4 يوليو 2015 02:26 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 يوليو 02:26 2015
البانيان.. ليسوا وافدين جدداً، بل هم في الإمارات منذ ما يقرب من قرن ونصف القرن، وفي دبي على وجه الخصوص منذ مستهل القرن العشرين المنصرم، وجاء بعضهم من عمان والبعض الآخر من لنجة مع تجار العرب والعجم، وإذا اعتبرنا وجود البانيان في الإمارات امتداداً لوجودهم في عمان وفي عاصمتها مسقط، فإن ذكر البانيان جاء على لسان المؤرخين العمانيين كابن رزيق قبل قرنين من الزمن، و بعده الشيخ السالمي في كتابه«تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» ، الذي ألّفه في العقد الثاني من القرن الماضي، القرن العشرين.. وأحسن كتاب وأشمله قرأته عن الوجود الهندي في الخليج العربي، (والبانيان من الهنود)، للشيخة نورة بنت محمد القاسمي، وهي رسالة أعدّتها الشيخة نورة في عام ٦٩٩١، وقد عملت قراءة ومراجعة لهذا الكتاب ونُشرت في جريدة الخليج بتاريخ ١٣/٣/٩٩٩١، عدد ٥٥٢٧ ، وقد اختلفت مع الشيخة الفاضلة نورة في أمور قليلة جاءت في الكتاب لم تكن في رأيي دقيقة.. ولكن هذا الكتاب عموماً، كتاب قيّم لم أرَ له مثيلاً حتى الآن، ويحتوي على معلومات تاريخية في غاية الأهمية والقيمة. وقد سمّى العمانيون وأهل الإمارات العربية المتحدة - البانيان منذ مجيئهم إلى هنا (القور)، وتلفظ بالجيم المصرية، وحسبوهم جماعة من المجوس المماثلين للمجوس الفرس، الذين كان كثير منهم يتواجدون على سواحل عمان من صحار غرباً وحتى جلفار.. والقور اسم معرّب من الفارسية (كَبر)، ثم تغير الاسم على مدى الزمن إلى البانيان، والاسم ( بانيان) انتشر في الخليج حتى وقتنا هذا.. والعمانيون كما هو معروف أكثر أهل المنطقة العربية الخليجية احتكاكاً ومعرفة بالهنود ، هندوساً ومسلمين وطوائف أخرى، وليس بين العرب أناس جابوا المحيط الهندي وبحر عمان وبحر العرب وبحر فارس، وبحار الصين مثل العمانيين، بسفنهم الشراعية وأساطيلهم البحرية، وأرجو أن أتناول هذا الموضوع في مناسبة قادمة، إن شاء الله.. ومن المهم أن نبين أن أول ذكر واضح للقور أو المجوس جاء على لسان الشاعر الشعبي المعروف بابن ظاهر، الذي عاش في زمن اليعاربة في عمان، و كان يقطن على ما يقال في أطراف رأس الخيمة.. وذلك في قصيدة مسجلة في ديوانه، وقد ذكر في قصيدته هذه طوفاناً ضرب ساحل المعيريض، وهي قرية من ضمن مدينة رأس الخيمة الحالية.. و قال في القصيدة
سبعون ألف في المعيريض برهدوا
مشروكة ما بين مسلم وكَورها
وإذا كان الرقم «سبعون ألفاً» يشير إلى عدد ضحايا الفيضان فإن ذلك مبالغ فيه، ولكن الذي يهمنا هو أن كلام ابن ظاهر يدل على وجود غير المسلمين بين المسلمين في الإمارات، ويدل أيضاً على تقبل أهل الإمارات بالعيش الحضاري ضمن مجتمع مدني متسامح منذ قرون.. وهذا شيء مميز في تاريخ الجزيرة العربية بصفة عامة.
والثابت أن البانيان هم من الهندوس، ويختلفون عن المجوس الذين يتواجد كثير منهم في بلاد الهند.. بالرغم من التقارب العقائدي، وقد كثرت هجرة المجوس إلى الهند عند دخول الإسلام بلاد فارس، لكون الهند بلداً متسامحاً تعيش فيه الطوائف والأعراق المختلفة بسلام.. وقد عاش المجوس الفرس بسلام في عدد من مدن الهند الكبيرة، ومنها مدينة بمبي أو ممبي كما تسمى الآن، وبلغ هؤلاء شأواً اجتماعياً كبيراً وأصبحوا بطبيعة الحال جزءاً من نسيج الشعب الهندي ومن طبقاته المميزة، وأشهر أسرة (بارسية ) وهذه ألقابهم، هي أسرة تاتا الذي يعود إليه فضل النهوض بالصناعة وبالاقتصاد الهندي، وأقام له الهنود تمثالاً في أحد ميادين بمبي..
ومن العجيب أن شاه إيران محمد رضا بهلوي دعا أعداداً من هؤلاء البارسيين البارزين في المجتمع الهندي إلى المجيء إلى إيران والاستيطان فيها، ولكن هؤلاء رفضوا الفكرة باعتبار أن الهند هي أمهم التي أرضعتهم بلبنها وانقطعت كل صلة لهم ببلاد فارس وإيران.. وكان الشاه قد أقام منطقة سكنية خاصة في ضواحي طهران، تسمى تهتران بارس، وحاول تشجيع المجوس من ذوي الأصول الإيرانية على أن يقدموا إلى إيران، باعتبار هؤلاء المجوس الذين تمت الإشارة إليهم (كبارسيين) من طبقة هندية متميزة وذات تعليم عالٍ..
وقد قلّ عدد البارسيين و(PARSI) في الهند إلى أقل من ٠٠١ ألف فرد بسبب الاندماج الكلي في المجتمع الهندي، وكذلك الزواج المختلط الذي تم بين جيل الشباب من الهنود.
وفي الإمارات يعيش عدد قليل من البارسيين ومن الصعب تمييزهم عن بقية الهنود والبانيان..
بقلم: عبد الغفار حسين
[email protected]