لا يستطيع المواطن الجزائري أن يَعُدَّ كل الأحزاب السياسية المعتمدة في بلاده ناهيك عن أسمائها. ولعل الانتخابات التشريعية المزعم تنظيمها اليوم (4 مايو 2017) ستذكره بأن الأحزاب التي تشارك فيها بلغ عددها 52 حزباً قدمت 842 قائمة انتخابية ب 10209 مرشحين يتنافسون على 462 مقعداً في البرلمان القادم.
من الصعوبة بمكان تحديد خريطة القوى السياسية الفاعلة في هذه الانتخابات، نظراً لتبادل قادتها التهم والمزايدات بين الأحزاب السياسية التي تنتمي نظرياً إلى الأسرة الواحدة، ولتشابه برامجها السياسية واستنساخها، وتكرار الوعود والشعارات الانتخابية ذاتها، وسطحية الخطاب السياسي وشعبويته الذي يقال إنه لم يرتق إلى مستوى التحديات التي تواجه الجزائر.
التحديات التي يمكن تلخيصها في ثلاثة عناصر أساسية: العنصر الأول اقتصادي، ويتمثل في تراجع دخل الجزائر إلى أكثر من النصف نتيجة انخفاض سعر النفط في السوق الدولية. والعنصر الثاني أمني ناجم عن الأوضاع المضطربة في ليبيا ومالي على الحدود الشرقية والجنوبية، ونشاط البؤر الإرهابية على الحدود مع تونس الشقيقة. والعنصر الثالث يتمثل في ضرورة استئصال الفساد والرشوة اللذين طالا حتى عملية الترشّح في قوائم بعض الأحزاب السياسية، فأصبحا مَعَرّة يتبادلها قادة الأحزاب الكبرى في الحملة الانتخابية.
كل محاولة لتشخيص خريطة الأحزاب في الانتخابات التشريعية تبدو ناقصة وغير دقيقة. فلو اعتمدنا على حضورها في كل محافظات الجزائر، نجد أن عددها يتناقص ليصل إلى خمسة أحزاب وتكتلات وهي: حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي المواليان للسلطة، يليهما التحالف الإسلامي الذي تشكل من حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير، ثم أمل الجزائر الذي انشق رئيسه عن الحزب الإسلامي «حمس» ليعلن ولاءه للسلطة، وأخيراً تكتل الأحزاب الإسلامية الثلاثة: النهضة، العدالة، والبناء. يعاني هذا التشخيص العجز عن تفسير تمكن بعض هذه الأحزاب من تقديم قوائم مرشحيها في كل محافظات الوطن إن لم يأخذ بعين الاعتبار دعم الإدارة المركزية لها.
وتصنيف الأحزاب انطلاقاً من خطها السياسي ومواقفها الأيديولوجية من القضايا الوطنية والدولية يبدو محدوداً وصعباً في الجزائر. فالأحزاب «الكبرى» التي تصف نفسها بأنها «وطنية»، مثل جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي يؤكدان أنهما لا يملكان أي برنامج سياسي سوى برنامج رئيس الجمهورية في إطار منافسة محمومة لإثبات أيهما أقدر على إثبات ولائه للسلطة الحاكمة! أما الأحزاب السياسية الإسلامية المتكاثرة فقد انهكها الانقسام الذي غذته الطموحات الشخصية لبعض قادتها من جهة، وموقفها من الشراكة في الحكم من جهة أخرى. لقد انسحب بعض قادتها ليشكلوا أحزاباً تابعة للسلطة. الأمر ذاته ينطبق على بعض الأحزاب التي تصف نفسها بالديمقراطية والعلمانية التي تنازلت عن برنامجها مقابل بعض الحقائب الوزارية، مثل تجمع الثقافة والديمقراطية، في مطلع القرن الماضي، والتحالف الوطني الجمهوري بقيادة الوزير السابق بلقاسم ساحلي، الذي تقدم ب 36 قائمة انتخابية تضم 421 مترشحاً. والحركة الشعبية الجزائرية بقيادة الوزير السابق عمارة بن يونس الذي قدّم 47 قائمة انتخابية تجمع 571 مرشحاً.
