اختلطت أوراق التدين الصحيح في أذهان كثير من الناس، خصوصاً هؤلاء المتدينين الجدد الذين فهموا الالتزام الديني على غير صورته الصحيحة، فحرموا أنفسهم ومن هم تحت ولايتهم من زوجات وأبناء من كثير من متع الحياة التي أحلها الله لكل عباده، وفرضوا على أنفسهم والمحيطين بهم حياة جافة كئيبة لا تساعد على عمل وإنتاج ولا تجسد قيم ومفاهيم الإسلام الصحيحة . فما موقف الإسلام من هذه الصور الجافة للتدين التي نراها في كل مكان في كل أرجاء عالمنا العربي والإسلامي؟ وهل الإسلام فرض على المسلم أن يكون جاداً كل الوقت؟ وكيف يدخل الإنسان البهجة على نفسه وأهله والمحيطين به من دون أن يخالف قيم الإسلام وأخلاقياته؟
مفكران إسلاميان كبيران يحاولان توضيح المفاهيم الخاطئة العالقة بأذهان بعض المتدينين العابسين من خلال السطور التالية:
في البداية يؤكد المفكر الإسلامي د .محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية المصري، أن الالتزام الديني لا يفرض على المسلم حياة جافة وكئيبة كما نرى في سلوك بعض المتدينين من رجال ونساء . فهؤلاء فهموا التدين فهماً خاطئاً، فالإسلام دين لا يعادي الحياة، ولا يحرم المسلم من متعة نافعة ومفيدة من متع الدنيا، بل هو يحث المسلم على النظافة والتجمل والاستمتاع بكل ما في الكون من أدوات ومظاهر للجمال، ويحث الإسلام المسلم أيضاً على أن يكون بشوشاً مرحاً يبتسم في وجه من يتعامل معهم، فالبشاشة والابتسامة اللتان ترتسمان على الوجه من شأنهما أن يفتحا الباب إلى التعارف المأمول والتجاوب المنشود وكسب حب الآخرين وقضاء المصالح لكل الأطراف .
المثل الأعلى
ويضيف د . زقزوق: إن النبي، صلى الله عليه وسلم، يحثنا على الابتسام والبشاشة في وجوه الآخرين، لما لذلك من أثر بالغ في النفوس وغرس لأواصر الألفة في القلوب، فيقول صلوات الله وسلامه عليه: تبسمك في وجه أخيك صدقة، فالبشاشة في وجوه الآخرين كما تفيد الإنسان في حياته وتعاملاته هي أيضاً تجلب لصاحبها الأجر والثواب من الله، ويضيف د .زقزوق: أما الوجوه العابسة والمتجهمة فالإسلام بريء منها، فالجدية التي ينبغي أن تحكم سلوك المسلم لا تعني العبوس والتصنع والتجهم في وجوه الآخرين، والذين يتصنعون الجدية ظناً منهم أنها من قبيل تقوى الله مخطئون، ولا يفهمون التدين على حقيقته، والإنسان العابس يسيء بتجهمه وعبوسه إلى نفسه لأنه بذلك يتسبب في نفور الناس منه، ويسيء إلى الآخرين لأن مجرد رؤيتهم للوجه العابس المتجهم تصيبهم بشيء من الكآبة يعكر عليهم صفو يومهم ويصدهم عن العمل ويصرفهم عنه، وربما تسري عدوى هذا العبوس إليهم فيتعاملون مع الآخرين على هذا النحو السلبي الذي يقطع أوصال العلاقات بين الناس، ويؤثر سلباً في المجتمع كله .
والرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو المثل الأعلى في التدين والالتزام والجدية لم يعرف عنه أنه كان عابساً متجهماً، بل على العكس من ذلك، فالأحاديث الصحيحة تؤكد أنه كان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم وكان لا يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه، وكان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، وكان عليه الصلاة والسلام من أضحك الناس وأطيبهم نفساً .
فهم خاطئ
المفكر الإسلامي د .محمد سليم العوا يوجه عتاباً رقيقاً إلى بعض الدعاة الذين يصورون الإسلام على أنه دين جامد وجاف يعادي الحياة ويحرم الإنسان من كل الطيبات والخيرات ومظاهر السعادة المحيطة به، ويقول: هؤلاء بالتأكيد مخطئون ولا يفهمون الإسلام ورسالته في الحياة حق الفهم، ولذلك هم يسيئون إلى دينهم كل يوم عندما يصورون الإسلام في هذه الصورة المنفرة .
ويضيف: الإسلام في حقيقته دين للحياة البهيجة المتوازنة، وقد جاء لمصلحة المجتمع ولسعادة الإنسان في دنياه وأخراه، فينبغي على كل دعاته أن يظهروه بمظهره الحقيقي حتى يحقق رسالته ويقود الناس إلى طريق الهداية والصلاح، فالسلوكيات الخاطئة والمرفوضة التي انتشرت في حياة المسلمين الآن هي نتيجة طبيعية لإهمال قيم الدين وتوجهاته، وعندما نظهر الإسلام في قالب جامد يعادي الحياة والأحياء سوف ينصرف عنه الناس وتتسع الفجوة بينهم وبينه، وبذلك يحرم المجتمع كله من هدايته .
