهى الله عنه وبالتالي يلتزم بأوامره، والزكاة يصفها القرآن الكريم بأنها تطهير وتزكية للإنسان: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"، والصوم كتبه الله على المؤمنين على أمل أن يتعمق لديهم معنى التقوى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، والتقوى هي طريق القرب من الله تعالى ووقاية من ارتكاب الذنوب والآثام، والحج أيضاً فيه منافع للناس دينية ودنيوية: "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم" .
من هنا يتضح لنا أن العبادات، التي فرضها الله على الإنسان، هدفها صلاح دينه ودنياه، فالإسلام لا يريد من أتباعه أن يقيموا في المساجد بدعوى الانقطاع للعبادة ويتركوا الآخرين يعولونهم فهذا من قبيل التواكل المذموم المنهي عنه في الإسلام، وقد روي أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رأى بعد الصلاة قوماً قابعين في المسجد بدعوى التوكل على الله، فقال لهم كلمته الشهيرة: "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وإن الله تعالى يقول: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" . . وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يتحامل على الناس فسأل عنه فقيل هذا عابدنا أي: هذا إمامنا وقدوتنا في العبادة، فقال صلى الله عليه وسلم: ومن يؤكله؟ فقالوا: كلنا يؤكله، فقال عليه الصلاة والسلام: كلكم خير منه .

صورة منفرة

الداعية الأزهري د . سالم عبد الجليل، وكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق، يحذر ممن سماهم دعاة اليأس والإحباط الذين ينتشرون في كل مكان من أرجاء عالمنا العربي ويضيقون على المسلمين ما وسعه الله عليهم، ويقول: يجب أن نحذر دعاة تخريب العقول الذين يخربون عقول المسلمين بما يقدمونه من آراء وفتاوى متشددة بعيدة كل البعد عن سماحة الإسلام وعدله وشريعته التي تتبنى منهج التيسير على الناس في كل شيء، فهؤلاء الأدعياء الدخلاء على الدعوة الإسلامية يرسمون صورة منفرة وكئيبة للإسلام، فهم يعتقدون أن الإسلام مجرد نقاب للمرأة وجلباب قصير ولحية كثيفة للرجل وعزلة عن كل مباهج الحياة، وهذه نظرة غير صحيحة فالإسلام دين حياة مملوءة بالبهجة كما هي مملوءة بالكفاح، دين يرسم البسمة ويبث روح الأمل والتفاؤل في نفوس الصغار والكبار، دين يشجع على العمل والإنتاج ويدفع المسلم دفعاً لكي يعيش حياته مع زوجته وبين أهله ووسط أصحابه من دون أن يرتكب مخالفات شرعية، لكن المحزن أن الإسلام الذي يقدمه هؤلاء وللأسف من خلال بعض الفضائيات الدينية التي تعمل وتبث كل صور التشدد الديني من دون رقابة أو متابعة "دين جاف معاد للحياة والأحياء"، ولذلك فإن كثيراً من شيوخ الفضائيات الدينية يلحقون الضرر بالإسلام ويصرفون المسلمين عنه، ولا بد أن يتوب شيوخ الفضائيات الدينية عن هذه الخطيئة وأن يعودوا إلى الإسلام الصحيح، الذي يقود المسلم إلى أن يعمل وينتج ويعيش حياته سعيداً مستمتعاً بكل الطيبات التي خلقها الله له بعد أن يؤدي واجباته الدينية والاجتماعية والوطنية ويعطي لكل ذي حق حقه .

اعتزال دعاة اليأس

وينتهي الداعية المصري الشهير إلى مطالبة الجماهير المسلمة في كل مكان باعتزال دعاة العزلة واليأس الذين يغرسون في الناس كراهية الدنيا والزهد في كل مباهجها، فالإسلام لا يقر العزلة عن الحياة ولا يحرم نعم الله فيها . . ويقول: دعاة الاكتئاب والعزلة عن الحياة والذين ينتشرون للأسف في كل بلادنا العربية لا يدركون حقائق الإسلام جيداً، فالإسلام دين يغرس في نفوس أتباعه كل ما يدفعهم إلى أن يعيشوا حياتهم بحلوها ومرها، بأفراحها وأحزانها، بمباهجها ومشكلاتها، والمطلوب من المسلم في كل وقت وفي كل مكان أن يندمج في المجتمع وأن يعمل ويكافح من أجل أن يعيش حياة طيبة في الدنيا .
وهذا يؤكد أن الزهد في الدنيا ليس مطلباً دينياً على الإطلاق، وتطليق الحياة بكل مباهجها وطيباتها لن يقرب الإنسان من خالقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه ويقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر"، فرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء يطلب من خالقه إصلاح معاشه في الدنيا، وإصلاح المعاش يعني توفير كل طيبات الحياة التي تحل للإنسان مشكلاته .
والقرآن الكريم يأمرنا بأن نعيش الدنيا بكل مباهجها ومتاعبها، وأن نتخذها وسيلة للحصول على رضا الله وثوابه في الآخرة، فيقول الحق سبحانه وتعالى: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنْيَا"، لذلك فإن الزهد في الدنيا وطيبات الحياة فيها ليس علامة تقوى ولا دليل صدق إيمان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" .