انشغل العالم شرقه وغربه في السنوات الأخيرة بحقوق الطفل، وتبارت الدول في وضع مواثيق واتخاذ إجراءات وسن تشريعات تضمن حياة آمنة مستقرة لفلذات أكبادنا.
ووسط زحمة الأفكار والاقتراحات والمطالبات نسي البعض أو تناسى أن ديننا الإسلامي العظيم جاء بمنظومة كاملة من الحقوق توفر لأطفالنا كل وسائل الرعاية والحماية، وتضمن لهم حياة مستقرة آمنة، وتعدهم إعدادا عقليا ونفسيا وجسمانيا لكي يكونوا أعضاء صالحين في مجتمعاتهم.
حتى لا يتوقف دورنا على الانبهار بمواثيق حماية الطفل الغربية، ويكون كل همنا تسول الأفكار والاقتراحات والضمانات من هنا أو هناك. نقدم من خلال هذا الباب ما قررته شريعة الإسلام من حقوق للطفل، تفوقت بها على كل النظم والتشريعات والقوانين ولم يعد مطلوباً منا إلا الالتزام بهذه الحقوق والحرص عليها لرعاية أطفالنا وتوفير كل مقومات الحياة الكريمة لهم.
من أبرز الحقوق التي كفلها الإسلام للطفل: حقه في اختيار اسم حسن، فهو في طفولته لا يملك من أمر نفسه أو اسمه شيئاً وليس أهلا لهذا الاختيار، وإنما يختار الأبوان له اسمه، ولذا كان حقا له أن يختار أبواه له اسما حسنا لا اسما سيئا أو مكروها، يتحرج منه بعد ذلك عندما يكبر.. فمما لا شك فيه أن لاختيار الاسم أثرا نفسيا يعود على الطفل بعد ذلك، ومن أجل هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد أحدا يحمل اسما كريها أو قبيحا غيره في الحال، فقد نقلت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح.
يقول الدكتور محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة الإسلامية والأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر: الإسلام يلزم الآباء باختيار الأسماء الحسنة لأبنائهم وقد جاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم تدعون يوم القيام بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم وجاء في حديث آخر من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه وجاء في توجيه نبوي ثالث قوله عليه الصلاة والسلام: من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ فيزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما فإثمه على أبيه.
سلاح ذو حدين
وهناك آثار كثيرة وشواهد متعددة ورد الحديث عنها في كتب السنة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب الاسم الحسن، فكان يأمر إذا بعثوا إليه بريدا أن يكون حسن الاسم، حسن الوجه، وحدث أنه غير عدة أسماء، ونهى عن بعض أسماء لمعان وأسباب متعددة.
ويستهدف الإسلام من وراء اختيار الاسم الحسن للابن ما يرقى بسلوكه في المستقبل ويحسن صورته، ويجعله مقبولا مرغوبا كريما عزيزا بين الناس، فقد أكد خبراء التربية وعلماء السلوك أن الشخص يتأثر باسمه في سلوكه الشخصي والاجتماعي، وأن اسمه سلاح ذو حدين، يمكن أن يوجه إلى الخير أو الشر، كما يلاحظ أن الاسم الحسن يعطي صاحبه شعورا بالارتياح النفسي عندما يسمع اسمه ينادى به كنغم حلو ينساب إلى نفسه، فتهدأ أعصابه، ويمتلئ قلبه نشوة، ويكون لذلك أثره البالغ في أجهزته المختلفة، وبالتالي يكون له أثره في الصحة العامة وفي سلوكه أيضاً.
والاسم القبيح كما يؤكد علماء النفس له أثره السيئ على نفسية الطفل وعلى علاقته بالناس فعندما يندمج في المجتمع ويحس بوجوده ويحدد ملامح شخصيته فهو يتألم إذا سمع الناس ينادونه به، حتى لو كان النداء بريئا لا يصحبه ما يجرح الشعور، ولا يقصد به إحراج أو تنقيص. فماذا يكون الحال إذا كان نداؤه به يصحبه استهزاء أو غمز أو لمز؟ خصوصا من أطفال وزملاء لا يتورعون عن المعاكسة، بل يتمادون فيها عند العناد والضغط، وقد يثيره ذلك فيحتك بهم أو يكظم غيظه فيؤثر العزلة والسلبية، ويتهيب المجتمع والاختلاط بالناس، كما يحمله ذلك على تغيير شعوره نحو والده ومن اختار له هذا الاسم القبيح، فيكون العقوق والتصادم الذي تضطرب به حياته وحياة أسرته، وتتكون عنده عقدة نفسية تلازمه ما لازمه هذا الاسم الكريه.
