كفالة الإسلام لحقوق الخدم ورعايتهم على أفضل ما تكون الرعاية، حقيقة لكل من تعرّف إلى شريعتنا الإسلامية التي أبدت اهتماما واضحا بحقوق الضعفاء، ووفرت لهم كل أشكال الحماية من الذين قد يدفعهم المال أو المنصب أو السلطان الى ظلم عباد الله والإساءة إليهم .

وأخلاق الإنسان ومعدنه وأصالته الإسلامية لا تظهر إلا من خلال تعامله مع الضعفاء والبسطاء من الناس . . وكلما

ارتفعت أخلاق الإنسان وارتقت زاد تواضعه، وشاعت إنسانيته، وعم ذوقه وحسن خلقه مع كل المحيطين به، ومن هنا يأمرنا الإسلام بالإحسان إلى الخادم، وليس مجرد حسن التعامل معه أو الاعتراف بحقوقه فقط . . فواجب المسلم كما علمنا رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم أن نحسن إلى الخادم بكل صنوف الإحسان، فهو أولا وأخيرا إنسان وهو يقوم على خدمتنا ومساعدتنا والعمل على راحتنا .

يقول الداعية الشهير الشيخ خالد الجندي: إسلامنا أمرنا بحسن التعامل مع الخادم، وجعل ذلك علامة ودليلا على حسن الخلق، وواجب على كل مسلم أن يتعامل مع المحيطين به والمتعاملين معه بأدب ولطف، وتتضاعف قيمة الإنسان وعظمة أخلاقه عندما يكون حسن الخلق مع الضعفاء والبسطاء من الناس . . هكذا كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا ومثلنا الأعلى، وهكذا كان صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين . . كانوا بسطاء متواضعين يعترفون بحقوق الفقراء والضعفاء والبسطاء، وكانوا يحسنون إلى كل من يقوم على خدمتهم، وكل من يقدم لهم مساعدة حتى لو مقابل أجر . . يقول أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: خدمت النبي- صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت .

ومن حسن التعامل مع الخادم إعطاؤه أجره كاملا حسبما تم الاتفاق عليه وزيادة . . فحرمان العامل أو الخادم من أجره أو بعضه منكر عظيم حذرنا منه الإسلام، ولا يفعل ذلك إلا إنسان لا خلاق له . . يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره، كما أن تأخير أجرته يدخل في ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله مطل الغني ظلم .

القدوة الحسنة

وتؤكد الدكتورة آمنة نصير الأستاذة بجامعة الأزهر ضرورة أن يكون الكبار قدوة طيبة لصغارهم في حسن التعامل مع الخادم، ويكفي هنا أن نذكر الجميع خاصة هؤلاء الذين يستعينون بالخدم في منازلهم ومكاتبهم ومزارعهم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحرص دائما على أن يجلس خادمه معه على مائدة الطعام ليأكل إلى جواره، وإن حالت ظروف دون ذلك كان يأمر بتخصيص طعام للخادم من الطعام نفسه الذي يتناوله، وذلك قبل أن يأكل . . وتقول: يجب على أهل البيت أن يحسنوا معاملة الخدم، وأن يراعوا الله فيهم، فلا فرق مطلقا بين خادم ومخدوم أمام الله عز وجل . . ولنا في سلوك رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- مع خادمه أنس بن مالك القدوة والمثل . . يقول أنس في رواية صحيحة للإمام مسلم: كان من أحسن الناس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب . . وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق . . فإذا الرسول قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، وقال: يا أنيس، أذهبت حيث أمرتك؟ قال أنس: نعم أنا أذهب يا رسول الله .

وحسن معاملة الخادم لا يتوقف على الكلام الطيب والمعاملة الحسنة فحسب . . بل من حسن الخلق في التعامل مع الخادم مساعدته أحيانا في بعض ما يقوم به من أعمال، فهذا السلوك الذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثير من صحابته الكرام رضوان الله عليهم ممن كانوا يستعينون بالخدم من شأنه أن يلين قلوبهم، ويطيب خاطرهم ويشعرهم بأنهم من أهل البيت، وليسوا مجرد خدم كل واجبهم تلبية وتنفيذ ما يلقى إليهم من أوامر ونواهٍ .

وحسن الخلق في التعامل مع الخادم الذي حثنا عليه الإسلام- كما تقول الدكتورة آمنة نصير- يفرض علينا أن ندين كل صور الإساءة إلى الخدم التي انتشرت في مجتمعاتنا العربية الآن . . ولا بد من أن يعلم هؤلاء الذين يسيؤون إلى من يقومون على خدمتهم أن إساءتهم تغضب الله، وأن هؤلاء المسيئين والمستغلين والظالمين عقابهم عند الله شديد، وإن أفلتوا من عقاب الدنيا ولم تطلهم يد العدالة والإنصاف فلن يفلتوا من عقاب الله العادل الذي سيحاسبنا على كل أعمالنا وسيقتص منا لكل مظلوم .

