البانيان‮.. ‬ليسوا وافدين جدداً،‮ ‬بل هم في‮ ‬الإمارات منذ ما‮ ‬يقرب من قرن ونصف القرن،‮ ‬وفي‮ ‬دبي‮ ‬على وجه الخصوص منذ مستهل القرن العشرين المنصرم،‮ ‬وجاء بعضهم من عمان والبعض الآخر من لنجة مع تجار العرب والعجم،‮ ‬وإذا اعتبرنا وجود البانيان في‮ ‬الإمارات امتداداً لوجودهم في‮ ‬عمان وفي‮ ‬عاصمتها مسقط،‮ ‬فإن ذكر البانيان جاء على لسان المؤرخين العمانيين كابن رزيق قبل قرنين من الزمن،‮ ‬و بعده الشيخ السالمي‮ ‬في‮ ‬كتابه«تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان‮» ‬،‮ ‬الذي‮ ‬ألّفه في‮ ‬العقد الثاني‮ ‬من القرن الماضي،‮ ‬القرن العشرين‮.. ‬وأحسن كتاب‮ ‬وأشمله قرأته عن الوجود الهندي‮ ‬في‮ ‬الخليج العربي،‮ (‬والبانيان من الهنود‮)‬،‮ ‬للشيخة نورة بنت محمد القاسمي،‮ ‬وهي‮ ‬رسالة أعدّتها الشيخة نورة في‮ ‬عام ‮٦٩٩١‬،‮ ‬وقد عملت قراءة ومراجعة لهذا الكتاب ونُشرت في‮ ‬جريدة الخليج بتاريخ ‮١٣/٣/٩٩٩١‬،‮ ‬عدد ‮٥٥٢٧ ‬،‮ ‬وقد اختلفت مع الشيخة الفاضلة نورة في‮ ‬أمور قليلة جاءت في‮ ‬الكتاب لم تكن في‮ ‬رأيي‮ ‬دقيقة‮.. ‬ولكن هذا الكتاب عموماً،‮ ‬كتاب قيّم لم أرَ‮ ‬له مثيلاً‮ ‬حتى الآن،‮ ‬ويحتوي‮ ‬على معلومات تاريخية في‮ ‬غاية الأهمية والقيمة‮. ‬وقد سمّى العمانيون‮ ‬وأهل الإمارات العربية المتحدة‮ - ‬البانيان منذ مجيئهم إلى هنا‮ (القور‮)‬،‮ ‬وتلفظ بالجيم المصرية،‮ ‬وحسبوهم جماعة من المجوس المماثلين للمجوس الفرس،‮ ‬الذين كان كثير منهم‮ ‬يتواجدون على سواحل عمان من صحار‮ ‬غرباً‮ ‬وحتى جلفار‮.. ‬والقور اسم معرّب من الفارسية‮ (‬كَبر‮)‬،‮ ‬ثم تغير الاسم على مدى الزمن إلى البانيان،‮ ‬والاسم‮ ( ‬بانيان‮) ‬‬انتشر في‮ ‬الخليج حتى وقتنا هذا‮.. ‬والعمانيون كما هو معروف أكثر أهل المنطقة العربية الخليجية احتكاكاً‮ ‬ومعرفة بالهنود‮ ‬،‮ ‬هندوساً‮ ‬ومسلمين وطوائف أخرى،‮ ‬وليس بين العرب أناس جابوا المحيط الهندي‮ ‬وبحر عمان وبحر العرب وبحر فارس،‮ ‬وبحار الصين مثل العمانيين،‮ ‬بسفنهم‮ ‬الشراعية وأساطيلهم البحرية،‮ ‬وأرجو أن أتناول هذا الموضوع في‮ ‬مناسبة قادمة، إن شاء الله‮.. ‬ومن المهم أن نبين أن‮ ‬أول ذكر واضح للقور أو المجوس جاء على لسان الشاعر الشعبي‮ ‬المعروف بابن ظاهر،‮ ‬الذي‮ ‬عاش في‮ ‬زمن اليعاربة في‮ ‬عمان،‮ ‬و كان‮ ‬يقطن على ما‮ ‬يقال في‮ ‬أطراف رأس الخيمة‮.. ‬وذلك في‮ ‬قصيدة مسجلة في‮ ‬ديوانه،‮ ‬وقد ذكر في‮ ‬قصيدته هذه طوفاناً‮ ‬ضرب ساحل المعيريض،‮ ‬وهي‮ ‬قرية من ضمن مدينة رأس الخيمة الحالية‮.. ‬و قال في‮ ‬القصيدة

