ما إن تنحسر موجة حتى تعقبها موجة أشدّ جنوناً وخطورة هكذا حال مراهقي هذا العصر.. يبقوننا دائماً في مواجهة مع صرخاتهم وصرعاتهم وجنونهم... يكسرون الثوابت، ويخرقون الأعراف ويتلذذون بردات فعلنا المستهجنة.

من عبدة الشيطان بالأمس، إلى ظاهرة ايمو الأكثر حداثة، ظواهر غريبة ومستهجنة، تستفزّك وتثير قلقك اغلب الأحيان، بحيث تطرح دائماً اكثر من سؤال وتثير أكثر من زوبعة، تتوزعها قصص أقرب إلى الأساطير، وحصادها ضحايا بشرية لطقوس غريبة تصل إلى حد عمليات الانتحار الفردية والجماعية أو تعذيب الجسد والروح معاً.

من رحم الضياع ولدت ظاهرة الايمو وشكّل اتباعها بطقوسهم، بدعة لافتة وجديدة وقادرة على استقطاب الكثير من المراهقين وهم على عتبة الشباب. وككل البدع التي تقتضي مظهراً خاصاً، وجدت الايمو من يستثمرها مادياً واجتماعياً بامتياز، فانتشرت الموسيقا الخاصة بهم كما ملابسهم واكسسواراتهم وبأسعار زهيدة تغري أتباعها وغيرهم بشرائها، وربما هنا الخطورة حيث تختلط الهوية ويصبح الاستدراج سهلاً. ولأنها لم تعد مجرد صرعة شبابية، قد يقصر أو يطول أمدها، لكنها باتت تهدد حياتهم وكينونتهم ومستقبلهم.

عشرات الضحايا يسقطون أسبوعياً وفي طقوس وهمية، وعشرات يختطفهم الموت ارتحالاً إلى ما يسمى بالحياة الحقيقية.. والتمرد الحقيقي في النهاية، ليس ضد المجتمع بل ضد الذات بالدرجة الأولى.

صرخة أطلقتها د. سمر اللبان الاختصاصية في الطب النفسي، العصبي لافتة إلى أن القضية أخطر بكثير مما يظن البعض. وتشدنا الصرخة لنتعرف معها إلى خطر الايمو وأصلها اللاتيني EMOTION أي المشاعر والخلفية التي تقف وراء هذه البدعة ومدى انتشارها في أوساط الشباب.

تؤكد د. سمر أن الظاهرة انطلقت في ثمانينات القرن الماضي في أمريكا كحركة مناهضة لحركة التمظهر أي اولئك الذين يهتمون بمظهرهم على حساب احتياجاتهم الأخرى. لافتة خلال متابعتها واشرافها على علاج عدد كبير منهم إلى ابعاد فلسفية لهذه الجماعة التي سرعان ما انتشرت في العالم وفي لبنان كما الوباء، خاصة في المناطق الفقيرة. وشكّل هؤلاء لأنفسهم حضارة تستند إلى التعبير عن مشاعرهم، وان بدوا في علاقاتهم مع بعضهم بعضاً بلا ضوابط أخلاقية ويتعارفون عبر الانترنت والمقاهي والأندية الخاصة بهم، ويتعارفون من خلال لبسهم الموحّد. فالملابس التي يرتديها الايمو الذكر ترتديها الايمو الأنثى، وغالب ملابسهم من الكاروهات الرمادية والسوداء أما أحذيتهم فهي الفانس والكونفيرس، وقد يرتدي في كل قدم نوعاً مغايراً للآخر. أما التسريحة فتقوم على توقيف الشعر من الخلف كدلالة لحرية التعبير عن النفس، وتغطية العين ترمز للابتعاد عن المجتمع، ومنهم من يرتدي قبعة تحجبه عن الآخرين.

ورداً على سؤال حول مكمن الخطر تجيب د. سمر أن موضة الايمو تنطلق من مبدأ إلغاء ملامح الجسد، لذلك يعمد اتباعها إلى تنحيف أجسادهم لدرجة اختفاء هويتها فيصبح الذكر أنثى والأنثى ذكراً، وبالتالي تتحقق الثنائية النفسية. والخطورة الحقيقية في فلسفة الموت التي يعتنقونها. فهم يرون بالموت الخلاص والفرح والحياة والسعادة، وبالتالي هم عشاق موت اذا جاز التعبير، ما يدفعهم للانتحار حيناً، وإيذاء أنفسهم أحياناً، بالشفرات والآلات الحادة. يساعدهم على ذلك تعاطيهم المخدرات أو حبوب النشوة على الرغم مما تتركه من آثار سلبية، كأن تؤدي بصاحبها إلى إحباط رهيب يدفعه إلى استهلاك حبوب مضادة ومثل هذا التعاطي يشدهم إلى اختبار الموت.