لعل تشخيص خريطة الأحزاب في التشريعيات القادمة في الجزائر الأقرب إلى الصواب هو ذاك الذي يستند إلى التصنيف الآتي: أحزاب الموالاة والمعارضة. فقائمة الأحزاب الأولى تشمل حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وأمل الجزائر، والتحالف الوطني الجمهوري، والحركة الشعبية الجزائرية، وغيرها من الأحزاب الصغيرة التي قدّمت مجتمعة ما يزيد قليلاً على ثلث القوائم الانتخابية والمرشحين. لكن يبدو أن هذا التصنيف يفتقد الدقة لأن الموالاة في الجزائر لا تستند إلى توافق مؤسس على أرضية عمل مشترك وبرنامج سياسي. هذا إضافة إلى أن بعض مكوناتها تساند رئيس الجمهورية وتعارض في الوقت ذاته حكومته، التي تدّعي أنها تطبق برنامجه، أو بعض وزرائها! وأن جزءاً من أحزاب المعارضة لا يدري ماذا تعارض بالضبط، إذ إن بعضها يساند رئيس الجمهورية ويعارض، في الوقت ذاته، رئيس حكومته أو بعض وزرائه. وهذا ما تفنن فيه حزب العمال، على سبيل المثال. وبهذا صَعُب على الكثير من المراقبين التمييز بين أحزاب المعارضة والموالاة. ناهيك عن أن بعض أحزاب المعارضة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية السياسية والأخلاقية على ما تعارضه وتندد به اليوم لأنها كانت شريكاً في الحكم.
لعل هذه الضبابية في الموقف عبّر عنه بوضوح رئيس حزب المستقبل، عبد العزيز بلعيد عندما صرّح بأن هامش مناورة الأحزاب السياسية في الوضع القائم في الجزائر ضيقة جداً. فإن واجهت رئيس الجمهورية وعارضته علانية فستعانى التضييق وتقلم أظافرك. وإن التصقت بالسلطة الحالية فترهن مستقبلها. لذا عليها أن ترضى بمساكنة السلطة بصمت، وتحافظ على علاقة ودودة معها من أجل بناء مستقبل قوي لمرحلة ما بعد الرئيس الحالي.
إذاً.. يبدو أن محاولة تشخيص خريطة الأحزاب السياسية قليلة النفع، ما لم ننظر إلى الأهداف التي يتوخاها كل حزب من مشاركته في الانتخابات التشريعية اليوم. فحزب جبهة التحرير الوطني، مثلاً، يسعى للحفاظ على مكانته كحزب الأغلبية إذ حصل في الانتخابات التشريعية السابقة على 220 مقعداً في البرلمان. بينما لا يقف طموح أحمد أويحيى، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عند رفع عدد نوابه في البرلمان القادم ليتجاوز 68 نائباً التي حصل عليها في الانتخابات السابقة. بل يروم الحصول على الأغلبية التي تؤهله للعودة إلى رئاسة الحكومة لخوض معركة خلافة الرئيس بوتفليقة. أما جبهة القوى الاشتراكية، أقدم حزب معارض في الجزائر، فلا يستهدف الاشتراك في الحكم، بل يرمي إلى تعزيز حضوره السياسي وتجنيد مناضلين جدد وتكوين كوادره السياسية الشابة. وتتدافع بقية الأحزاب الصغيرة للحصول على فتات من الريع.
ما تخشاه السلطة الحاكمة والأحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعية هو عزوف عدد كبير من الجزائريين عن الانتخاب، لذا شدّدت على تخويفهم بعدم استقرار البلاد إن اختاروا المقاطعة. ولا تعود هذه الخشية إلى النداء الذي وجّهه حزبا طلائع الحرية، الذي يتزعمه رئيس الحكومة السابق بن فليس، و«الجيل الجديد» إلى الجزائريين لمقاطعة الانتخابات، بل لحكم الجزائريين على التجربة البرلمانية في الجزائر ولبعض الأحزاب المشاركة في الانتخابات التي برّرت ضمنياً ما دعا إليه الحزبان المذكوران. لقد أكد الأمين العام لجبهة التحرير الوطني التي سيطرت على الحكم منذ 1962 ولا تزال، أنها تظل في الحكم لمئة سنة قادمة. لقد فهم الكثير من الجزائريين من هذا القول إن الانتخابات لا معنى لها.
أخيراً.. يمكن التساؤل هل سمع أصحاب القرار في الجزائر وأحزاب الموالاة والمعارضة والمواطنون الوزير السابق إسماعيل قوميزان عندما قال: كل الفضاءات الديمقراطية وأشكال النضال السلمي تتساوى بشرط أن تكون الظروف متوافرة وأهداف النضال السلمي المعبر عنها مصونة. ففي غياب الفضاءات المؤسساتية الشرعية، حتى وإن كان تمثيلها ضعيفاً، لا مكان سوى للمغامرات غير محسوبة العواقب. إنها دعوة لإعادة تقدير بيدر الجزائر على ضوء ما وضعته في حقلها.