‬سبعون ألف في‮ ‬المعيريض برهدوا‮

                   ‬مشروكة ما بين مسلم وكَورها

وإذا كان الرقم «سبعون ألفاً»‮ ‬يشير إلى عدد ضحايا الفيضان فإن ذلك مبالغ‮ ‬فيه،‮ ‬ولكن الذي‮ ‬يهمنا هو أن كلام ابن ظاهر‮ ‬يدل على وجود‮ ‬غير المسلمين بين المسلمين في‮ ‬الإمارات،‮ ‬ويدل أيضاً‮ ‬على تقبل أهل الإمارات بالعيش الحضاري‮ ‬ضمن مجتمع مدني‮ ‬متسامح منذ قرون‮.. ‬وهذا شيء مميز في‮ ‬تاريخ الجزيرة العربية بصفة عامة‮.‬

والثابت أن البانيان هم من الهندوس،‮ ‬ويختلفون عن المجوس الذين‮ ‬يتواجد كثير منهم في‮ ‬بلاد الهند‮.. ‬بالرغم من التقارب العقائدي،‮ ‬وقد كثرت هجرة المجوس إلى الهند عند دخول الإسلام بلاد فارس،‮ ‬لكون الهند بلداً متسامحاً تعيش فيه الطوائف والأعراق المختلفة بسلام‮.. وقد عاش المجوس الفرس بسلام في‮ ‬عدد من مدن‮ ‬الهند الكبيرة، ومنها مدينة بمبي‮ ‬أو ممبي‮ ‬كما تسمى الآن،‮ ‬وبلغ‮ ‬هؤلاء شأواً‮ اجتماعياً‮ ‬كبيراً‮ ‬وأصبحوا بطبيعة الحال جزءاً‮ ‬من نسيج الشعب الهندي‮ ‬ومن طبقاته المميزة،‮ ‬وأشهر أسرة‮ (‬بارسية‮ ) ‬وهذه ألقابهم،‮ ‬هي‮ ‬أسرة تاتا الذي‮ ‬يعود إليه فضل النهوض بالصناعة وبالاقتصاد الهندي،‮ ‬وأقام له الهنود تمثالاً‮ ‬في‮ ‬أحد ميادين بمبي‮..‬

ومن العجيب أن شاه إيران محمد رضا بهلوي‮ ‬دعا أعداداً‮ ‬من هؤلاء البارسيين البارزين في‮ ‬المجتمع الهندي‮ ‬إلى المجيء إلى إيران والاستيطان فيها، ولكن هؤلاء رفضوا الفكرة باعتبار أن الهند هي‮ ‬أمهم التي‮ ‬أرضعتهم بلبنها وانقطعت كل صلة لهم ببلاد فارس وإيران‮.. ‬وكان الشاه قد أقام منطقة سكنية خاصة في‮ ‬ضواحي‮ ‬طهران،‮ ‬تسمى تهتران بارس،‮ ‬وحاول تشجيع المجوس من ذوي‮ ‬الأصول الإيرانية على أن‮ ‬يقدموا إلى إيران،‮ ‬باعتبار هؤلاء المجوس الذين تمت الإشارة إليهم‮ (‬كبارسيين) ‬من طبقة هندية متميزة وذات تعليم عال‮ٍ..‬

وقد قلّ‮ ‬عدد البارسيين و(PARSI) في‮ ‬الهند إلى أقل من ‮٠٠١ ‬ألف فرد بسبب الاندماج الكلي‮ ‬في‮ ‬المجتمع الهندي‮، ‬وكذلك الزواج المختلط الذي‮ ‬تم بين جيل الشباب من الهنود.

‬وفي‮ ‬الإمارات‮ ‬يعيش عدد قليل من البارسيين ومن الصعب تمييزهم عن بقية الهنود والبانيان‮..

بقلم‮: ‬عبد الغفار حسين

‮ ‬[email protected]