شكا رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوق ولده، فأحضره عمر وسأله عن سبب هذا العقوق فقال الابن: لئن كنت عققته فقد عقني، قال له عمر: وكيف ذلك؟ قال: لم يحسن اسمي ولم يختر أمي، ولم يؤدبني، سماني جعران وأمي أمة مجوسية، وتركني دون تأديب، فأدان عمر والده، إذ كيف يطلب حقا من ولده قبل أن يعطيه حقه؟ فالحقوق تقابلها واجبات.
أفضل الأسماء
لكن: ما هي الأسماء الحسنة التي ينبغي أن نختار منها أسماء أولادنا؟
يقول الدكتور الجندي: مساحة الأسماء الحسنة والمطلوب من المسلم أن يختار منها أسماء أولاده كبيرة ومتنوعة فكل اسم يحمل صفة جميلة أو معنى نبيلا فهو اسم حسن، وكل اسم يدل على النبل والشجاعة والكرم هو اسم حسن، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن وورد عنه أيضا أنه عليه الصلاة والسلام قال: تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها حارث وهمام وأقبحها مرة وحرب وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك وفي رواية زيادة لا ملك إلا الله.
هذا ما صح وروده في أحب الأسماء وأقبحها، وهو يدل على أن أحبها ما كان صادق المعنى كحارث وهمام، وما يوحي إلى صاحبه إيحاء طيبا يعلمه الأدب والتواضع، ويغريه بالعبادة والطاعة كعبدالله وعبدالرحمن، وما يدعوه إلى تقليد الشخصيات البارزة كأسماء الأنبياء، كما أن أقبح الأسماء ما خالف الواقع وكذب معناه كملك الأملاك ومثله سيد الكل وسيد الناس، ومثله عبدالرسول وعبدالحسين فالعبودية لله وحده.
روي عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة فقالت زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم وسميت برة فقال رسول الله لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم فقالوا: بم نسميها؟ قال: سموها زينب.
وروى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية، وقال لمن سميت بها الاسم أنت جميلة وورد في حديث صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اسم العاصي، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب وشهاب.
وإلى جانب هذا الهدي النبوي الكريم في رفض الأسماء القبيحة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف وحوادث يؤثر فيها صاحب الاسم الحسن، ويقدمه على غيره في مواطن الخير حتى يكون ذلك حثاً للناس على التسمية الحسنة فعن يعيش الغفاري قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوما بناقة فقال من يحلبها؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ما اسمك؟ قال: مرة.. قال له الرسول اقعد ثم قام آخر فسأله الرسول: ما اسمك؟ فقال جمرة.. قال له اقعد ثم قام رجل فقال ما اسمك؟ قال يعيش قال احلبها.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، وتستريح نفسه إلى الأسماء الحسنة والعبارات الجميلة، والأوصاف النبيلة التي تشرح الصدر، وتدخل السرور على النفس خصوصا إذا تلاقت الأسماء والعبارات مع معاني تختلج في النفس فيطمئن بها الخاطر وتهدأ الأعصاب ويستبشر صاحبها بالخير.
فوضى غريبة
ورغم هذه التوجيهات الإسلامية الواضحة باختيار الأسماء الحسنة لأولادنا فقد انتشرت في كل المجتمعات العربية والإسلامية فوضى غريبة في أسماء الأولاد وأسماء الأماكن والمحال التجارية، فقد غزت بلادنا أسماء غريبة نتيجة الانفتاح غير الواعي على الغرب وتقليد العرب للغربيين في كل شيء حتى في اختيار أسماء أبنائهم، فوجدنا من يسمي ابنه على اسم فصيلة معينة من الكلاب أو الحيوانات، ووجدنا من يطلقون على أبنائهم أسماء لا معنى لها لمجرد أنها أسماء غربية وافدة، فالجري وراء هذه الأسماء في نظر كثير من الأسر العربية هو مظهر من مظاهر التمدن والتحضر والرقي.
يقول الدكتور الجندي: فوضى الأسماء في بلادنا العربية تمثل جانبا من مظاهر مسخ الهوية والتقليد الأعمى للغرب، ولابد أن تواجه هذه الظاهرة وتعود لمجتمعاتنا هويتها التي تذوب بالتدريج نتيجة الغزو الفكري والثقافي الغربي الذي جعلنا مجتمعات ممسوخة تفتقد كل يوم جزءا من هويتها وملامح تميزها بين كل الأمم والشعوب.