لا عبودية إلا لله

الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق يؤكد أن الإسلام ضمن للخدم حقوقهم الإنسانية كاملة، ورفض كل سلوك يحمل إهانة لمن يقومون بخدمتنا ويسهرون على راحتنا، ويقول: من الخطأ أن نتعامل مع هؤلاء على أنهم عبيد عندنا، فقد تخلص الإسلام من هذه العبودية للأبد ولم تعد هناك عبودية إلا لله وحده؛ ولذلك لابد أن نحسن التعامل مع هؤلاء، وأن نكرمهم على أفضل ما يكون الإكرام، وأن تكون معاملتنا لهم إنسانية إلى أبعد مدى .

ويضيف: الخادم من الضعفاء الذين أمرنا ديننا برعايتهم وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم وضعف الخادم بين وظاهر ويحتاج منا إلى أن نتخلق بالرحمة والرأفة والعفو في التعامل معهم، لأن أخطاءهم قد تكون كثيرة ولا إرادية، ولذلك فالمسلم الحق هو الذي يواجه ذلك بالتسامح والرحمة والعفو، وما أجمل وأروع أن نعفو عن هؤلاء وأن نسامحهم .

ويحذر الشيخ عاشور من الاستهانة بحقوق الخدم التي كفلها لهم الإسلام، ويقول: الاستهانة بحقوق الخدم وغيرهم من أصحاب الأعمال والمهن المساعدة مثل السائقين وعمال النظافة وغيرهم فضلاً عن أنها تجلب لفاعلها غضب الله وعقابه فهي سلوك متخلف لا يليق بأهل دين أرسى كل مبادئ المساواة والعدالة بين الناس . . ويقول: في الدول الغربية التي تعلمت قيم التحضر والرقي من تعاليم وتوجيهات ديننا نرى اهتماماً واضحاً بأصحاب المهن المساعدة، ونرى معاملة إنسانية من الحكومات ومسؤولي الشركات والحكومات واعترافا بكل حقوق هؤلاء، ونحن لسنا أقل منهم، بل نحن الذين علمناهم كيف يتعاملون مع كل خلق الله بإنسانية واحترام .

ولكي نعرف حق الخادم وطريقة معاملته تعالوا بنا نتعرف إلى الطريقة التي كان يتعامل بها الرسول صلى الله عليه وسلم مع الخدم، وهو قدوتنا وأسوتنا الحسنة . . يقول أنس بن مالك خادم الرسول صلى الله عليه وسلم: خدمت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عشر سنين . . والله ما قال لي: أفًا قط . . ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ وفي رواية: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط . . وفي رواية أخرى: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما لامني في ما نسيت ولا في ما ضيعت، فإن لامني بعض أهله قال: دعوه فما قدر فهو كائن .

وفي لفظ آخر: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته، لمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلته؟ وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول: دعوه فلو قضي شيء لكان .

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ فصمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ فقال: كل يوم سبعين مرة .

والخادم يدخل ضمن رعية مخدومه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته . . وقد قال العلماء إن من رعاية المخدوم لخادمه أن يتيح له الفرصة والوقت لأداء العبادات والفرائض التي فرضها الله عليه، وأن يعلمه أمور الدين إن وجده لا يعلمها أو أن يأتي له بمن يعلمه أمور الدين، إن عجز هو عن إيصالها إليه .

وقت للراحة والنوم

ومن حق الخادم أن يجد وقتا لراحته ونومه، فكان عثمان بن عفان ئرضي الله عنه لا يوقظ أحدا من خدمه إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، ولما عوتب وقيل له: لو أيقظت بعض الخدم؟ قال: لا، الليل لهم يستريحون فيه، وإن كان الخادم غير مسلم فمن أعظم ما يحفظ به كرامة ذلك الخادم أن يبصره إلى نور الحق بدعوته إلى الإسلام؛ ففي ذلك خير عظيم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فوالله لأن يهدي الله رجلا بك خير لك من أن يكون لك حمر النعم . . لكن لا بد أن تكون دعوته إلى الإسلام بالحسنى ومن دون أي شكل من أشكال الإكراه .

ومن إكرام الخادم أن جعله رسول الله صلى عليه وسلم بعد أهل صاحب العمل في ترتيب جهات الإنفاق، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر . قال: تصدق به على ولدك . قال: عندي آخر . قال: تصدق به على زوجتك أو قال زوجك . قال: عندي آخر . قال: تصدق به على خادمك . قال: عندي آخر . قال: أنت أبصر .