د. اللبان أكدت أن المجتمع اللبناني بات يشهد أسبوعياً أكثر من حالة انتحار بين فريق الايمو من خلال حصوله بسهولة على أنواع من المخدرات بأسعار زهيدة واستهلاكها، مشيرة إلى وقوع هؤلاء الشباب في فخ مافيات تصطادهم وتتحكم بهم لدرجة استغلالهم لاحقاً.

وانطلاقاً من فلسفة الموت تطلق د. سمر صرخة التحذير حتى لا تتحول عملية الانتحار الفردي التي يشهدها المجتمع إلى عمليات انتحار جماعية.

وتضيف د. سمر: المراهق ابن الثانية عشرة أو دون حين لا يجد الحضن الآمن الذي يلوذ به، ويفتقد الأسرة التي تشعره بالدفء والطمأنينة، يجد نفسه في الشارع بكل ما فيه من مخاطر وتجارب تدفعه إلى الانحراف. ومن خلال النماذج التي عالجتها هناك عدد كبير يعاني من مشاكل عائلية أو حالات تحرش وعنف جسدي. واذا كان الايموزي مسالماً في طبيعته ولا يؤذي الغير، فإنه قادر على ايذاء نفسه بلا أدنى تردد. أما لماذا عمليات ايذاء الجسد وكيف يمتلكون القدرة على ذلك، فلأنه سلوك يتحدون من خلاله الوجع النفسي الأكبر الذي يعانون منه ومن خلال تجربة هذا الألم يتحدون أنفسهم باجتياز هذا الوجع. إلى ذلك يشكل الضغط السياسي والاجتماعي أبرز العوامل التي تقذف بالمراهقين إلى هذا السلوك.

وتلفت الدكتورة سمر إلى أن امكانية الشفاء محدودة جداً. وتقول قلّة من هؤلاء الشباب قادرة على استرداد رشدها وممارسة حياتها الطبيعية وغالباً ما يحدث هذا إثر صدمة قوية تهزهم وتجعلهم يعون الحقيقة. وأنا كطبيبة لا يمكنني اعتبارهم مرضى بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما هم أشخاص محبطون مادياً واجتماعياً ونفسياً.

حنان م. صبية لم تتجاوز العشرين، لكنها في ذبولها وهزالها أشبه بغصن جاف هش إن لم نقل ميت. حنان راهنت على أصدقائها الايموز وخسرت الرهان.

وتقول بمرارة اعتقدت أنني جزء من أسرة تشكل لي الحماية والضمانة وتمنحني الأمان الذي عشت عمري أبحث عنه بعد أن هاجر أبي وتركني وأخي في رعاية أمي، وسارعت إلى الزواج بعد طلاقها من أبي، حيث على إثر ذلك وضعتني وأخي في إحدى دور الرعاية ولم تعد تزورنا إلاّ في المناسبات. وحين تعرّفت بأحد الشباب وتوطدت صداقتنا قررنا معاً الخروج إلى العالم. هربنا من دار الرعاية وعملت بائعة في متجر للألبسة بينما عمل صديقي في إحدى محطات البنزين وتمكنا من مواصلة الحياة وإن كان بصعوبة. لم يكن صعباً أن ننتمي إلى هذه الشريحة. فأنا وصديقي عشنا مشاعر القهر والظلم والضياع، وكان مريحاً جداً أن نفجّر هذه المشاعر وبالطريقة التي نريدها وتشعرنا بتحدي هذا المجتمع الذي أدار لنا ظهره. كنت أحلم أن أصبح محامية أو طبيبة، وانتهى بي الأمر بائعة في متجر للملابس. مشيت في الطريق حتى النهاية إلى أن استيقظت ذات صباح لأجد نفسي في أحد المستشفيات، بين الموت والحياة، والمؤلم أنني لم أجد أحداً من أصدقائي يقف إلى جانبي في هذه المحنة.. حتى عصام بدا أعجز تماماً من أن يمدّ لي يد العون. لكن الطبيبة التي أشرفت على علاجي احتضنتني كما لم تحتضنني أمي.. أنا واثقة أن في الحياة ما يستحق أن نعيش لأجله.. ربما الأهم في تجربتي أن أكتشف في ثوان أن الحلم الذي عشته لم يكن سوى كابوس مخيف وأتمنى أن أسترد عافيتي وأنجح في شق طريقي.