ويناشد د .العوا الدعاة وخطباء المساجد الذين يصرخون على المنابر وفي الفضائيات الدينية، فيقول: دعوة الناس إلى تعاليم الإسلام وقيمه وحضارته وهديه لا تحتاج لكل هذا الصراخ، فالذين يصرخون وينفعلون ويتشنجون فوق المنابر وفي الفضائيات الإسلامية، لا يفيدون الناس، فالكلمة العاقلة الهادئة التي تخاطب العقل يكون لها تأثيرها الإيجابي في النفوس .
نصائح للمتدينين
ويوجه د . العوا نصائحه وتوجيهاته للمتدينين الذين نشاهدهم دائماً عابسين متجهمين ويقول: يجب أن يدرك هؤلاء أن التزام المسلم بتعاليم دينه لا يعني التجهم والعبوس في وجه خلق الله، وكل من يفعل ذلك فإن سلوكه بالتأكيد سلوك غير إسلامي، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن عابساً متجهماً بالشكل الذي نرى عليه الآن بعض المتدينين أو كثيراً منهم، وهو صلى الله عليه وسلم القائل تبسمك في وجه أخيك صدقة .
والإنسان العابس أو المتجهم هو في حقيقة الأمر يعاني مرضاً نفسياً، وعليه أن يسعى إلى علاج مرضه بالوسائل المشروعة، ولا علاقة للتدين بالعبوس والتجهم، فالالتزام الديني لا يعني بأي حال من الأحوال أن يكون الإنسان عابساً جافاً في معاملاته، خشناً في علاقاته بالآخرين، فالإسلام يحث المسلم على أن يكون متعاوناً مع كل المحيطين به، يشعر بهم، ويحس بآلامهم وآمالهم، ويساعدهم على حل كل مشكلاتهم، ولكي يفعل الإنسان ذلك لابد من أن يكون مقبولاً ومرغوباً من كل المحيطين به، والإنسان العابس الجاف لن يتحمله أحد، ولا يمكن أن يكون بينه وبين الآخرين تعارف وتآلف وتعاون، كما يريد الإسلام .
وهنا يتدخل د .زقزوق ويضيف: الابتسامة في وجوه الآخرين لها مفعول السحر وهي لا تكلف الإنسان شيئاً ولها وزن كبير وأهمية بالغة في نظر الإسلام، لما يترتب عليها من آثار إيجابية في كل أفراد المجتمع، أما العبوس والتجهم وتصنع الجدية فهي ليست من قبيل تقوى الله والوقار المصاحب لذلك كما يفهم البعض، بل هي سلوك مرفوض ويسيء إلى الإنسان نفسه، ولا علاقة لذلك بالدين من قريب أو بعيد .
الاستمتاع بنعم الله
ويوضح د .العوا أن الإسلام لم يفرض على المسلم أن يكون زاهداً في خيرات الله، ولذلك لا حرج أن ينفق المسلم جزءاً من أمواله على المباحات وأن يوفر لأسرته حياة طيبة من دون إهدار لنعم الله فيما لا يفيد ويقول: الذين ينفقون أموالهم على بناء أو شراء الفلل والقصور والرحلات الترفيهية المباحة واقتناء السيارات المريحة ليسوا آثمين ما داموا قد جمعوا أموالهم من مصادر رزق مشروعة، وما داموا يخرجون حقوق الفقراء في أموالهم، فالإسلام لا يحرم الإنسان أبداً من التمتع بمتع الحياة وشراء المساكن والسيارات المريحة وغير ذلك من متع الحياة المشروعة، مادام يؤدي حق الله في أمواله وثرواته، ويخرج حقوق الفقراء والمساكين والمحتاجين منها كما أمر سبحانه، والقاعدة التي تحكم إنفاق الإنسان في نظر الإسلام هي الاعتدال، فالإسلام يطالبنا بالاعتدال في كل شيء حتى في أداء العبادات .
ومن هنا يؤكد د .العوا أن التمتع بطيبات الحياة من المأكل والمشرب والمسكن والاستجمام من عناء العمل والترفيه المقبول عن النفس، وغير ذلك من مباهج الحياة وخيراتها أمور تتفق جميعها مع الطبيعة الإنسانية ولا تتعارض مع الدين بأي حال من الأحوال، فالدين في كل تعاليمه يراعي الطبيعة البشرية ولا يتصادم معها، ويحترم المشاعر الإنسانية، ولا يتجاهلها .
ولكن إذا كان الإسلام قد أعطى للإنسان الحق في التمتع بما حباه الله به من نعمة المال، فعليه أن يدرك أنه لا يعيش وحده في المجتمع، ولكي يعيش سعيداً في هذا المجتمع فإن عليه حقوقاً للفقراء والمحتاجين في هذا المجتمع، وعليه أن يشعرهم أيضاً بقدر من السعادة حتى يمحو ما في نفوسهم من حسد أو حقد .
وعلى كل صاحب مال أن يعلم أن ما يقدمه للفقراء والمحتاجين ليس تفضلاً، وإنما هي حقوق قررها الإسلام لتحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس، فالله سبحانه وتعالى يقول: وفي أموالهم حق للسائل والمحروم .