ومن رعاية حقوق الخادم ألا يكلف من الأعمال إلا ما يطيق . . فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلاّ ما يطيق . . فإذا كان هذا في حق المملوك فكيف بالخادم الحر؟!

وليس عيبا أن نساعد الخدم إذا تكاثرت عليهم الأعمال والأعباء والحمولات؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق الخدم: ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم .

أما ضرب الخادم فهو من أشد أنواع امتهان الكرامة الإنسانية، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلاّ أن يجاهد في سبيل الله . . وقد كان صلى الله عليه وسلم يوصي بذلك، فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من خيبر ومعه غلامان فوهب أحدهما لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال: لا تضربه؛ فإنى نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وإني رأيته يصلي منذ أقبلنا . وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هو حرٌ لوجه الله . فقال: أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار .

وتتجلى المعاملة الإنسانية للخادم في الإسلام من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: إنّ إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم . . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فإن لم يُجلسه معه فليناوله لُقمة أو لُقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي علاجه وإطعام الخادم صدقةٌ، كإطعام النفس والزوجة والولد . فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أنّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة .

ضوابط اختيار الخدم

لكن . . الواقع الذي تعيشه العديد من الدول العربية يؤكد وجود تجاوزات من العمالة الخدمية الأجنبية . . كما توجد تجاوزات من بعض الذين يستعينون بالخدم . . فما الذي جاء به الإسلام لضبط هذه العلاقة وحماية البيت المسلم من تجاوزات نوعية معينة من الخدم؟

تقول الدكتورة آمنة نصير الأستاذة بجامعة الأزهر: لو التزمنا بالضوابط والمعايير الإسلامية في اختيار من يدخل بيوتنا وأحسنا اختيار من يخدمنا لتخلصنا من كل هذه التجاوزات ولأخذ كل طرف (الخادم المخدوم) حقوقه كاملة، ولتحقق العدل والإنصاف بين الطرفين .

وفي مقدمة التوجيهات والضوابط الأخلاقية أن يكون الخادم مؤمنا بعقيدتنا الإسلامية، وهذا ليس تعصبا ضد المخالفين لنا في العقيدة، فلكل أتباع دين عاداتهم وتقاليدهم المستمدة من دينهم وأعرافهم الاجتماعية والثقافية، فالخادمة غير المسلمة لا تجد حرجا في الكشف عن جسدها أمام الكبار والصغار في المنزل، وهذا سبب كثير من التجاوزات الأخلاقية . . ومهما كان الخلل السلوكي والانحرافي الأخلاقي من الخادم أو المخدوم، فإن وجود خادمة مسلمة داخل المنزل يختلف كثيرا عن وجود خادمة غير مسلمة .

ثم تأتي بعد ذلك خصائص وسمات أخلاقية ينبغي أن نحرص عليها عند اختيار الخادمة في مقدمتها الالتزام السلوكي وهنا لا يكفي أن تكون الخادمة مسلمة، بل لا بد من التأكد من التزامها الأخلاقي ومن مساعدتها على تحقيق ذلك لأن في هذا الالتزام حماية للكبار والصغار داخل الأسرة من مصائب وكوارث كشفت حوادث كثيرة عن وقوعها داخل العديد من بيوتنا .

وتحذر الدكتورة آمنة نصير من كشف أسرار الزوجين أمام الخدم، وتؤكد أن النزاعات الزوجية أمام الخدم وإقحامهم فيها تجلب الكثير من المصائب للأسرة كلها، حيث تجد الخادمة غير السوية أو المتطفلة أو الطامعة في مال أو علاقات محرمة أو تخريب البيوت، المناخ جيدا لممارسة هوايتها والوصول إلى أهدافها . ورغم تأكيد الدكتورة آمنة نصير الإحسان للخادم والتجاوز عن زلاته، والعفو عن تجاوزاته . . فإنها تحذر من الإبقاء على الخادمات غير الملتزمات أخلاقيا داخل بيوتنا، وتؤكد أن التخلص منهن لا يمثل أي مخالفة أو عدوان على حقوقهن، بل هو من قبيل الواجبات الشرعية والحماية الاجتماعية التي أمرنا بها ديننا . . فكل خادمة غير ملتزمة في ملابسها وسلوكياتها مع الزوج والأولاد . . وكل خادمة تهوى الكذب والسرقة والوقيعة بين أفراد الأسرة أو بين الأسرة والجيران والأقارب . . هي قنبلة موقوتة داخل بيوتنا . . وكل أسرة تتخلص من خادمة من هذا الصنف ليست آثمة شرعا .