وإذا كانت حنان تلقت صفعة أعادت إليها رشدها، فإن عصام صديقها يرفض الاعتراف بخطأ التجربة، ويقول حنان في الأساس لا تعرف ماذا تريد. أما أن تضع اللوم على أصدقائها فهذا هروب من الواقع.. ولا يخفي أنه بارتدائه القميص المطبوع بالجماجم أو في تسريحة شعره التي تخفي نصف وجهه رغبته بالتمايز عن الآخرين، فالموت ليس قبيحاً بل قمة التحليق في السعادة. ويستغرب أن يضع المجتمع قيوداً على المرء في تعبيره عن مشاعره وخياراته ومظهره. يقول أنا حرّ بجسدي وأفكاري وخياراتي. ولا ألوم أحداً سوى نفسي.

ومن العيادة إلى الشارع حيث الشباب والحياة وآراء الناس في هذه الظاهرة التي باتت تفرض وجودها في حياتهم. يروي نبيل عطوة الطالب الجامعي حكايات سمعها عن زملاء له من الايموز، مثل تلك الشابة التي ذهبت ضحية ما اعتادت تناوله من مخدر أثقلها بالهلوسات، ومن خلاله تعرفت إلى ما تسميه ملاكاً احبته وقررت في لحظة احتدام هذا العشق أن تنتقل نهائياً إليه.. انتحرت بقطع شرايين معصمها لأن ملاكها كان بانتظارها حسب مزاعمها.

قد تكون تلك الحكاية أقرب إلى الجنون. لكن من يدخل عمق التجربة يكتشف أنها مأساة. يقول نبيل: مسؤولية انتشار هذه الظاهرة بين الشباب تقع أولاً على عاتق الأسرة التي لم تعد تأبه اليوم لاحتياجات الأبناء العاطفية والمادية.. لم يعد الأب أو الأم يجدان الوقت الكافي للجلوس مع ابنائهم وبناتهم ويشاركونهم أفكارهم وتطلعاتهم بحنان، الجميع اليوم يفتقد الوقت للتأمل.. والحياة العصرية باتت تستهلك قدرات المرء حتى آخر قطرة.. الكل يركض وراء المادة ولا يلتفت حتى لمراجعة نفسه في لحظة صفاء.

زينة زميلة نبيل في الجامعة تضع اللوم على المسؤولين، وترى أن النوادي المخصصة لهذه المجموعات معروفة وتعمل بشكل عادي. وتستغرب انتشار المخدرات وكيفية الوصول اليها بهذه السهولة، وهي رافضة التعاطف مع الايموز أو تفهّم فلسفتهم، وتعتبر أن ضياع الشباب ومعاناته لا تعني أن يسقط في فخ الانحراف. تقول في ثقة هؤلاء الناس مهيأون لهذا الطريق ومسؤولون عن خياراتهم ويجب التصدي لمن يشجعهم أو يقف وراءهم.

الأسرة أولاً

ويبقى السؤال أخيراً هل الظاهرة وانتشارها سببه الضغط الاجتماعي فعلاً أم إهمال الأسرة أو ما يعيشه الشباب من يأس وإحباط على كل الصعد المادية والفكرية والسياسية ؟

د. سميرة فرحات استاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية والباحثة والناشطة الاجتماعية، أعادت الظاهرة إلى سببين أحدهما نفسي والآخر اجتماعي. واعتبرت أن الاجتماعي الأهم. فالشاب الذي يعيش حالة صراع مع نفسه ومع مجتمعه يصل في النهاية إلى رفض هذا المجتمع، وبالتالي رفض نفسه، وهذه حالة تراكمية منذ سنوات الطفولة إلى بداية المراهقة والشباب لتتبلور حالة رفض صارخ للذات أو المجتمع أو للاثنين معاً. هذا في حالة التنشئة أو الظروف الاجتماعية غير السليمة، أما إذا نشأ ضمن ظروف عائلية واجتماعية صحيحة فسيتقبل نفسه ومجتمعه ويتصالح معهما، وبالتالي يرفض الانخراط في مثل هذه الطقوس التي هي أساساً ضد المجتمع.

وتشير د. فرحات إلى أهمية الأسرة في بلورة شخصية الفرد. فالأسرة الحاضنة المتكافلة والمترابطة تشكل الملاذ والحضن الآمن للطفل عبر مراحل نموه، وصولاً للمراهقة والشباب لتنضج شخصيته وتتكامل ضمن شروط سوّية وظروف انسانية وفكرية وثقافية صحيحة وداعمة، أما الأسرة المفككة والتي تعاني المشاكل والخلافات والتمزق فهي أعجز من أن توفر للطفل الأمان الذي يحتاجه.