نهى القرآن الكريم عن الإسراف نهياً شديداً، والنهي يدل على الحرمة، فقد قال في سورة (الأعراف): وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، وقال في سورة (الأنعام): وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .
ونهى عز وجل عن التبذير أيضاً معرّفاً المبذرين بأنهم أخوان الشياطين فقال في سورة (الإسراء): وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً . إن المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً .
كما وعد المسرفين بالعذاب والهلاك فقال في سورة (غافر): إن المسرفين هم أصحاب النار، وفيها أيضاً: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، وفي سورة (طه): وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .
والأصل في الإسراف هو تجاوز الحد لقوله تعالى في سورة (الفرقان): والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً .
والإسراف نوعان: إسراف في المال وإسراف في غير المال .
والإسراف في المال نوعان: إسراف في النفقات الشخصية، وإسراف في الأموال العامة .
فالإسراف في النفقات الشخصية يكون بالنسبة للغذاء، قال عليه الصلاة والسلام: إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت، وبالنسبة إلى الملابس هو الخروج عن حد الاعتدال، وفي المسكن وأدوات المنزل، لقوله تعالى: أتبنون لكل ريع آية تعبثون . وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون في سورة (الشعراء) ولقوله عليه الصلاة والسلام: كل بناء وبال صاحبه يوم القيامة إلا ما لا بد منه، وبصورة عامة قوله كل ما زاد على الاقتصاد إسراف .
والإسراف في أوجهه كافة يجر الإنسان إلى الهلاك لقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين، وقد اعتبر جل وعلا الإسراف كفساد في الأرض وأمر بتجنبه فقال في سورة (الشعراء): ولا تطيعوا أمر المسرفين . والذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ولذا نهى عن الإسراف العائلي فقال في سورة (التحريم): يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً، وقال عليه الصلاة والسلام: ما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة إلا كان خراباً، وقال صلّى الله عليه وسلم: ما عال من اقتصد، وقال: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة .
ويأتي الإسراف أحياناً في غير المال أيضاً مثل تجاوز الحد في القصاص كما ورد في سورة (الإسراء): فلا يسرف في القتل، والمقصود نتيجة الشعور بالحاجة إلى الانتقام، والإسراف في العقيدة، حيث ينكر المسرف الأنبياء والله وآيات القرآن والرسل لقوله تعالى: كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب، في سورة (غافر)، وتجاوز الحد في الغريزة الجنسية كما جاء في سورة (الأعراف): إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون، والإسراف في الذنوب لقوله تعالى في سورة (الزمر): قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، ويأتي الإسراف بمعنى الاستكبار والاستبداد أيضاً لقوله عز وجل في سورة (يونس): وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين .
خلاصة القول إن الإسراف هو تجاوز للحد والاعتدال في كل شيء، بما فيه جوانب العقيدة والعمل والأخلاق والغريزة والإنفاق، وبالتالي هو من الكبائر المحرمة بنظر الفقهاء وهو أحد العوامل التي تؤدي إلى المشكلات الاقتصادية واختلال التوازن الاجتماعي وانتشار الظلم والهلاك، وبالتالي فهو مضر بالإنسان في الدنيا والآخرة .
* مفتي بعلبك السابق لبنان